من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
الصابوني
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
بكر بن علي الصابوني؛ قال ابن رشيق في الأنموذج: كان شيخاً معمراً شاعراً مطبوعاً صاحب نوادر هجاء خبيثاً، وأقدر الناس على بديهة، وكان نقي الشيبة والثياب، حسن الصمت والخطاب، وكان مولعاً بأذى أبي بكر الوسطاني، وضرب بينه وبين القاضي محمد بن عبد الله بن هاشم عداوة، وكان سبب خروجه من القيروان ناجياً بروحه إلى مصر، وكان قد صنع قبل ذلك قصيدة أولها:
أمرض بالوعظ القلوب الصّحاحما قاله الهاتف عند الصباح
أيقظني من نومتي في الدجىشخصٌ سمعت القول منه كفاح
يقول: كم ترقد يا غافلاًوالدهر إن لم يغد بالموت راح
تركن للدنيا كأن لا براحمنها وتغدو لاهياً في مزاح
ما الدهر والأيام في مرّهاإلاّ كبرقٍ خاطفٍ
ثم راح مدح فيها عبد الله بن محمد الكاتب بعد مواعظ كثيرة، وهجا ابن الوسطاني أقبح هجاء، وذكر أنه يستتر بالعزائم والرقى، ويسر الفسق والزنا، وأنشده إياها حذاء باب السلام بحضرة أشياخ الدولة، وكان الراي الشاعر حاضر، وله عناية بابن الوسطاني، فقال: أتيت بشعر غيرك تسفه به على أهل الرتب بين يدي الملوك، والله إنك مستحق العقوبة، فقال: أما قولك تسفه فسفه منك وقلة أدب لأني جئت محتسباً فيما يعلمه الله والقاضي وجماعة المسلمين. وأما قولك أهل الرتب فتلك الرتبة التي اشتكينا بما سمعت، لأنها رتبة مصحفة، وأما قولك شعر غيرك فإن أذن لي أبو محمد عرفتك أنه شعري، فقال عبد الله للراي: ما ترى؟ فقال: إيذن له، فقال: شأنك، فأنشد كأنه يحفظه:
سألتك بالقمر الأزهروبالعين والحاجب الأنور
وبالسيد الماجد المرتجىلدفع المظالم والمنكر
حسام الخلافة وابن الحسامومنصورنا جوهر الجوهر
أجرني من الناقص الأعورفلولاك في النّاس لم يذكر
هو النّحس حلّ به نحسهفلا خلق أنحس من أعور
إذا رام خيراً وما رامهأبته شيمة البربر
فقال الراي: قد انتقصت بسيدنا العزيز بالله لأنه من البربر، فقال بكر:
لحا الله ناقصه بينناوإن كنت ذاك ولم تشعر
وفي أي شيء تنقصتهوقد حلّ في البيت من حمير فكأنما ألقمه حجراً.
ودخل إلى صاحب قيان، فوجد جماعة من أصحابه يشربون، منهم أبو حفص الكاتب، ورأى برذونه قائماً في السقيفة، فقال: كم لكم ها هنا فقالوا: كذا وكذا يوم، فشرب نهاره أجمع وليلته، وأراد الانصراف من الغد، فافتقد رداه ودراهم كانت معه، وسأل القوم فما وقع على عين ولا أثر، فقال لابن أبي حفص: سألتك بالله إلا ما نزلت إلى هذا العبد الصالح، فاستوهب لنا منه بأن يفضح الله سارقنا، أو يجمع علينا ما راح منا، فإنه صائم النهار قائم الليل، قال: أي عبد يكون هذا؟ قال: هو برذونك يا سيدي. فضحك الجماعة وخرج وهو يقول:
وغرفةٍ نكّس أعلاهاللفسق والعصيان أنشاها
قد وضع الميزان في وسطهاوكنت من أول قتلاها
من يعرف الله فلا يأتهافما بها من يعرف الله ومن هجائه:
أذاب والٍ بسوسة مخّييعرف بين الأنام بالفرخ
يزعم عبد العزيز والدهوأير عبد العزيز مسترخي
وتوفي سنة تسع وأربعمائة، وقد زاحم المائة، رحمه الله تعالى وإيانا.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع