تجاوز إلى المحتوى

من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)

وأما الكسب

فقد جاء في تفسير قوله تعالى: وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ

أي دروع من الحديد، وذلك أن داود ﵊ كان يدور في الصحاري فإذا رأى من لا يعرفه تحدث معه في أمر داود، فإذا سمعه عابه بشيء يصلحه من نفسه، فسمع يوما من يقول: إني لا أجد في داود عيبا إلا أنه يأكل من غير كسبه، فعند ذلك صلى داود ﵊ في محرابه وتضرع بين يدي الله تعالى وسأله أن يعلمه ما يستعين به على قوته، فعلمه الله تعالى صنعة الحديد وجعله في يده كالشمع، فاحترفها واستعان بها على أمره وصار يحكم منها الدروع.

وقال رسول الله ﷺ: «جعل رزقي تحت ظل رمحي فكانت حرفته الجهاد». وقال رسول الله ﷺ: «إن الله يحب العبد المحترف». وقال ﷺ: «إن الله تعالى يبغض العبد الصحيح الفارغ». وقال ﵊: «من اكتسب قوته ولم يسأل الناس لم يعذبه الله تعالى يوم القيامة». ولو تعلمون ما أعلم من المسألة لما سأل رجل رجلا شيئا وهو يجد قوت يومه، وليس عند الله أحب من عبد يأكل من كسب يده إن الله تعالى يبغض كل فارغ من أعمال الدنيا والآخرة.

وعن أنس رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ: «من بات كالّا في طلب الحلال أصبح مغفورا له». وعن الحسن ﵀: كسب الدرهم الحلال أشد من لقاء الزحف.

وقيل لمحمد بن مهران: إن ههنا أقواما يقولون نجلس في بيوتنا وتأتينا أرزاقنا، فقال: هؤلاء قوم حمقى إن كان لهم مثل يقين إبراهيم خليل الرحمن فليفعلوا.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهم ارزقني فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة. وقال أيضا: إني لأرى

الرجل فيعجبني، فأقول: أله حرفة، فإن قالوا لا. سقط من عيني.

واشترى سليمان وسقا من طعام وهو ستون صاعا فقيل له في ذلك فقال: إن النفس إذا أحرزت رزقها أطمأنت.

قال بعضهم في السعي:

خاطر بنفسك كي تصيب غنيمةإنّ الجلوس مع العيال قبيح
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة

وقيل: إن أول من صنع لسان الميزان عبد الله بن عامر، وكان الناس إنما يزنون بالشاهيني. وعن أنس ﵁ قال: غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ، فقالوا يا رسول الله: سعّر لنا، فقال: إن الله الخالق القابض المسعر الرازق، وإن لأرجو أن ألقى الله تعالى وليس أحد يطلبني بمظلمة ظلمته بها في أهل ولا مال.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الخامس والخمسون في العمل والكسب والصناعات والحرف وما أشبه ذلك

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.