تجاوز إلى المحتوى

من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)

وأما أيوب ﵊

فإنه ابتلاه الله تعالى بهلاك أهله وماله، وتتابع المرض المزمن والسقم المهلك حتى أفضى أمره إلى ما تضعف القوى البشرية من حمله. ولنذكر شيئا مختصرا من ذلك وهو أن ملكا من ملوك بني إسرائيل كان يظلم الناس، فنهاه جماعة من الأنبياء عن الظلم وسكت عنه أيوب ﵊، فلم يكلمه ولم ينهه لأجل خيل كانت له في مملكته، فأوحى الله تعالى إلى أيوب ﵊ تركت نهيه عن الظلم لأجل خيلك، لأطيلن بلاءك، فقال إبليس لعنه الله: يا رب سلطني على أولاده وماله، فسلطه، فبث إبليس مردته من الشياطين، فبعث بعضهم إلى دوابه، ورعاتها، فاحتملوها جميعا وقذفوها في البحر، وبعث بعضهم إلى زرعه وجنّاته فأحرقوها، وبعث بعضهم إلى منازله وفيها أولاده وكانوا ثلاثة عشر ولدا وخدمه وأهله، فزلزلوها فهلكوا، ثم جاء إبليس إلى أيوب ﵊، وهو يصلي، فتمثل له في صورة رجل من غلمانه فقال: يا أيوب أنت تصلي ودوابك ورعاتك قد هبت عليها ريح عظيمة، وقذفت الجميع في البحر، وأحرقت زرعك وهدمت منازلك على أولادك وأهلك، فهلك الجميع، ما هذه الصلاة؟ فالتفت إليه وقال: الحمد لله الذي أعطاني ذلك كله، ثم قبله مني. ثم قام إلى صلاته، فرجع إبليس ثانيا، فقال: يا رب سلطني على جسده، فسلطه، فنفخ في إبهام رجله فانتفخ ولا زال يسقط لحمه من شدة البلاء إلى أن بقي أمعاؤه تبين وهو مع ذلك كله صابر محتسب مفوض أمره إلى الله تعالى، وكان الناس قد هجروه واستقذروه وألقوه خارجا عن البيوت من نتن ريحه، وكان زوجته رحمة بنت يوسف الصديق قد سلمت فترددت إليه متفقدة، فجاءها إبليس يوما في صورة شيخ ومعه سخلة وقال لها: ليذبح أيوب هذه السخلة على اسمي فيبرأ، فجاءته، فأخبرته، فقال لها: إن شفاني الله تعالى لأجلدنك مائة جلدة. تأمريني أن أذبح لغير الله تعالى، فطردها عنه، فذهبت وبقي. ليس له من يقوم به، فلما رأى أنه لا طعام له ولا شراب ولا أحد من الناس يتفقده خر ساجدا لله تعالى وقال: وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ

، فلما علم الله تعالى منه ثباته على هذه البلوى طوّل هذه المدة وهي على ما قيل ثمان عشرة سنة، وقيل غير ذلك، وإنه تلقى جميع ذلك بالقبول وما شكا إلى مخلوق ما نزل به.

عاد الله تعالى بألطافه عليه، فقال تعالى: فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا

. وأفاض عليه من نعمه، ما أنساه بلوى نقمه، ومنحه من أقسام كرمه أن أفتاه في يمينه تحلة قسمه، ومدحه في نص الكتاب، فقال تعالى: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ

. فلو لم يكن الصبر من أعلى المراتب وأسنى المواهب لما أمر الله تعالى به رسله ذوي الحزم وسمّاهم بسبب صبرهم أولي العزم، وفتح لهم بصبرهم أبواب مرادهم وسؤالهم ومنحهم من لدنه غاية أمرهم ومأمولهم ومرامهم، فما أسعد من اهتدى بهداهم واقتدى بهم، وإن قصر عن مداهم. وقيل: العسر يعقبه اليسر، والشدة يعقبها الرخاء، والتعب يعقبه الراحة، والضيق يعقبه السعة، والصبر يعقبه الفرج، وعند تناهي الشدة تنزل الرحمة، والموفق من رزقه صبرا وأجرا، والشقي من ساق القدر إليه جزعا ووزرا.

ومما شنف السمع من نجح هذه الإشارة، وأتحف النفع في نهج هذه العبارة، ما روي عن الحسن البصري رضي الله تعالى عنه قال: كنت بواسط، فرأيت رجلا كأنه قد نبش من قبر، فقلت: ما دهاك يا هذا؟ فقال: أكتم علي أمري، حبسني الحجاج منذ ثلاث سنين، فكنت في أضيق حال، وأسوأ عيش، وأقبح مكان، وأنا مع ذلك كله صابر لا أتكلم، فلما كان بالأمس أخرجت جماعة كانوا معي، فضربت رقابهم، وتحدث بعض أعوان السجن أن غدا تضرب عنقي، فأخذني حزن شديد وبكاء مفرط، وأجرى الله تعالى على لساني فقلت: إلهي اشتد الضر وفقد الصبر وأنت المستعان، ثم ذهب من الليل أكثره، فأخذتني غشية، وأنا بين اليقظان والنائم إذ آتاني آت فقال لي: قم فصل ركعتين وقل: يا من لا يشغله شيء عن شيء، يا من

أحاط علمه بما ذرأ وبرأ وأنت عالم بخفيات الأمور ومحصي وساوس الصدور، وأنت بالمنزل الأعلى، وعلمك محيط بالمنزل الأدنى، تعاليت علوا كبيرا، يا مغيث أغثني، وفكّ أسري، واكشف ضري، فقد نفذ صبري، فقمت وتوضأت في الحال وصليت ركعتين وتلوت ما سمعته منه، ولم تختلف عليّ منه كلمة واحدة، فما تم القول حتى سقط القيد من رجلي ونظرت إلى أبواب السجن فرأيتها قد فتحت. فقمت، فخرجت ولم يعارضني أحد، فأنا والله طليق الرحمن، وأعقبني الله بصبري فرجا، وجعل لي من ذلك الضيق مخرجا، ثم ودعني وانصرف يقصد الحجاز.

وفيما يروى عن الله تعالى أنه أوحى إلى داود ﵊، يا داود من صبر علينا وصل إلينا.

وقال بعض الرواة: دخلت مدينة يقال لها: دقار، فبينما أنا أطوف في خرابها إذا رأيت مكتوبا بباب قصر خرب بماء الذهب واللازورد هذه الأبيات:

يا من ألحّ عليه الهمّ والفكروغيّرت حاله الأيام والغير
أما سمعت لما قد قيل في مثلعند الاياس فأين الله والقدر
ثمّ الخطوب إذا أحداثها طرقتفاصبر فقد فاز أقوام بما صبروا
وكلّ ضيق سيأتي بعده سعةوكلّ فوت وشيك بعده الظفر

ولما حبس أبو أيوب في السجن خمس عشرة سنة ضاقت حيلته، وقلّ صبره، فكتب إلى بعض إخوانه يشكو إليه طول حبسه وقلة صبره، فرد عليه جواب رقعته يقول:

صبرا أبا أيوب صبر مبرّحوإذا عجزت عن الخطوب فمن لها
إنّ الذي عقد الذي انعقدت بهعقد المكاره فيك يملك حلّها
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة
صبرا فإن الصبر يعقب راحةولعلّها أن تنجلي ولعلّها

فأجابه أبو أيوب يقول:

صبّرتني ووعظتني وأنا لهاوستنجلي بل لا أقول لعلّها
ويحلّها من كان صاحب عقدهاكرما به إذ كان يملك حلّها

فما لبث بعد ذلك أياما حتى أطلق مكرما:

وأنشدوا:

إذا ابتليت فثق بالله وارض بهإنّ الذي يكشف البلوى هو الله
اليأس يقطع أحيانا بصاحبهلا تيأسنّ فإنّ الصانع الله
إذا قضى الله فاستسلم لقدرتهفما ترى حيلة فيما قضى الله

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المستطرف في كل فن مستظرف»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.