تجاوز إلى المحتوى

من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)

ومن أحسن ما قيل في ذلك من المنظوم

وإذا مسّك الزمان بضرعظمت دونه الخطوب وجلّت
وأتت بعده نوائب أخرىسئمت نفسك الحياة وملّت
فاصطبر وانتظر بلوغ الأمانيفالرّزايا إذا توالت تولّت
وإذا أوهنت قواك وجلّتكشفت عنك جملة وتخلّت

ولمحمد بن بشر الخارجي:

إن الأمور إذا اشتدت مسالكهافالصبر يفتح منها كلّ ما أرتجا
لا تيأسنّ وإن طالت مطالبهإذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
للشاعر ابن يسير الرياشي، اقرأ القصيدة

ولزهير بن أبي سلمى:

ثلاث يعز الصبر عند حلولهاويذهل عنها عقل كلّ لبيب
خروج اضطرار من بلاد يحبّهاوفرقة أخوان وفقد حبيب

وقال بعضهم:

عليك بإظهار التجلّد للعداولا تظهرن منك الذبول فتحقرا
أما تنظر الريحان يشمم ناضراويطرح في البيدا إذا ما تغيّرا

ولابن نباتة:

صبرا على نوب الزمان وإن أبى القلب الجريح
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة
فلكلّ شيء آخرإمّا جميل أو قبيح
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة

وقال أبو الأسود وأجاد:

وإنّ امرءا قد جرّب الدهر لم يخفتقلّب عصريه لغير لبيب
وما الدهر والأيام إلا كما ترىرزيّة مال أو فراق حبيب
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «وما الدهر والأيام إلا كما ترى»

ومن كلام الحكماء: ما جوهد الهوى بمثل الرأي، ولا استنبط الرأي بمثل المشورة، ولا حفظت النعم بمثل المواساة، ولا اكتسبت البغضاء بمثل الكبر، وما استنجحت الأمور بمثل الصبر.

وقال نهشل:

ويوم كأنّ المصطلين بحرّهوإن لم يكن نار قيام على الجمر
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة
صبرنا له صبرا جميلا وإنّماتفرّج أبواب الكريهة بالصبر

قال ابن طاهر:

حذّرتني وذا الحذرليس يغني من القدر
ليس من يكتم الهوىمثل من باح واشتهر
للشاعر عبد الله بن طاهر، اقرأ القصيدة
إنما يعرف الهوىمن على مره صبر
للشاعر عبد الله بن طاهر، اقرأ القصيدة
نفس يا نفس فاصبريفاز بالصّبر من صبر
للشاعر عبد الله بن طاهر، اقرأ القصيدة

وكان يقال: من تبصّر تصبّر. وكان يقال: إن نوائب الدهر لا تدفع إلا بعزائم الصبر. وكان يقال: لا دواء لداء الدهر إلا بالصبر.

ولله در القائل:

الدهر أدّبني والصبر ربّانيوالفوت أقنعني واليأس أغناني
وحنكتني من الأيام تجربةحتى نهيت الذي قد كان ينهاني

وما أحسن ما قال محمود الوراق:

إني رأيت الصبر خير معوّلفي النائبات لمن أراد معوّلا
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «إني رأيت الصبر خير معول»
ورأيت أسباب القناعة أكدّتبعرى الغنى فجعلتها لي معقلا
فإذا نبا بي منزل جاوزتهوجعلت منه غيره لي منزلا
وإذا غلا شيء عليّ تركتهفيكون أرخص ما يكون إذا غلا
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «إني رأيت الصبر خير معول»

وقال بعضهم:

إذا ما أتاك الدهر يوما بنكبةفأفرغ لها صبرا ووسّع لها صدرا
فإن تصاريف الزمان عجيبةفيوما ترى يسرا ويوما ترى عسرا

وقال بعضهم:

وما مسّني عسر ففوّضت أمرهإلى الملك الجبّار إلّا تيسّرا

وما أحسن ما قيل:

الدهر لا يبقى على حالةلا بدّ أن يقبل أو يدبر
فإن تلقّاك بمكروهةفاصبر فانّ الدهر لا يصبر
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «الدهر لا يبقى على حاله»

ونقل عن محمد بن الحسن ﵀ قال: كنت معتقلا بالكوفة، فخرجت يوما من السجن مع بعض الرجال وقد زاد همي وكادت نفسي أن تزهق وضاقت عليّ الأرض بما رحبت، وإذا برجل عليه آثار العبادة قد أقبل عليّ ورأى ما أنا فيه من الكآبة فقال: ما حالك؟ فأخبرته القصة، فقال:

الصبر الصبر، فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «الصبر ستر الكروب وعون على الخطوب». وروي عن ابن عمه علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: الصبر مطية لا تدبر وسيف لا يكل، وأنا أقول:

ما أحسن الصبر في الدنيا وأجملهعند الإله وأنجاه من الجزع
من شدّ بالصبر كفّا عند مؤلمهألوت يداه بحبل غير منقطع

فقلت: بالله عليك زدني، فقد وجدت بك راحة.

فقال: ما يحضرني شيء عن النبي ﷺ. ولكني أقول:

أما والذي لا يعلم الغيب غيرهومن ليس في كلّ الأمور له كفو
لئن كان بدء الصبر مرّا مذاقهلقد يجتنى من بعده الثمر الحلو

ثم ذهب، فسألت عنه، فما وجدت أحدا يعرفه ولا رآه أحد قبل ذلك في الكوفة، ثم أخرجت في ذلك اليوم من السجن، وقد حصل لي سرور عظيم بما سمعت منه وانتفعت به، ووقع في نفسي أنه من الأبدال الصالحين قيضه الله تعالى لي يوقظني ويؤدبني ويسليني.

وقيل: إن رجلا كان يضرب بالسياط ويجلد جلدا بليغا، ولم يتكلم ويصبر ولم يتأوه، فوقف عليه بعض مشايخ الطريقة فقال له: أما يؤلمك هذا الضرب الشديد؟

فقال: بلى، قال: لم لا تصيح؟ فقال: إن في هؤلاء القوم الذين وقفوا عليّ صديقا لي يعتقد في الشجاعة والجلادة وهو يرقبني بعينه، فأخشى إن ضجيت يذهب ماء وجهي عنده ويسوء ظنه بي، فأنا أصبر على شدة الضرب وأحتمله لأجل ذلك. قال الشاعر:

على قدر فضل المرء تأتي خطوبهويحمد منه الصّبر مما يصيبه
فمن قلّ فيما يلتقيه اصطبارهلقد قلّ فيما يرتجيه نصيبه

وقال رسول الله ﷺ لعائشة رضي الله تعالى عنها:

يا عائشة إن الله تعالى لم يرض من أولي العزم من الرسل إلا بالصبر ولم يكلفني إلا ما كلفوا به، فقال ﷿:

فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ

. وإني والله لأصبرن كما صبروا. فطن النبي ﷺ لما صبر كما أمر أسفر وجه صبره عن ظفره ونصره، وكذلك الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين الذين هم أولو العزم لما صبروا ظفروا وانتصروا، وقد اختلف أهل العلم فيهم على أقوال كثيرة، فقال مقاتل رضي الله تعالى عنه: هم نوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب ويونس وأيوب صلوات الله عليهم، وقال قتادة: هم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، ويقال: ما الذي صبروا عليه حتى سماهم الله تعالى أولي العزم؟ فأقول: ذكر ما صبروا عليه.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المستطرف في كل فن مستظرف»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.