تجاوز إلى المحتوى

من «البرصان والعرجان والعميان والحولان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

أبو مازن الأحدب

وكان أحدب أعضد العظام، أضعف الناس قبل كلّ شيء. وقد سمعته مع ذلك يقول: أنا لا أموت سويّا! قالوا: ولم؟ قال: لأني لا آخذ الناس إلّا عنوة! وهو الذي دقّ عليه الباب جبل العمّيّ بعد أن مضى من الليل وهدأت الرّجل، فخرج إليه أبو مازن الأحدب وهو لا يظنّ أنه إنسان يريد أن يبيت عنده فلما رآه جبل العميّ قال له: ليس نحن في الصّيف فأضيق علي عيالك السّطح، ولا نحن في الشّتاء فتكره أكون قرب حرمتك، ونحن في الفصل، وقد تعشّيت وإنّما خفت الطائف، فدعني أبيت بقية ليلتي في الدّهليز، في ثيابي التي عليّ، فإذا كان مع الفجر مضيت.

قال: ويلك، أنا والله سكران ما أفهم عنك قليل ولا كثير. فأعاد عليه القول فقال: سكران والله، ليس أفهم عنك! وأصفق الباب في وجهه. فضحك جبل، فمرّ به الطائف فسأله عن شأنه، فضحك الطائف وشيّعه إلى أهله.

قال أبو الحسن: سقط أحدب في بئر فاستوت حدبته وصار آدر، فلما جاءه الناس يهنئونه قال: الذي جاء أشرّ من الذي ذهب.

ووقع بين شيخ أحدب وبين رجل شرّ، فقال له الرجل: والله لئن ركلت حدبتك هذه ركلة لأسوّينّا بظهرك! قال: وأمّك إنّك إذا لعظيم البركة! دخلت مع روح بن الطّائفية حمّام أفرادارين في قنطرة قرّة

وكان روح أكثر الناس عبثا وهزلا، وإذا في الحمام شيخ أحدب لم أر مثل حدبته، وإذا هو مطليّ وقد ولّى وجهه الحائط، وليس في الحمام غيرنا وغيره، ونحن شباب، فقال لي روح: إنّى عزمت على شيء. قلت:

وما هو؟ قال: قد صحّ عندي أنّ الأحدب إذا حكّوا حدبته ضرط، وليس لي بدّ من ذلك! فقلت له: ومالك في ذلك؟ قال: والله لضرطة أحبّ إليّ من بدرة ! قلت: فدونك. فدنا منه وكأنّه ليس يريده، فلمّا صار بالموضع الذي قد أمكنه فيه ما أراد، وإذا الأحدب على حذر، ولكأنّه قد حكّت حدبته ألف مرّة وضرط ألف ضرطة، وهو يستعمل الحراسة استعمال مجرّب. فلما كاد روح أن ينال ظهره انفتل إليه انفتالة أسرع من الطّرف، ثم لطمه لطمة ما سمعت بمثل وقعتها قطّ، وسقط روح مغشيّا عليه من الضحك وقال: أنا بلطمته أشدّ عجبا منّي بضرطته! وولّى الأحدب وجهه إلى الحائط كأنّه لم يصنع شيئا.

وتزعم العامّة أنّ من اعتراه الحدب طال أيره واشتدّ شبقة، وأحدث له ذلك ظرفا وخبثا..

النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البرصان والعرجان والعميان والحولان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.