من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)
فيل
حيوان يوجد بأرض الهند، وكنيته أبو الحجاج، والأنثى أم سبل وهو ينزو على أنثاه إذا بلغ من العمر خمس سنين، وتحمل أنثاه سنتين ثم تضع ولا يقربها الذكر في مدة حملها، ولا بعده بثلاث سنين ولا يلقح إلا ببلاده وإذا أرادت الوضع دخلت النهر لأن رجليها لا ينثنيان، فتخاف عليه، والذكر يحرسها خوفا على ولده من الحيات، فإنها تأكله، وهو عند شدة غلمته كالجمل، ويهيج في زمن الربيع، وزعم أهل الهند أن لسانه مقلوب، ولولا ذلك لكان يتكلم لشدة ذكائه، وقيل: إن ثدييه في صدره كالإنسان، وهو أضخم الحيوان، وأعظمه جرما، وما ظنك بخلق ربما كان نابه أكثر من ثلاثمائة سن، وهو مع ذلك أملح وأظرف من كل نحيف الجسم رشيق، وربما مر الفيل مع عظم بدنه خلف القاعدة فلا يشعر برجله ولا يحس بمروره لخفة همسه، واحتمال بعض جسده لبعض، وأهل الهند يزعمون أن أنياب الفيل، وقرناه يخرجان مستبطنين حتى يخرقان وخرطوم أنفه يده وبه يتناول الطعام إلى جوفه وبه يقاتل وبه يصيح وصياحه ليس في مقدار جرمه. وقيل: إن الفيل جيد السباحة وإذا سبح رفع خرطومه كما يغيب الجاموس جميع بدنه، إلا منخريه ويقوم خرطومه مقام عنقه والخرق الذي في خرطومه لا ينفذ، وإنما هو وعاء إذا ملأه من طعام أو ماء أولجه في فيه لأنه قصير العنق لا ينال ماء ولا مرعى، وأهل الهند تجعله في القتال وهو أيضا يقاتل مع جنسه، فمن غلب دخلوا تحت أمره. وقيل: جعل الله في طبع الفيل الهرب من السنور.
حكي عن هارون مولى الأزد أنه خبأ معه هرا ومضى بسيف إلى الفيل فلما دنا منه رمى بالهر في وجهه فأدبر
هاربا وكبر المسلمون، وظنوا أنه هرب منه. قال أبو الشمقمق:
يا قوم إني رأيت الفيل بعدكمتبارك الله لي في رؤية الفيل
رأيت بيتا له شيء يحرّكهفكدت أفعل شيئا في السراويل
وقيل: إذا اغتم الفيل لم يكن لسواسه هم إلا الهرب بأنفسهم ويتركونه. ومن عجيب أمره أن سوطه الذي به يحث ويضرب محجن حديد أحد طرفيه في جبهته والآخر في يد راكبه، فإذا أراد شيئا غمزه به في لحمه وأول شيء يؤدبون به الفيل يعلمونه السجود للملك.
قيل: خرج كسرى أبرويز لبعض الأعياد وقد صفوا له ألف فيل وأحدق به ثلاثون ألف فارس، فلما رأته الفيلة سجدت له، فما رفعت رؤوسها حتى جذبت بالمحاجن وراضتها الفيالون، وتزعم أهل الهند أن جبهة الفيل تعرق كل عام عرقا غليظا سائلا أطيب من رائحة المسك، ولا يعرض ذلك العرق إلا في بلادها خاصة، وإن عظام الفيل كلها عاج إلا أن جوهر نابه أكرم وأثمن ولولا شرف العاج وقدره لما فخر الأحنف بن قيس على أهل الكوفة في قوله: نحن أكثر منكم عاجا وساجا وديباجا وخراجا، وقيل أن الفيلة لا تتسافد في غير بلادها.
فائدة: من قرأ سورة الفيل ألف مرة في كل يوم عشرة أيام متوالية، ثم جلس على ماء جار، وقال: اللهم أنت الحاضر المحيط بمكنونات الضمائر، اللهم عز الظالم وقلّ الناصر، وأنت المطلع العالم اللهم إن فلانا ظلمني وأساءني ولا يشهد بذلك غيرك أنت مالكه فأهلكه، اللهم سربله سربال الهوان، وقمصه قميص الردى، اللهم اقصفه ست مرات، اللهم اخفضه مرتين، فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق، فإن الله يستجيب له ما لم يكن ظالما.
الخواص: جلده إذا بخر به بيت هرب بقه وإذا سقي إنسان من وسخ أذنه نام نومة طويلة، وإذا علق من نابه شيء على شجرة لم تثمر، وإذا عمل من جلده ترس يكون أصلب من كل ترس.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع