تجاوز إلى المحتوى

من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)

ذكر شيء مما جاء في ذم السؤال والنهي عنه

روي عن عبد الرحمن بن عوف بن مالك الأشجعي

رضي الله تعالى عنه قال: كنّا عند رسول الله ﷺ تسعة أو ثمانية أو سبعة فقال: ألا تبايعون رسول الله ﷺ؟ فبسطنا أيدينا وكنا حديثي عهد بالمبايعة، فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلام يا رسول الله نبايعك؟ قال: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وتقيموا الصلوات الخمس، وتطيعوا الله، وأسرّ كلمة خفية وهي: ولا تسألوا الناس شيئا، فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم، فما يسأل أحدا يناوله إياه، رواه مسلم.

وقال رجل لابنه: إياك أن تريق ماء وجهك عند من لا ماء في وجهه.

وكان لقمان يقول لولده: يا بني إياك والسؤال فإنه يذهب ماء الحياء من الوجه، وأعظم من هذا استخفاف الناس بك. وأوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: لأن تدخل يدك فم التنين إلى المرفق خير لك من أن تبسطها إلى غني قد نشأ في الفقر.

وقيل لأعرابي: ما السقم الذي لا يبرأ والجرح الذي لا يندمل؟ قال: حاجة الكريم إلى اللئيم.

وقال أبو محلم السعدي:

إذا رماك الدهر في الضيق فانتجعقديم الغنى في الناس إنّك حامده
ولا تطلبنّ الخير ممّن أفادهحديثا ومن لا يورث المجد والده

وقال رسول الله ﷺ: «مسألة الناس من الفواحش ما أحلّ من الفواحش غيرها». وقال ﵊:

«لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلا فيسأله أعطاه أو منعه».

قال الشاعر:

ما اعتاض باذل وجهه بسؤالهعوضا ولو نال الغنى بسؤال
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله»
وإذا السؤال مع النوال وزنتهرجح السؤال وخفّ كل نوال
للشاعر عمر الأنسي، من قصيدة «صن ماء وجهك تبتهج بجماله»

وقال أحمد الأنباري:

لموت الفتى خير من البخل للغنىوللبخل خير من سؤال بخيل
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «بخلت وليس البخل مني سجية»
لعمرك ما شيء لوجهك قيمةفلا تلق إنسانا بوجه ذليل
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «بخلت وليس البخل مني سجية»

وقال سلم الخاسر:

إذا أذن الله في حاجةأتاك النجاح على رسله
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «يدير الأمور مقادرها»
فلا تسأل الناس من فضلهمولكن سل الله من فضله

ويقال: أحب الناس إلى الله من سأله وأبغض الناس إلى الناس من احتاج إليهم وسألهم، وفي هذا المعنى قيل:

لا تسألنّ من ابن آدم حاجةوسل الذي أبوابه لا تحجب
الله يغضب إن تركت سؤالهوبنيّ آدم حين يسأل يغضب

وقال محمود الوراق:

شاد الملوك قصورهم وتحصنوامن كل طالب حاجة أو راغب
فارغب إلى ملك الملوك ولا تكنياذا الضراعة طالبا من طالب

وقال ابن دقيق العيد:

وقائلة مات الكرام فمن لناإذا عضّنا الدهر الشديد بنابه
للشاعر ابن دقيق العيد، اقرأ القصيدة
فقلت لها من كان غاية قصدهسؤالا لمخلوق فليس بنابه
للشاعر ابن دقيق العيد، اقرأ القصيدة
إذا مات من يرجى فمقصودنا الذيترجّينه باق فلوذي ببابه

وقال بعض أهل الفضل:

لما افتقرت لصحبي ما وجدتهمولجأت لله لبّاني وأغناني
واها على بذل وجهي للورى سفهافلو بذلت إلى مولاي والاني

وسأل رجل رجلا حاجة فلم يقضها فقال: سألت فلانا حاجة أقل من قيمته، فردني ردا أقبح من خلقته.

وسأل عروة مصعبا حاجة فلم يقضها فقال: علم الله تعالى أن لكل قوم شيخا يفزعون إليه وأنا أفزع منك.

ويقال: لا شيء أوجع للأخيار من الوقوف بباب الأشرار.

وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:

بلوت بني الدنيا فلم أر فيهمسوى من غدا والبخل ملء إهابه
للشاعر ابن شبرين الجذامي، اقرأ القصيدة
فجردت من غمد القناعة صارماقطعت رجائي منهم بذبابه
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «بلوت بني الدنيا فلم أرى فيهم»
فلا ذا يراني واقفا في طريقهولا ذا يراني قاعدا عند بابه
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «بلوت بني الدنيا فلم أرى فيهم»
غني بلا مال عن الناس كلّهموليس الغنى إلّا عن الشيء لا به
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «بلوت بني الدنيا فلم أرى فيهم»
إذا ما ظالم استحسن الظلم مذهباولجّ عتوا في قبيح اكتسابه
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «بلوت بني الدنيا فلم أرى فيهم»
فكله إلى صرف الليالي فإنهاستبدي له ما لم يكن في حسابه
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «بلوت بني الدنيا فلم أرى فيهم»
فكم قد رأينا ظالما متمردايرى النجم تيها تحت ظلّ ركابه
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «بلوت بني الدنيا فلم أرى فيهم»
فعمّا قليل وهو في غفلاتهأناخت صروف الحادثات ببابه
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «بلوت بني الدنيا فلم أرى فيهم»
فأصبح لا مال ولا جاه يرتجىولا حسنات تلتقي في كتابه
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «بَلَوْتُ بَني الدُّنيا فَلَمْ أَرَ فِيهمُ»
وجوزي بالأمر الذي كان فاعلاوصبّ عليه الله سوط عذابه
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «بلوت بني الدنيا فلم أرى فيهم»

وقال آخر:

لا تسألنّ إلى صديق حاجةفيحول عنك كما الزمان يحول
واستغن بالشيء القليل فإنّهما صان عرضك لا يقال قليل
من عفّ خفّ على الصديق لقاؤهوأخو الحوائج وجهه مملول
وأخوك من وفّرت ما في كفّهومتى علقت به فأنت ثقيل

وقال آخر:

ليس جودا أعطيته بسؤالقد يهزّ السؤال غير جواد
إنما الجود ما أتاك ابتداءلم تذق فيه ذلّة التّرداد
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «ليس جودا عطية بسؤال»

وقال آخر:

لا تحسبن الموت موت البلىإنما الموت سؤال الرجال
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «يا أيها المتعب بزل الجمال»
كلاهما موت ولكنّ ذاأخفّ من ذاك لذلّ السؤال
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «يا أيها المتعب بزل الجمال»

وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه:

قنعت بالقوت من زمانيوصنت نفسي عن الهوان
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «قنعت بالقوت من زماني»
خوفا من الناس أن يقولوافضل فلان على فلان
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «قنعت بالقوت من زماني»
من كنت عن ماله غنيّافلا أبالي إذا جفاني
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «قنعت بالقوت من زماني»
ومن رآني بعين نقصرأيته بالتي رآني
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «قنعت بالقوت من زماني»
ومن رآني بعين تمرأيته كامل المعاني
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «قنعت بالقوت من زماني»

والله ﷾ أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الباب الرابع والخمسون في ذكر الهدايا والتحف وما أشبه ذلك

قال الله تعالى: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها

فسرها بعضهم بالهدية.

وقال ﷺ: «تهادوا تحابوا فانها تجلب المحبة وتذهب الشحناء». وقال ﷺ: «الهدية مشتركة». وقال ﷺ: «من

سألكم بالله فأعطوه ومن استعاذكم فأعيذوه ومن أهدى إليكم كراعا فاقبلوه». وكان ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها ما هو خير منها. وفي الأثر: الهدية تجلب المودة إلى القلب والسمع والبصر.

ومن الأمثال: إذا قدمت من سفر فأهد أهلك ولو حجرا. وقال الفضل بن سهل: ما استرضي الغضبان، ولا استعطف السلطان، ولا سلبت السخائم ولا دفعت المغارم، ولا استميل المحبوب، ولا توقي المحذور بمثل الهدية.

وأتى فتح الموصلي بهدية وهي خمسون دينارا فقال:

حدثنا عطاء، عن النبي ﷺ: أنه قال «من أتاه الله رزقا من غير مسألة ورده فكأنما رده على الله تعالى».

وأهدى رسول الله ﷺ هدية إلى عمر، فردها، فقال:

يا عمر لم رددت هديتي؟ فقال رضي الله تعالى عنه: إني سمعتك تقول خيركم من لم يقبل شيئا من الناس. فقال:

يا عمر إنما ذاك ما كان عن ظهر مسألة، فإما إذا أتاك من غير مسألة فإنما هو رزق ساقه الله إليك.

وقالت أم حكيم الخزاعية: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تهادوا فإنه يضاعف الحب ويذهب بغوائل الصدور». ويقال: في نشر المهاداة طي المعاداة.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المستطرف في كل فن مستظرف»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.