تجاوز إلى المحتوى

من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)

الفصل الثاني في الصبر على المكاره ومدح التثبت وذم الجزع

قد مدح الله تعالى الصبر في كتابه العزيز في مواضع كثيرة، وأمر به، وجعل أكثر الخيرات مضافا إلى الصبر، وأثنى على فاعله، وأخبر أنه ﷾ معه، وحث على التثبت في الأشياء، ومجانبة الاستعجال فيها، فمن ذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ

. فبدأ بالصبر قبل الصلاة، ثم جعل نفسه مع الصابرين دون المصلين. قوله تعالى: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ

وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا

وقوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا

. وبالجملة، فقد ذكر الله ﷾ الصبر في كتابه العزيز في نيف وسبعين موضعا. وأمر نبيه ﷺ به فقال تعالى: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ

. وقد روي عن النبي ﷺ في ذلك أخبار كثيرة، فمن ذلك قوله ﷺ: «النصر في الصبر». وقوله ﵊: «بالصبر يتوقع الفرج». وقوله: «الأناة من الله تعالى والعجلة من الشيطان، فمن هداه الله تعالى بنور توفيقه ألهمه الصبر في مواطن طلباته والتثبت في حركاته وسكناته، وكثيرا ما أدرك الصابر مرامه أو كاد، وفات المستعجل غرضه أو كاد». وقال الأشعث بن قيس: دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فوجدته قد أثر فيه صبره على العبادة الشديدة ليلا ونهارا، فقلت يا أمير المؤمنين: إلى كم تصبر على مكابدة هذه الشدة؟ فما زادني إلا أن قال:

اصبر على مضض الإدلاج في السحروفي الرواح إلى الطاعات في البكر
إني رأيت وفي الأيام تجربةللصبر عاقبة محمودة الأثر
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «إصبر على مضض الإدلاج في السحر»
وقلّ من جدّ في أمر يؤمّلهواستصحب الصبر إلا فاز بالظفر
للشاعر ميخائيل خير الله ويردي، من قصيدة «إصبر ففي الصبر اعجاز ومقدرة»

فحفظتها منه وألزمت نفسي الصبر في الأمور، فوجدت بركة ذلك.

وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها، إلا حط الله بها من خطاياه».

وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أراد الله بعبد الخير عجّل له العقوبة في

الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة».

وقال ﷺ: «إن أعظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط». رواه الترمذي، وقال حديث حسن.

وعن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ: «الضرب على الفخذ عند المصيبة يحبط الأجر، والصبر عند الصدمة الأولى، وعظم الأجر على قدر المصيبة، ومن استرجع بعد مصيبته جدد الله له أجرها كيوم أصيب بها».

وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال:

احفظوا عني خمسا. اثنتين واثنتين وواحدة. لا يخافن أحدكم إلا ذنبه، ولا يرجو إلا ربه، ولا يستحي أحد منكم إذا سئل عن شيء وهو لا يعلم أن يقول لا أعلم، واعلموا أن الصبر من الأمور بمنزلة الرأس من الجسد إذا فارق الرأس الجسد فسد الجسد، وإذا فارق الصبر الأمور فسدت الأمور، وأيما رجل حبسه السلطان ظلما، فمات في حبسه مات شهيدا فإن ضربه فمات، فهو شهيد.

وروي في الخبر لما نزل قوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ

قال أبو بكر الصديق ﵁ يا رسول الله: كيف الفرح بعد هذه الآية؟ فقال رسول الله ﷺ: غفر الله لك يا أبا بكر، أليس تمرض، أليس يصيبك الأذى، أليس تحزن، قال: بلى يا رسول الله. قال: فهذا ما تجزون به يعني جميع ما يصيبك من سوء يكون كفّارة لك، وبهذا اتضح لك أن العبد لا يدرك منزلة الأخيار إلا بالصبر على الشدة والبلاء.

وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: بينما رسول الله ﷺ يصلي عند الكعبة وأبو جهل وأصحابه جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس فقال أبو جهل لعنه الله: أيكم يقوم إلى سلا الجزور فيلقيه على كتفي محمد إذا سجد، فانبعث أشقى القوم فأخذه وأتى به، فلما سجد ﷺ وضع بين كتفيه السلا والفرث والدم، فضحكوا ساعة وأنا قائم انظر، فقلت: لو كان لي منعة لطرحته عن ظهر رسول الله ﷺ، والنبي ﷺ ساجد ما يرفع رأسه، حتى انطلق انسان، فأخبر فاطمة ﵂، فجاءت فطرحته عن ظهره، ثم أقبلت عليهم فسبتهم، فلما قضى ﷺ الصلاة رفع يديه فدعا عليهم فقال: اللهم عليك بقريش، ثلاث مرات، فلما سمع القوم صوته ودعاءه ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته فقال:

اللهم عليك بأبي جهل، وعتبة، وشيبة، وربيعة والوليد، وأمية بن خلف، فقال علي ﵁: والذي بعث محمدا بالحق رأيت الذين سماهم صرعى يوم بدر.

وكان الصالحون يفرحون بالشدة لأجل غفران الذنوب لأن فيها كفارة السيئات ورفع الدرجات.

وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ثلاث من رزقهن فقد رزق خيري الدنيا والآخرة. الرضا بالقضاء، والصبر على البلاء، والدعاء في الرخاء.

وحكي أن امرأة من بني إسرائيل لم يكن لها إلا دجاجة، فسرقها سارق، فصبرت وردت أمرها إلى الله، ولم تدع عليه، فلما ذبحه السارق، ونتف ريشها نبت جميعهن في وجهه، فسعى في إزالته فلم يقدر على ذلك إلى أن أتى حبرا من أحبار بني إسرائيل، فشكا له، فقال: لا أجد لك دواء إلا أن تدعو عليك هذه المرأة، فأرسل إليها من قال لها: أين دجاجتك؟ فقالت: سرقت، فقال: لقد آذاك من سرقها. قالت: قد فعل، ولم تدع عليه. قال: وقد فجعك في بيضها. قالت هو كذلك، فما زال بها حتى أثار الغضب منها، فدعت عليه، فتساقط الريش من وجهه، فقيل لذلك الحبر: من أين علمت ذلك؟ قال: لأنها لما صبرت ولم تدع عليه انتصر الله لها، فلما انتصرت لنفسها ودعت عليه سقط الريش من وجهه. فالواجب على العبد أن يصبر على ما يصيبه من الشدة، ويحمد الله ويعلم أن النصر مع الصبر وأن مع العسر يسرا، وأن المصائب والرزايا إذا توالت أعقبها الفرج والفرح عاجلا.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب السادس والخمسون في شكوى الزمان وانقلابه بأهله والصبر على المكاره والتسلي عن نوائب الدهر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.