من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)
وأما ما جاء في العجز والتواني
فقد روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال:
من أطاع التواني ضيع الحقوق، ومن العجز طلب ما فات مما لا يمكن استدراكه وترك ما أمكن مما تحمد عواقبه.
قال الشاعر:
على المرء أن يسعى ويبذل جهدهويقضي إله الخلق ما كان قاضيا
ومثله قوله:
على المرء أن يسعى ويبذل نفعهوليس عليه أن يساعده الدهر
وقيل: احذر مجالسة العاجز، فإنه من سكن إلى عاجز أعداه من عجزه، وأمده من جزعه وعوده قلة الصبر، ونسّاه ما في العواقب، وليس للعجز ضدّ إلا الحزم.
وقال بعض العلماء: من الخذلان مسامرة الأماني ومن التوفيق بغض التواني. وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال:
«باكروا في طلب الرزق والحوائج فإن الغدو بركة ونجاح».
وقال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه: احرص على ما ينفعك، ودع كلام الناس فإنه لا سبيل إلى السلامة من ألسنة الناس. وقال علي رضي الله تعالى عنه: التواني مفتاح البؤس، وبالعجز والكسل تولدت الفاقة ونتجت الهلكة، ومن لم يطلب لم يجد وأفضى إلى الفساد.
وقال حكيم: من دلائل العجز كثرة الإحالة على المقادير. وقال بعض الحكماء: الحركة بركة والتواني هلكة والكسل شؤم، وكلب طائف خير من أسد رابض ومن لم يحترف لم يعتلف. وقيل: من العجز والتواني تنتج الفاقة. قال هلال بن العلاء الرّفاء هذين البيتين من جملة أبيات:
كأنّ التّواني أنكح العجز بنتهوساق إليها حين زوّجها مهرا
فراشا وطيئا ثم قال لها اتكيفإنكما لا بدّ أن تلدا الفقرا
وقال آخر:
توكل على الرحمن في الأمر كلّهولا ترغبن في العجز يوما عن الطلب
ألم تر أنّ الله قال لمريموهزّي إليك الجذع يسّاقط الرّطب
ولو شاء أن تجنيه من غير هزّهجنته ولكن كلّ رزق له سبب
وسأل معاوية ﵁ سعيد بن العاص عن المروءة فقال: العفة والحرفة. وكان أيوب السختياني يقول: يا فتيان احترفوا فإني لا آمن عليكم أن تحتاجوا إلى القوم، يعني الأمراء. وقال رجل للحسن: إني أنشر مصحفي فاقرأه بالنهار كله، فقال: اقرأه بالغداة والعشي ويكون يومك في صنعتك وما لا بد منه. ومر رحمه الله تعالى بإسكاف، فقال يا هذا: اعمل وكل، فإن الله يحب من يعمل ويأكل ولا يحب من يأكل ولا يعمل.
وقال أبو تمام:
أعاذلتي ما أحسن الليل مركباوأحسن منه في الملمّات راكبه
ذريني وأهوال الزمان أقاسهافأهواله العظمى تليها رغائبه
أرى عاجزا يدعى جليدا لقسمهولو كلّف المقوى لكلّت مضاربه
وعفّا يسمى عاجزا بعفافهولولا التقى ما أعجزته مذاهبه
وليس بعجز المرء أخطأه الغنىولا باحتيال أدرك المال كاسبه
وقال آخر:
فلا تركن إلى كسل وعجزيحيل على المقادر والقضاء
وقال أعرابي: العاجز هو الشاب القليل الحيلة الملازم للأماني المستحيلة. ويقال: فلان يخدعه الشيطان عن الحزم، فيمثل له التواني في صورة التوكل، ويريه الهوينا بإحالته على القدر. وقال لقمان لابنه: يا بني إياك والكسل والضجر، فإنك إذا كسلت لم تؤد حقا وإذا ضجرت لم تصبر على حق.
وقال أبو العتاهية:
إذا وضع الراعي على الأرض صدرهفحقّ على المعزى بأن تتبدّدا
فالتواني: هو الكسل وتضييع الحزم وعدم القيام على مصالح النفس وترك التسبب والاحتراف والإحالة على المقادير، وهذا من أقبح الأفعال.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع