من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)
الفصل الثالث في نوادر القضاة
كان لبعض القضاة بغلة، فقرأ يوما في المصحف. وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها
، فقال لغلامه:
أطلق البغلة ورزقها على الله، فصارت البغلة تدور الأسواق والأزقة وتأكل من قشور الباذنجان وقشور الرمان وقشور البطيخ، وقمامات الطريق، فماتت، فأمر الغلام بإحضار المشاعلية ليحملوها لظاهر المدينة فأحضرهم، فطلبوا من القاضي عشرة دراهم أجرة حملها وقالوا ليس لنا شيء نرتزق منه إلا من مثل هذا، وسيدنا رجل غني وله أشياء كثيرة، العدالة والتزويج والعقود والوراقة والسجن والإطلاق وجامكية الحكم، وأجرة اليمين والتدريس والأوقاف، فقال لهم القاضي: ألمثلي يقال هذا، وأنتم لكم اثنا عشر بابا من المنافع، منها: الوسخ، والزفر، والهلع، والولع، وبيت النبذة، وشركة النفوس، وجباية الأسواق، وحرق النار، وسلب الشطار، ولكم الضياح وثمن الإصلاح وما تروحوا من هذه البغلة بلا شيء، جلدها للدباغين وذنبها للغرابلية ومعرفتها للشعار وتطبيقتها للبيطار، قال: فتقدم أحدهم إليه، وقال: بحق من تاب عليك ورد عاقبتك إلى خير وأراحك من هذا المعاش تصدق علينا بشيء ولا تدعنا نروح بلاش.
تفسير هذه الألفاظ. الزفر: النساء الزانيات، والوسخ:
المراحيض، والهلع: جباية الأسواق، والولع: القمار.
وبيت النبذة: محل المزر، وشركة النفوس: كل من حمل ميتا، ولحقوه قبل أن يخرج من باب البلد كانوا شركاءه.
وسلب الشطار: كل من شنقوه لهم سلبه.
وولي يحيى بن أكثم قاضيا على أهل جبلة، فبلغه أن الرشيد انحدر إلى البصرة، فقال لأهل جبلة: إذا اجتاز الرشيد فاذكروني عنده بخير، فوعدوه بذلك، فلما جاء الرشيد تقاعدوا عنه، فسرح القاضي لحيته، وكبر عمته وخرج، فرأى الرشيد في الحراقة ومعه أبو يوسف القاضي، فقال يا أمير المؤمنين: نعم القاضي قاضي جبلة عدل فينا، وفعل كذا وكذا، وجعل يثني على نفسه، فلما رآه أبو يوسف عرفه، فضحك فقال له الرشيد: مم تضحك؟ فقال يا أمير المؤمنين: المثني على القاضي هو القاضي، فضحك الرشيد حتى فحص برجله الأرض، ثم
أمر بعزله فعزل.
وأحضر رجل ولده إلى القاضي فقال: يا مولانا إن ولدي هذا يشرب الخمر ولا يصلي، فأنكر ولده ذلك، فقال أبوه: يا سيدي أفتكون صلاة بغير قراءة، فقال الولد إني أقرأ القرآن، فقال له القاضي: اقرأ حتى أسمع فقال:
علق القلب الربابابعدما شابت وشابا
إن دين الله حقلا أرى فيه ارتيابا
فقال أبوه: إنه لم يتعلم هذا إلا البارحة، سرق مصحف الجيران وحفظ هذا منه، فقال القاضي، وأنا الآخر أحفظ آية منها وهي:
فارحمي مضنى كئيباقد رأى الهجر عذابا
ثم قال القاضي: قاتلكم الله يعلم أحدكم القرآن ولا يعمل به.
وتقدم اثنان إلى أبي صمصامة القاضي، فادعى أحدهما على الآخر طنبورا، فأنكر، فقال للمدعي: ألك بينة؟
فقال: لي شاهدان فأحضر رجلين شهدا له، فقال المدعى عليه: سلهما يا سيدي عن صناعتهما، فأخبر أحدهما أنه نباذ، وقال الآخر أنه قواد، فالتفت القاضي إلى المدعى عليه، وقال: أتريد على طنبور أعدل من هذين؟ ادفع إليه طنبوره.
وتحاكم الرشيد وزبيدة إلى أبي يوسف القاضي في الفالوذج واللوزينج أيهما أطيب، فقال أبو يوسف: أنا لا أحكم على غائب، فأمر الرشيد بإحضارهما، وقدما بين يدي أبي يوسف، فجعل يأكل من هذا مرة ومن هذا مرة حتى نصف الجامين ثم قال: يا أمير المؤمنين ما رأيت أعدل منهما كلما أردت أن أحكم لأحدهما أتى الآخر بحجته.
وأتى بعض المجان لبعض القضاة فقال: يا سيدي إن امرأتي قحبانا، فقال له القاضي: طلقهانا، فقال: عشقانا.
فقال: قودهانا.
وادعى رجل عند قاض على امرأة حسناء بدين، فجعل القاضي يميل إليها بالحكم، فقال الرجل: أصلح الله القاضي حجتي أوضح من هذا النهار، فقال له القاضي:
اسكت يا عدو الله، فإن الشمس أوضح من النهار. قم لا حق لك عليها، فقالت المرأة: جزاك الله عن ضعفي خيرا فقد قويته، فقال الرجل: لا جزاك الله عن قوتي خيرا فقد أوهيتها.
ورفعت امرأة زوجها إلى القاضي تبغي الفرقة. وزعمت أنه يبول في الفراش كل ليلة. فقال الرجل للقاضي:
يا سيدي لا تعجل علي حتى أقص عليك قصتي، إني أرى في منامي كأني في جزيرة في البحر وفي قصر عالي، وفوق القصر قبة عالية، وفوق القبة جمل وأنا على ظهر الجمل، وإن الجمل يطأطىء برأسه ليشرب من البحر، فإذا رأيت ذلك بلت من شدة الخوف، فلما سمع القاضي ذلك بال في فراشه وثيابه وقال: يا هذه أنا قد أخذني البول من هول حديثه، فكيف بمن يرى الأمر عيانا.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع