تجاوز إلى المحتوى

من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)

ذكر أنواع الهدايا للخلفاء وغيرهم ممن قصرت به قدرته فاهدى اليسير وكتب معه مكاتبة يعتذر بها

أهدي إلى سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام ثمانية أشياء متباينة في يوم واحد. فيلة من ملك الهند، وجارية من ملك الترك، وفرس من ملك العرب، وجوهر من ملك الصين، واستبرق من ملك الروم، ودرة من ملك البحر، وجرادة من ملك النمل، وذرة من ملك البعوض.

فتأمل ذلك، وقال: سبحان القادر على جمع الأضداد.

وأهدى ملك الروم إلى المأمون هدية، فقال المأمون:

أهدوا له ما يكون ضعفها مائة مرة ليعلم عز الإسلام ونعمة الله تعالى علينا، ففعلوا ذلك، فلما عزموا على حملها قال: ما أعز الأشياء عندهم؟ قالوا: المسك والسمور.

وقال: وكم في الهدية من ذلك؟ قالوا: مائتا رطل مسكا ومائتا فروة سمور.

وأهدت قطر الندى إلى المعتضد بالله في يوم نيروز في سنة اثنتين وثمانين ومائتين هدية كان فيها عشرون صينية ذهب في عشرة منها مشام عنبر وزنها أربعة وثمانون رطلا، وعشرون صينية فضة في عشر منها مشام صندل زنتها نيف وثلاثون رطلا، وخمس خلع وشي قيمتها خمسة آلاف دينار، وعملت شمامات ليوم النيروز بلغت النفقة عليها ثلاثة عشر ألف دينار.

أهدى يعقوب بن الليث الصفار إلى المعتمد على الله هدية في بعض السنين من جملتها عشر بازات منها باز أبلق لم ير مثله، ومائة مهر، وعشرون صندوقا على عشر بغال فيهم طرائف الصين وغرائبه، ومسجد فضة بدرابزين يصلي فيه خمسة عشر إنسانا ومائة رطل من مسك، ومائة رطل عود هندي، وأربعة آلاف ألف درهم.

وأهدت ثريا بنت الأوباري ملكة افرنجة وما والاها إلى المكتفي بالله في سنة ثلاث وسبعين ومائتين. خمسين سيفا وخمسين رمحا وعشرين ثوبا منسوجا بالذهب، وعشرين خادما صقلبيا، وعشرين جارية صقلبية، وعشر كلاب كبار لا تطيقها السباع، وست بازات، وسبع صقور، ومضرب حرير متلون بجميع الألوان كلون قوس قزح، يتلون في كل ساعة من ساعات النهار، وثلاثة أطيار من الأطيار الإفرنجية إذا نظرت إلى الطعام أو الشراب المسموم صاحت صياحا منكرا وصفقت بأجنحتها حتى يعلم ذلك، وخرزا يجذب النصول بعد نبات اللحم عليها بغير وجع، وحمارة وحشية عظيمة الخلقة في قدر البغل، وآذانها شبه آذان البغل، وهي مخططة تخطيطا عاما لجميع خلقتها.

وأهدى قسطنطين ملك الروم إلى المستنصر بالله في سنة سبع وثلاثين وأربعمائة هدية عظيمة اشتملت قيمتها على ثلاثين قنطارا من الذهب الأحمر كل قنطار منها عشرة آلاف دينار عربية قيمة ذلك ثلاثمائة ألف دينار عربية.

وحكي أن الخيزران جارية المهدي كانت أديبة شاعرة، فعزم المهدي على شرب دواء، فأنفذت إليه جام بلور فيه شراب اختارته له مع وصيفة بكر بارعة الجمال، وكتبت إليه تقول:

إذا خرج الإمام من الدواءوأعقب بالسلامة والشفاء
وأصلح حاله من بعد شرببهذا الجام من هذا الطلاء
فينعم للتي قد أنفذتهإليه بزورة بعد العشاء

فسرّ بذلك ووقعت الجارية منه أعظم موقع، وزار الخيزران وأقام عندها يومين.

وأهدى الصابي إلى عضد الدولة أسطر لابا في يوم المهرجان وكتب إليه يقول:

أهدى إليك بنو الأملاك واحتفلوافي مهرجان جديد أنت تبليه
لكنّ عبدك إبراهيم حين رأىسموّ قدرك عن شيء يدانيه
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
لم يرض بالأرض يهديها إليك وقدأهدى لك الفلك الأعلى بما فيه
للشاعر أبو إسحاق الصابي، من قصيدة «أهدى إليك بنو الحاجات، واختلفوا»

وأهدى رجل إلى المتوكل قارورة ذهب وكتب معها بأن الهدية إذا كانت من الصغير إلى الكبير فكلما لطفت ودقت كانت أبهى وأحسن، وإذا كانت من الكبير إلى الصغير فكلما عظمت وجلّت كانت أوقع وأنفع.

وأهدى مرة أبو الهذيل إلى موسى بن عمران دجاجة ووصفها له بصفات جليلة، ثم لم يزل يذكرها، وكلما ذكر شيء بجمال أو سمن قال: هو أحسن أو أسمن من الدجاجة التي أهديتها إليكم، وإن ذكر حادث قال: ذلك قبل أن أهدي لكم الدجاجة بشهر، وما كان بين ذلك وبين إهداء الدجاجة إلا أيام قلائل، فصارت مثلا لمن يستعظم الهدية، ويذكرها. قال الشاعر:

وإن امرأ أهدى إليّ صنيعةوذكّرنيها مرّة للئيم

وقال سفيان الثوري: إذا أردت أن تتزوج فأهد للأم.

وكان سفيان يروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما:

من أهديت إليه هدية وعنده قوم فهم شركاؤه فيها، فأهدى إليه صديق له ثيابا من ثياب مصر وعنده قوم، فذكروا الخبر، فقال: إنما ذلك فيما يؤكل ويشرب أما في ثياب مصر فلا.

وكتب الحمدوني إلى جارية اسمها برهان، وقد حج مواليها، فقال:

حجوا مواليك يا برهان واعتمرواوقد أتتك الهدايا من مواليك
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
فأطرفيني بما قد أطرفوك بهولا تكن طرفتي غير المساويك
للشاعر الحَمدَوي، اقرأ القصيدة
ولست أقبل إلّا ما جلوت بهثنيتيك وما ردّدت في فيك
للشاعر الحَمدَوي، اقرأ القصيدة

وكتب بعضهم إلى صديقه وقد أهدى إليه هدية يسيرة يقول:

تفضّل بالقبول عليّ إنيبعثت بما يقلّ العبد عندك
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «تفضل بالقبول علي إني»

وأهدى بعضهم إلى صديقه هدية في يوم نيروز، وكتب إليه يقول: هذا يوم جرت فيه العادة بألطاف العبيد للسادة، وقدر الأمير يجل عما تحيط به المقدرة، وفي سؤدده ما يوجب التفضل ببسط المعذرة، وقد وجهت ما حضر علما بأنه لا يستكثر ما جل ولا يستقل لعبده ما قل، فإن رأى أن يتطول بقبول القليل كتطوله بإهداء الجزيل فعل، وجعل يقول:

رأيت كثير ما يهدى إليكمقليلا فاقتصرت على الدعاء

وبلغ الحسن بن عمارة أن الأعمش يقع فيه ويقول:

ظالم ولي المظالم، فأهدى إليه هدية فمدحه الأعمش بعد ذلك وقال: الحمد لله الذي ولي علينا من يعرف حقوقنا، فقيل له: كنت تذمه ثم الآن تمدحه، فقال: حدثني خيثمة عن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها».

وقال عبد الملك بن مروان: ثلاثة أشياء تدل على عقول أربابها، الكتاب يدل على عقل كاتبه، والرسول يدل على عقل مرسله، والهدية تدل على عقل مهديها. والله ﷾ أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المستطرف في كل فن مستظرف»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.