تجاوز إلى المحتوى

من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)

الفصل الثالث فيما جاء في العداوة والبغضاء

قد ذكر الله ﷿ العداوة والبغضاء في كتابه العزيز فقال تعالى: وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ

. وقال تعالى: إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ

. وقال تعالى: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا

. وقال تعالى: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ

وقال رسول الله ﷺ: «أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك». وقال أبو بكر الصديق ﵁: العداوة تتوارث، وقال زياد بن عبد الله:

فلو أنّي بليت بهاشميخؤولته بنو عبد المدان
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «فلو أني بليت بهاشمي»
صبرت على عداوته ولكنتعالوا فانظروا بمن ابتلاني
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «ولو أني بليت بهاشمي»

وبثّ رجل في وجه أبي عبيدة مكروها، فأنشأ يقول:

فلو أنّ لحمي إذ وهى لعبت بهسباع كرام أو ضباع وأذؤب
لهوّن وجدي أو لسلّى مصيبتيولكنما أودى بلحمي أكلب

وقيل لكسرى: أي الناس أحب إليك أن يكون عاقلا؟

قال: عدوي، قيل: كيف ذلك؟ قال: لأنه إذا كان عاقلا كنت منه في عافية وأمن. وقيل: كونوا من المرء الدغل أخوف من الكاشح المعلن، فإن مداواة أهل العلل الظاهرة أهون من مداواة ما خفي وبطن. وقالوا: إياك أن تعادي من إذا شاء طرح ثيابه، ودخل مع الملك في لحافه.

وقال أبو العتاهية:

تنحّ عن القبيح ولا تردهومن أوليته حسنا فزده
ستلقي من عدوك كلّ كيدإذا كان العدوّ ولم تكده

وكانت جليلة بنت مرة أخت جساس تحت كليب، فقتل أخوها زوجها وهي حبلى بهجرس بن كليب، فلما كبر وشب قال:

أصاب أبي خالي وما أنا بالذيأميل وأمري بين خالي ووالدي
للشاعر الهجرس بن كليب التغلبي، اقرأ القصيدة
وأورث جساس بن مرة غصةإذا ما اعترتني حرّها غير بارد
للشاعر الهجرس بن كليب التغلبي، اقرأ القصيدة

ثم قال بعد ذلك:

يا للرجال لقلب ماله جلدكيف العزاء وثاري عند جساس

ثم حمل على خاله فقتله وقال:

ألم ترني ثأرت أبي كليباوقد يرجى المرشّح للدخول
للشاعر الهجرس بن كليب التغلبي، اقرأ القصيدة
غسلت العار عن جسم ابن بكربجساس بن مرة ذي البتول

بيت:

سنّ العداوة آباء لنا سلفوافلن تبيد وللآباء أبناء

ويقال: دار عدوك لأحد أمرين: إما لصداقة تؤمنك، أو لفرصة تمكنك.

وكتب سويد إلى مصعب:

فبلّغ مصعبا عني رسوليوهل تلقى النصيح بكل واد
تعلّم أنّ أكثر من تناجيوإن ضحكوا إليك هم الأعادي

ويقال: فلان كثير المراق مر المذاق. وقال الحجاج لخارجي: والله إني لأبغضك، قال: أدخل الله الجنة أشدنا بغضا لصاحبه. ولما أراد أنوشروان أن يقلّد ابنه هرمز ولاية العهد استشار عظماء مملكته، فأنكروا عليه، وقال بعضهم: إن أمه تركية وقد علمت في أخلاقهم ما علمت، فقال: إن الأبناء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات، وكانت أم قباذ تركية، وقد رأيتم من حسن سيرته ما رأيتم، فقيل: هو قصير وذلك يذهب ببهاء الملك، فقال: إن قصره من رجليه ولا يكاد يرى إلا جالسا أو راكبا، فلا يستبين ذلك فيه. فقيل: هو بغيض في الناس، فقال: أواه هلك ابني هرمز، فقد قيل: إذا كان في الإنسان خير واحد ولم يكن ذلك الخير المحبة إلى الناس فلا خير فيه، وإذا كان فيه عيب واحد ولم يكن ذلك العيب البغض في الناس فلا عيب فيه:

ولست براء عيب ذي الود كلّهولا بغض ما فيه إذا كنت راضيا
فعين الرضا عن كل عيب كليلةكما أن عين السخط تبدي المساويا
للشاعر محمد جواد عواد البغدادي، اقرأ القصيدة

وفي المعنى قيل:

وعين البغض تبرز كلّ عيبوعين الحب لا تجد العيوبا
للشاعر ابن الإفرنجية، اقرأ القصيدة

وعن أبي حيان قال: قال لقمان: نقلت الصخور وحملت الحديد، فلم أر شيئا أثقل من الدّين، وأكلت الطيبات وعانقت الحسان، فلم أر شيئا ألذ من العافية. وأنا أقول لو نزحوا البحار وكنسوا القفار لوجدوها أهون من شماتة الأعداء خصوصا إذا كانوا مساهمين في نسب أو مجاورين في بلد. اللهم إنّا نعوذ بك من تتابع الإثم وسوء الفهم وشماتة ابن العم.

وقيل لأيوب ﵇: أي شيء كان عليك في بلائك أشد؟ قال: شماتة الأعداء.

وأنشد الجاحظ:

تقول العاذلات تسلّ عنهاوداو عليل قلبك بالسلو
وكيف ونظرة منها اختلاساألذّ من الشماتة بالعدو

وقال ابن أبي جهينة المهلبي:

كل المصائب قد تمر على الفتىفتهون غير شماتة الأعداء
للشاعر عبد الله بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة

وقال الجاحظ: ما رأيت سنانا أنفذ من شماتة الأعداء.

وقيل: لما قبض رسول الله ﷺ سمع بموته نساء من كندة وحضرموت، فخضبن أيديهن وضربن بالدفوف، فقال رجل منهم:

أبلغ أبا بكر إذا ما جئتهأنّ البغايا من بني مرّام
أظهرن في موت النبي شماتةوخضبن أيديهن بالغلّام
فاقطع هديت أكفهنّ بصارمكالبرق أومض في متون غمام

فكتب أبو بكر الصديق ﵁ إلى المهاجر عامله، فأخذهن وقطع أيديهن.

ويقال: فلان يتربص بك الدوائر ويتمنى لك الغوائل، ولا يؤمل صلاحا إلا في فسادك ولا رفعة إلا في سقوط حالك. وقال حكيم: لا تأمن عدوك وإن كان ضعيفا، فإن القناة قد تقتل، وإن عدمت السنان. قال الشاعر:

فلا تأمن عدوّك لو تراهأقلّ إذا نظرت من القراد
فإن الحرب ينشأ من جبانوإن النار تضرم من رماد

بيت مفرد:

فمن لم يكن منكم مسيئا فإنهيشدّ على كف المسيء فيجلب

وقال عبد الله بن سليمان بن وهب:

كفاية الله خير من توقّيناوعادة الله في الماضين تكفينا
كاد الأعادي فلا والله ما تركواقولا وفعلا وتلقينا وتهجينا
ولم نزد نحن في سر وفي علنعلى مقالتنا يا ربّنا اكفينا
فكان ذاك وردّ الله حاسدنابغيظه لم ينل تقديره فينا

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب التاسع والثلاثون في الغدر والخيانة والسرقة والعداوة والبغضاء والحسد

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.