تجاوز إلى المحتوى

من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)

الفصل الثالث من هذا الباب في التأسي في الشدة والتسلي عن نوائب الدهر

قال الثوري رحمه الله تعالى: لم يفقه عندنا من لم يعد البلاء نعمة، والرخاء مصيبة. وقيل: الهموم التي تعرض للقلوب كفارات للذنوب. وسمع حكيم رجلا يقول لآخر: لا أراك الله مكروها، فقال: كأنك دعوت عليه بالموت، فإن صاحب الدنيا لا بد أن يرى مكروها. وتقول العرب: ويل أهون من ويلين.

وقال ابن عيينة: الدنيا كلها غموم، فما كان فيها من سرور فهو ربح. وقال العتبي: إذا تناهى الغم إنقطع الدمع بدليل أنك لا ترى مضروبا بالسياط ولا مقدما لضرب العنق يبكي.

وقيل: تزوج مغنّ بنائحة فسمعها تقول: اللهم أوسع لنا في الرزق، فقال لها: يا هذه إنما الدنيا فرح وحزن وقد أخذنا بطرفي ذلك، فإن كان فرح دعوني، وإن كان حزن دعوك.

وقال وهب بن منبه: إذا سلك بك طريق البلاء سلك بك طريق الأنبياء. وقال مطرف: ما نزل بي مكروه قط فاستعظمته إلا ذكرت ذنوبي فاستصغرته. وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه يرفعه: «يود أهل العافية يوم القيامة أن لحومهم كانت تقرض بالمقاريض لما يرون من ثواب الله تعالى لأهل البلاء». وروى أبو عتبة عن النبي ﷺ قال: «إذا أحب الله عبدا ابتلاه فإذا أحبه الحب البالغ اقتناه.

قالوا: وما اقتناه؟ قال: لا يترك له مالا ولا ولدا».

ومر موسى ﵊ برجل كان يعرفه مطيعا لله ﷿ قد مزقت السباع لحمه وأضلاعه وكبده ملقاة على الأرض، فوقف متعجبا، فقال: أي رب عبدك ابتليته بما أرى، فأوحى الله تعالى إليه أنه سألني درجة لم يبلغها بعمله، فأحببت أن أبتليه لأبلغه تلك الدرجة.

وكان عروة بن الزبير صبورا حين ابتلي. حكي أنه خرج إلى الوليد بن يزيد فوطىء عظما، فما بلغ إلى دمشق حتى بلغ به كل مذهب، فجمع له الوليد الاطباء، فأجمع رأيهم على قطع رجله، فقالوا له: اشرب مرقّدا، فقال: ما أحب أن أغفل عن ذكر الله تعالى، فأحمى له المنشار، وقطعت رجله، فقال ضعوها بين يدي ولم يتوجع، ثم قال: لئن كنت ابتليت في عضو فقد عوفيت في أعضاء. فبينما هو كذلك إذ أتاه خبر ولده أنه أطلع من سطح على دواب الوليد، فسقط بينها فمات. فقال: الحمد لله على كل حال لئن أخذت واحدا لقد أبقيت جماعة. وقدم على الوليد وفد من عبس فيهم شيخ ضرير، فسأله عن حاله وسبب ذهاب بصره فقال: خرجت مع رفقة مسافرين ومعي مالي وعيالي، ولا أعلم عبسيا يزيد ماله على مالي، فعرسنا في بطن واد، فطرقنا سيل، فذهب ما كان لي من أهل ومال وولد غير صبي صغير وبعير، فشرد البعير، فوضعت الصغير على الأرض ومضيت لآخذ البعير، فسمعت صيحة الصغير، فرجعت إليه فإذا رأس الذئب في بطنه وهو يأكل فيه، فرجعت إلى البعير، فحطم وجهي برجليه، فذهبت عيناي، فأصبحت بلا عينين ولا ولد ولا مال ولا أهل، فقال الوليد: إذهبوا إلى عروة ليعلم أن في الدنيا من هو أعظم مصيبة منه.

وقيل: الحوادث الممضة مكسبة لحظوظ جليلة، أما ثواب مدخر أو تطهير من ذنب أو تنبيه من غفلة أو تعريف لقدر النعمة.

قال البحتري: يسلّي محمد بن يوسف على حبسه:

وما هذه الأيام إلّا منازلفمن منزل رحب إلى منزل ضنك
وقد دهمتك الحادثات وإنماصفا الذهب الابريز قبلك بالسّبك
أما في نبي الله يوسف اسوةلمثلك محبوس عن الظلم والإفك
للشاعر البحتري، من قصيدة «جُعِلتُ فِداكَ، الدّهْرُ ليسَ بمُنفَكِّ»
أقام جميل الصبر في السجن برهةفآل به الصبر الجميل إلى الملك
للشاعر البحتري، من قصيدة «جعلت فداك الدهر ليس بمنفك»

وقال علي بن الجهم لما حبسه المتوكل:

قالوا حبست فقلت ليس بضائريحبسي وأي مهند لا يغمد
والشمس لولا أنها محجوبةعن ناظريك لما أضاء الفرقد
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
والنار في أحجارها مخبوءةلا تصطلى إن لم تثرها الأزند
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
والحبس ما لم تغشه لدنيّةشنعاء نعم المنزل المتودّد
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
بيت يجدد للكريم كرامةويزار فيه ولا يزور ويحمد
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
لو لم يكن في الحبس إلّا أنّهلا تستذلّك بالحجاب الأعبد
غرّ الليالي باديات عوّدوالمال عارية يعار وينفد
ولكل حيّ معقب ولربماأجلى لك المكروه عمّا يحمد
لا يؤيسنك من تفرّج نكبةخطب رماك به الزمان الأنكد
كم من عليل قد تخطّاه الردىفنجا ومات طبيبه والعوّد
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
صبرا فإن اليوم يعقبه غدويد الخلافة لا تطاولها يد

قال: وأنشد إسحاق الموصلي في إبراهيم بن المهدي حين حبس:

هي المقادير تجري في أعنّتهافاصبر فليس لها صبر على حال
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
يوما تريك خسيس الأصل ترفعهإلى العلاء ويوما تخفض العالي
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة

فما أمسى حتى وردت عليه الخلع السنية من المأمون ﵁، وقال إبراهيم بن عيسى الكاتب في إبراهيم بن المدني حين عزل.

ليهن أبا إسحاق أسباب نعمةمجددة بالعزل والعزل أنبل
شهدت لقد منّوا عليك وأحسنوالأنك يوم العزل أعلى وأفضل

وقال آخر:

قد زاد ملك سليمان فعاودهوالشمس تنحطّ في المجرى وترتفع

وقال أبو بكر الخوارزمي لمعزول: الحمد لله الذي ابتلى في الصغير وهو المال، وعافى في الكبير وهو الحال:

ولا عار إن زالت عن الحر نعمةولكنّ عارا أن يزول التجمّل
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

وقيل: المال حظ ينقص ثم يزيد، وظل ينحسر ثم يعود. وسئل بزرجمهر عن حاله في نكبته فقال: عولت على أربعة أشياء: أولها أني قلت القضاء والقدر لا بد من جريانهما، الثاني: أني قلت إن لم أصبر فما أصنع، الثالث: أني قلت قد كان يجوز أن يكون أعظم من هذا، الرابع: أني قلت لعل الفرج قريب، والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

الباب السابع والخمسون ما جاء في اليسر بعد العسر والفرج بعد الشدة والفرح والسرور ونحو ذلك مما يتعلق بهذا الباب

فمما يليق بهذا الباب من كتاب الله ﷿ قوله تعالى:

سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً

. وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ

. وقوله تعالى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ

وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ

ويروى عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: لو كان العسر في حجر لدخل عليه اليسر حتى يخرجه. وقال ﵊: «عند تناهي الشدة يكون الفرج، وعند تضايق البلاء يكون الرخاء».

وقال علي ﵁، وعن النبي ﷺ: «أفضل عبادة أمتي انتظارها فرج الله تعالى». وقال الحسن: لما نزل قوله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً

، قال النبي ﷺ: «أبشروا فلن يغلب عسر يسرين».

ومن كلام الحكماء: إن تيقنت لم يبق هم.

وقال أبو حاتم:

إذا اشتملت على البؤس القلوبوضاق بما به الصدر الرحيب
وأوطنت المكاره واطمأنتوأرست في مكامنها الخطوب
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «إذا اشتملت على اليأس القلوب»
ولم نر لانكشاف الضرّ وجهاولا أغنى بحيلته الأريب
أتاك على قنوط منك غوثيمن به اللطيف المستجيب
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «إذا اشتملت على اليأس القلوب»

وقال آخر:

عسى الهمّ الذي أمسيت فيهيكون وراءه فرج قريب
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «أقول لقلبي العاني تصبر»
فيأمن خائف ويغاث عانويأتي أهله النائي الغريب

وقال آخر:

تصبّر أيها العبد اللبيبلعلك بعد صبرك ما تخيب
وكل الحادثات إذا تناهتيكون وراءها فرج قريب

وقال إبراهيم بن العباس:

ولرب نازلة يضيق بها الفتىذرعا وعند الله منها المخرج
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
ضاقت فلمّا استحكمت حلقاتهافرجت وكان يظنّها لا تفرج
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

لئن صدّع البين المشتّت شملنافللبين حكم في الجموع صدوع
وللنجم من بعد الرجوع استقامةوللشمس من بعد الغروب طلوع
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «أقول وروعي للفراق مروع»
وإن نعمة زالت عن الحرّ وانقضتفإنّ بها بعد الزوال رجوع
فكن واثقا بالله واصبر لحكمهفإن زوال الشرّ عنك سريع

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب السادس والخمسون في شكوى الزمان وانقلابه بأهله والصبر على المكاره والتسلي عن نوائب الدهر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.