من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
الملك الأمجد
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
بهرام شاه بن فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب، السلطان الملك الأمجد مجد الدين أبو المظفر، صاحب بعلبك؛ ولي بعلبك بعد أبيه، وكان أديباً فاضلاً شاعراً، له ديوان شعر موجود بأيدي الناس. أخذت منه بعلبك سنة سبع وعشرين وستمائة، أخذها منه الأشرف موسى، وسلمها إلى أخيه الصالح إسماعيل، فقدم الأمجد إلى دمشق، وأقام بها قليلاً، وقتله مملوك له مليح في أوائل سنة ثمان وعشرين وستمائة، ودفن بتربة والده على الشرف الشمالي، وكان سبب قتله أنه كان له غلام محبوس في خزانة الدار، فجلس ليلة يلهو بالنرد، فولع الغلام برزة الباب فقلعها، وهجم على الأمجد وهو غافل مشتغل باللعب فقتله وهرب، ورمى بنفسه من السطح فمات، وقيل لحقه المماليك عند وقعته فقطعوه بالسيوف. وقيل رآه بعض أصحابه في المنام فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال:
كنت من ذنبي على وجلٍزال عنّي ذلك الوجل
أمنت نفسي بوائقهاعشت لما متّ يا رجل
ومن شعره:
دعوت بماء في إناء فجاءنيغلامٌ بها صرفاً فأوسعته زجرا
فقال: هو الماء القراح وإنماتجلّى لها خدّي فأوهمك الخمرا
وكتب إليه الشيخ تاج الدين الكندي:
لا تضجرنكم كتبي وإن كثرتفإن شوقي أضعاف الذي فيها
والله لو ملكت كفّي مسالمةمن اللّيالي التي حظّي يحاكيها
لما تصرّم لي في غير داركمعمرٌ ولا متّ إلاّ في نواحيها فأجابه الأمجد:
إنا لتتحفنا بالأُنس كتبكموإن بعدتم فإن الشوق يدنيها
وكيف نضجر منها وهي مذهبةمن وحشة البين لوعاٍ نعانيها
فإن وصفتم لنا فيها اشتياقكمفعندنا منكم أضعاف ما فيها
سلو نسيم الصبا يهدي تحيتناإليكم فهو يدري كيف يهديها ومن شعره:
طوبى لقيّمنا أحنى على قمرٍيجلو براحته عن وجهه الكلفا
أو درة كمنت في خدرها فغدايفض باللطف عن أنوارها الصّدفا
وأورد له القوصي في معجمه:
أمّا هواك وإن تقادم عهدهفشفيع وجهك ما يزال يجدّه
لا تحسبنّ على التقاطع والنّوىينساك مشتاقٌ تعاظم وجده
يهواك ما هبّ النسيم وحبّذانفح النسيم الحاجريّ وبرده
ما كان يكلف بالرياح صبابةًلولا تجنّيه ولولا بعده
تسري إليه بنفحةٍ من عقدهإنّ المنى يما تضمن عقده
ماذا الملام مع الغرام وفي الحشامنه لهيب هوىً تضرم وقده؟
أيروم عاذله المضلّل ردّهعن رأيه؟ هيهات خيّب قصده
ماذا عليه إذا تضاعف ما بهحتى يعود وقد تناهى حده
إنّ الهوى طمع يولد داءهأملٌ يقوّيه الهوى ويمده
فلكم تملك رقّ حر عنوةأمسى وأصبح وهو فيه عبده
وبأيمن الوادي غزال أراكةٍأصبو إليه وإن تزايد صده
يختال والأغصان تعطفها الصبافيغار منه إذا تمايل قدّه
والأقحوان إذا تبسّم ثغرهوالورد مطلول الجوانب خدّه
قد كان شوّفني الوصال وليتهمن بعد مطل أن ينجّز وعده
وله أيضاً:
قولوا لجيران العقيق والنّقاحتّام تهدون إلينا القلقا
يا ساكني قلبي عسى مبشرٌيخبرني متى يكون الملتقى
ما لبقائي بعد بعدي عنكممعنىً، فإن لقيتكم طاب البقا
أشقاني الدّهر فإن أسعدنيبجمع شملي بكم زال الشقا
أهواكم أتّقي، وقلّمايجمع ما بين الغرام والتّقى
حبكم سفينة ركبتهامأمونة فكيف أخشى الغرقا
حاشا لمن أصبح يرجو الوصل أنيمسي بنار هجركم محترقا وله أيضاً:
يميناً لقد بالغت يا خلّ في العذلوما هكذا فعل الأخلاء بالخلّ
إذا أنت لم تسعد خليلك في الهوىفذره لقد أمسى عن العذل في شغل
ولا تحسبنّ اللوم يذهب وجدهفلومك بالمحبوب يغري ولا يسلي
وما كنت ممن يذهب الوجد حزمهلعمرك لولا أسه الأعين النجل
بهلول المجنون
بهلول بن عمرو، أبو وهيب الصيرفي المجنون، من أهل الكوفة؛ حدث عن أيمن بن نابل وعمرو بن دينار وعاصم بن أبي النجود، وكان من عقلاء المجانين ووسوس، وله كلام مليح ونوادر وأشعار، واستقدمه الرشيد أو غيره من الخلفاء ليسمع كلامه. توفي في حدود التسعين والمائة.
قال الأصمعي: رأيت بهلولاً قائماً ومعه خبيص، فقلت له: أيش معك؟ قال: خبيص، فقلت: أطعمني، قال: هو ليس لي، قلت: لمن هو؟ قال: هو لحمدونة ابنة الرشيد بعثته لي آكله لها.
وقال محمد بن أبي إسماعيل ابن أبي فديك: رأيت بهلولاً في بعض المقابر وقد أدلى رجليه في قبر وهو يلعب بالتراب، فقلت: ما تصنع ها هنا؟ قال: أجالس أقواماً لا يؤذوني وإن غبت لا يغتابوني، فقلت: قد علا السعر مرة، فهل تدعو الله فيكشف عن الناس؟ فقال والله ما أبالي، ولو كان حبة بدينار، لله علينا أن نعبده كما أمرنا، وعليه أن يرزقنا كما وعدنا، ثم صفق يده وأنشأ يقول:
يا من تمتّع بالدنيا وزينتهاولا تنام عن اللذات عيناه
شغلت نفسك فيما لست تدركهتقول لله ماذا حين تلقاه
وقال الحسن بن سهل: رأيت الصبيان يرمون بهلولاً بالحصى، فأدمته حصاة فقال:
حسبي الله توكّلت عليهمن نواصي الخلق طرّاً بيديه
ليس للهارب في مهربهأبداً من راحة إلاّ إليه
ربّ رام لي بأحجار الأذىلم أجد بدّاً من العطف عليه
فقلت له: تعطف عليهم وهم يرمونك؟ فقال: اسكت لعل الله يطلع على غمي ووجعي وشدة فرح هؤلاء فيهب بعضنا لبعض.
وقال عبد الله بن عبد الكريم: كان لبهلول صديق قبل أن يجن، فلما أصيب بعقله فارقه صديقه، فبينما بهلول يمشي في بعض طرقات البصرة إذ رأى صديقه، فلما رآه صديقه عدل عنه، فقال بهلول:
ادن منّي ولا تخافنّ غدريليس يخشى الخليل غدر الخليل
إنّ أدنى الذي ينالك منيستر ما يتّقى وبثّ الجميل
قال الفضل ابن سليمان: كان بهلول يأتي سليمان ابن علي فيضحك منه ساعة ثم ينصرف، فجاءه يوماً، فضحك منه ساعة ثم قال: عندك شيء نأكل؟ فقال لغلامه: هات لبهلول خبزاً وزيتوناً، فأكل ثم قام لينصرف وقال لسليمان: يا صاحب إن جئنا إلى بيتكم يوم العيد يكون عندكم لحم؟ فخجل سليمان.
وجاء إلى بعض أشراف الكوفة وقال له: أشتهي آكل عسل بسرقين، فدعا بهما، فأكل من العل وأمعن فيه، فقال له الرجل: لم لا تأكل السرقين كما قلت؟ قال: العسل وحده أطيب.
وعبث به الصبيان يوماً ففر منهم والتجأ إلى دار بابها مفتوح فدخلها، وصاحب الدار قائم له ضفيرتان، فصاح به: ما أدخلك داري؟ فقال: " يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض " الكهف.
وسأله يوماً علي بن عبد الصمد البغدادي: هل قلت شيئاً في رقة البشرة، فقال: اكتب:
أضمر أن أضمر حبي لهفيشتكي إضمار إضماري
رقّ فلو مرّت به ذرّةٌلخضبته بدمٍ جاري
فقال: أريد أرق من هذا، فقال:
أضمر أن يأخذ المراة لكييبصر وجهاً له فأدناها
فجازوهم الضمير منه إلىوجنته في الهوى فأدماها
فقال: أريد أرق من هذا أيها الأستاذ، فقال: نعم وما أظنه، اكتب:
شبّهته قمراً إذ مرّ مبتسماًفكاد يجرحه التشبيه أو كلما
ومرّ في خاطري تقبيل وجنتهفسيّلت فكرتي في وجنتيه دما
فقال: أريد أرق من هذا، فقال: يا ابن الفاعلة أرق من هذا كيف يكون؟ رويدك لأنظر إن كان قد طبخ في المنزل حريرة أرق من هذا، رحمه الله تعالى.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع