تجاوز إلى المحتوى

من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)

الفصل الأول في الأمراض والعلل وما جاء في ذلك من الاجر والثواب

روي عن عبد الله بن أنيس رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ أنه قال: أيكم يحب أن يصح جسمه فلا يسقم؟

فقالوا: كلنا يا رسول الله، قال: أتحبون أن تكونوا كالحمير الصوالة، ألا تحبون أن تكونوا أصحاب بلايا وأصحاب كفارات والذي بعثني بالحق نبيا إن الرجل لتكونن له الدرجة في الجنة فلا يبلغها بشيء من عمله فيبتليه الله تعالى ليبلغ درجة لا يبلغها بعمله، وقال ﷺ:

ما من مسلم يمرض إلا حط الله من خطاياه كما تحط الشجرة ورقها، وكان يقول: لا تزال الأوصاب والمصائب بالعبد حتى تتركه كالفضة البيضاء والنقية المصفاة.

وقيل: إن الناس قد حمّوا في فتح خيبر، فشكوا إلى رسول الله ﷺ فقال: أيها الناس إن الحمى رائد الموت وسجن الله في الأرض وقطعة من النار، فإذا وجدتم ذلك فبردوا لها الماء في الشنان ثم صبوا عليكم بين المغرب والعشاء، ففعلوا ذلك فزالت عنهم.

وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: دخل رسول الله ﷺ على شاب وهو في الموت فقال له: كيف تجدك؟ فقال: أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال ﵊: هما لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف.

وعن عفيرة بنت الوليد البصرية العابدة الزاهدة رحمها الله تعالى، انها سمعت رجلا يقول: ما أشد العمى على من كان بصيرا، فقالت له: يا عبد الله عمى القلب عن الله أشد من عمى العين عن الدنيا. والله لوددت أن الله وهب لي كنه معرفته ولم يبق مني جارحة إلا أخذها.

وكتب مبارك لأخيه سفيان الثوري يشكو إليه ذهاب بصره، فكتب إليه: أما بعد ... فقد فهمت كتابك فيه شكاية ربك، فاذكر الموت يهن عليك ذهاب بصرك والسلام.

وقيل لعطاء في مرضه ما تشتهي؟ قال: ما ترك خوف جهنم في قلبي موضعا للشهوة. وأصاب ابن أدهم بطن فتوضأ في ليلة سبعين مرة. وقيل لأعرابي في مرضه ما تشتهي؟ قال: الجنة، فقيل: أفلا ندعوا لك طبيبا؟

قال: طبيبي هو الذي أمرضني.

الفصل الثاني من هذا الباب في ذكر العلل كالبخر والعرج والعمى والصمم والرمد والفالج وغير ذلك نسأل الله العفو والعافية والمعافة في الدنيا والآخرة

قيل: تسارر أبخر وأصم، فقال له الأصم: قد فهمت ثم فارقه. فسأله رجل فقال: والله لا أدري غير أنه فسا في أذني.

وقيل: إن عبد الملك بن مروان كان أبخرا فعض يوما على تفاحة ورمى بها إلى زوجته، فدعت بسكين فقال:

ما تصنعين بها؟ قالت: أميط الأذى عنها. فشق عليه ذلك منها فطلقها.

وسارر أبو الأسود الدؤلي سليمان بن عبد الملك وكان

أبو الأسود أبخر فستر سليمان أنفه بكمه فعبر أبو الأسود وهو يقول: لا يصلح للخلافة من لا يقدر على مناجاة الشيوخ البخر.

وقيل طول انطباق الفم يورث البخر وكل رطب الفم سائل اللعاب سالم منه. وقيل إن الزنج أطيب الناس أفواها، والسباع موصوفة بالبخر، والمثل مضروب بالأسد والصقر في البخر والكلب من بينهما طيب الفم، وليس في البهائم أطيب أفواها من الظباء.

وحكي ... أن أخبر تزوج بامرأة، فلما ضاجعها عافته وتولت عنه بوجهها، ثم أنشدت تقول:

يا حبّ والرحمن إنّ فاكاأهلكني فولني قفاكا
إذا غدوت فاتخذ مسواكامن عرفط ان لم تجد أراكا
لا تقربني بالذي سوّاكاإني أراك ماضغا خراكا

في ديوان المنثور: كم من ذي عرج في درج المعالي عرج، وكم من صحيح قدم ليس له في الخير قدم. وقيل:

إن من الصم من يسمع السر فإذا رفعت إليه الصوت لم يسمعه. ورأيت من العمش من لا ينظر صورة الإنسان من قريب ولكن يقرأ الخط الرقيق الحواشي. وقيل: إن طريفا الشاعر مدح عمرو بن هداب، وكان أبرص فلما انتهى إلى قوله: أبرص فياض اليدين مهذب. صاح به الناس وقالوا قطع الله لسانك، فقال عمرو: مه، إن البرص مما تتفاخر به العرب أما سمعتم قول سهل حيث قال:

أيشتمني زيد بأن كنت أبرصاوكلّ كريم لا أبالك أبرص
كفى حزنا أنّي أعاشر معشرا يخوضون في بعض الحديث وأمسك
وما ذاك من عيّ ولا من جهالةولكنه ما فيّ للصوت مسلك
فإن سد منّي السمع فالله قادرعلى فتحه والله للعبد أملك

ومما جاء في العمى:

ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: من عدم إحدى كريمتيه [فاحتسبها] ضمنت له على الله الجنة. وكان أبو عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يطعم الطعام، وكان أعور، فجعل أعرابي يطيل النظر إليه حابسا نفسه عن طعامه، فكلمه المغيرة في ذلك فقال: والله إني ليعجبني طعامك وتريبني عينك، قال: فما يريبك من عيني؟ قال:

أعور وأراك تطعم الطعام وهذه صفة الدجال. فقيل له: إن عينه أصيبت في فتح الروم فقال: إن الدجال لا تصاب عينه في سبيل الله.

وعن أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ أنه قال:

من قاد أعمى أربعين خطوة لم تمسه النار. وقال علي كرم الله وجهه: ربما أخطأ البصير قصده وأصاب الأعمى رشده.

وقال أبو علي البصير:

لئن كان يهديني الغلام لوجهتيويقتادني في السير إذ أنا راكب
للشاعر أبو علي البصير، اقرأ القصيدة
لقد يستضيء القوم بي في وجوههمويخبو ضياء العين والقلب ثاقب

وقال:

إذا عدمت طلّابة العلم مالهامن العلم إلا ما تسطّر في القلب
غدوت بتشمير وجدّ عليهمومحبرتي سمعي وها دفتري قلبي
للشاعر علي بن هارون المنجم، اقرأ القصيدة

وقال:

إن يأخذ الله من عيني نورهماففي لساني وسمعي منهما نور
للشاعر أبو العيناء، اقرأ القصيدة
فهمي ذكي وقلبي غير ذي غفلوفي فمي صارم كالسيف مشهور

وقال:

عزاءك أيها العين السكوبوحقك إنها نوب تنوب
وكنت كريمتي وسراج وجهيوكانت لي بك الدنيا تطيب
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة
على الدنيا السلام فما لشيخضرير العين في الدنيا نصيب
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة
يموت المرء وهو يعدّ حياويخلف ظنه الأمل الكذوب
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة
إذا ما مات بعضك فابك بعضافإنّ البعض من بعض قريب
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة
وحكيأن ربيعة رمدت عينه فأرسل إلى امرأة كان يحبها ثم أنشد يقول:
عينا ربيعة رمداوان فاحتسبيبنظرة منك تشفيه من الرّمد
للشاعر ربيعة الرقي، من قصيدة «عينا ربيعة َ رمداوانِ فاحتسبي»
إن تكتحل بك عيناه فلا رمدعلى ربيعة يخشى آخر الأمد

وعن عبد الرحمن بن قيس عن النبي ﷺ أنه قال: داء الأنبياء الفالج واللقوة. قال الجاحظ: ومن المفاليج سيدنا إدريس عليه الصلاة السلام، وأكثر ما يعتري المتوسطين من الناس لأن الشاب كثير الحرارة والشيخ كثير اليبس.

وقيل: إن إبان بن عثمان كان أفلج حتى صار مثلا، فكانت الناس تقول: لا رماك الله بفالج ابن عثمان، وكان معاوية ألوق، وعبد الملك بن مروان أبخر، وحسان أعمى، وابن سيرين أصم، وممن فلج ابن أبي دؤاد قاضي قضاة المعتصم كان من الشرف والكرم بمنزلة عظيمة قد ضرب المثل بفالجه، قال الشاعر في رجل ضرب غلامه:

أتضرب مثله بالسّوط عشراضربت بفالج ابن أبي دؤاد
للشاعر أبو هفان المهزمي، اقرأ القصيدة

وشجة عبد الحميد كانت مثلا في الحسن، وهو عبد الحميد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم، وكان بارعا في الحسن والجمال فزادته حسنا إلى حسنه حتى أن النساء كن يخططن في وجوههن شجة عبد الحميد.

وكان يقال لعمر بن عبد العزيز أشج بني أمية، وكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: إن من ولدي رجلا بوجهه أثر في جبهته، قال أصبغ: الله أكبر هذا أشج بني أمية يملأ الأرض عدلا. وقال أعور لأبي الأسود:

ما الشيء ونصف الشيء ولا شيء فقال: أما الشيء فالبصير كأنا، وأما لا شيء فالأعمى، وأما نصف الشيء فأنت يا أعور. اللهم اكفنا شر العاهات برحمتك ومنك وكرمك آمين.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثمانون فيما جاء في ذكر الأمراض والعلل والطب والدواء وما جاء في السنة من العبادة وما أشبه ذلك

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.