من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
مؤيد الدين ابن العلقمي
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
محمد بن محمد بن علي، أبو طالب الوزير مؤيد الدين ابن العلقمي البغدادي الرافضي، وزير المستعصم؛ ولي الوزارة أربع عشرة سنة فأظهر الرفض قليلاً، وكان وزيراً كافياً خبيراً بتدبير الملك، ولم يزل ناصحاً لأصحابه وأستاذه حتى وقع بينه وبين الدوادار لأنه كان متغالياً في السنة، وعضده ابن الخليفة، فحصل عنده من الضغن ما أوجب سعيه في دمار الإسلام وخراب بغداد على ما هو مشهور؛ لأنه ضعف جانبه وقويت شوكة الدوادار بحاشية الخليفة حتى قال في شعره من ذلك:
وزير رضي من بأسه وانتقامهبطي رقاع حشوها النظم والنثر
كما تسجع الورقاء وهي حمامة... وليس لها نهي يطاع ولا أمر وأخذ يكاتب التتار إلى أن جر هولاكو وجرأه على أخذ بغداد، وقرر مع هولاكو أموراً انعكست عليه، وندم حيث لا ينفعه الندم، وكان كثيراً ما يقول بعد ذلك:
وجرى القضاء بعكس ما أملته
لأنه عومل بأنواع الهوان من أراذل التتار والمرتدة؛ حكي أنه كان جالساً بالديوان، فدخل عليه بعض التتار ممن ليس له وجاهة راكباً فرسه، فسار إلى أن وقف بفرسه على بساط الوزير وخاطبه بما أراد، وبال الفرس على البساط وأصاب الرشاش ثياب الوزير، وهو صابر لهذا الهوان يظهر قوة النفس وأنه بلغ مراده.
وقال له بعض أهل بغداد: يا مولانا أنت فعلت هذا جميعه حمية، وحميت الشيعة، وقد قتل من الأشراف الفاطميين خلق لا تحصى، وارتكبت الفواحش مع نسائهم، فقال: بعد أن قتل الدوادار ومن كان على رأيه لا مبالاة بذلك. ولم تطل مدته حتى مات غماً وغيظاً في أوائل سنة سبع وخمسين وستمائة.
بعث إليه المستعصم شدة أقلام، فكتب إليه: قبل الملوك الأرض شكراً للإنعام عليه بأقلام قلمت أظافر الحدثان، وقامت له في حرب الزمان، مقام عوالى المران، وأجنته ثمار الأوطار من أغصانها، وحازت له قصبات المفاخر بيوم رهانها، فيا لله كم عقد زمام في عقدها، وكم بحر سعادة أصبح جارياً من مدادها ومددها، وكم منآد خط استقام بمثقفاتها، وكم صوارم فل مضاربها مطرر مرهفاتها.
لم يبق لي أمل إلا وقد بلغتنفسي أقاصيه براً بي وإنعاما
لأفتحن بها والله يقدر ليمصانعاً أعجزت من قبل بهراما
تعطي الأقاليم من لم يبد مسألةله فلا عجب إن تعط أقلاما
وكان قد طالع المستعصم في شخص من أمراء الجبل يعرف بابن شرف شاه وقال في آخر كلامه " وهو مدبر " فوقع المستعصم له:
ولا تساعد أبداً مدبراًوكن مع الله على المدبر
فكتب ابن العلقمي أبياتاً في الجواب منها:
يا مالكاً أرجو بحبي لهنيل المنى والفوز في المحشر
أرشدتني لا زلت لي مرشداًوهادياً من رأيك الأنور
أبنت لي بيت هدى قلتهعن شرف من بيتك الأطهر
فضلك فضل ما له منكرليس لضوء الشمس من منكر
أن يجمع العالم في واحد... ليس على الله بمستنكر اشتغل بالحلة على عميد الرؤساء أيوب، وعاد إلى بغداد وأقام عند خاله عضد الدين أبي نصر المبارك ابن الضحاك، وكان أستاذ الدار.
ولما قبض على مؤيد الدين القمي - وكان أستاذ الدار - فوضت الأستاذ دارية إلى شمس الدين ابن الناقد، ثم عزل وفوضت الأستاذ دارية إلى ابن العلقمي، فلما توفي المستنصر بالله وولي الخليفة المستعصم وتوفي ابن الناقد وزر ابن العلقمي، وكان قد سمع الحديث واشتغل على أبي البقاء العكبري.
وحكي أنه لما كان يكاتب التتار تحيل إلى أن أخذ رجلاً وحلق رأسه حلقاً بليغاً وكتب ما أراد عليه بالإبر، ونفض عليه الكحل وتركه عنده إلى أن طلع شعره وغطى ما كتب، فجهزه وقال: إذا وصلت مرهم بحلق رأسك ودعهم يقرأون ما فيه، وكان آخر الكلام " اقطعوا الورقة " فضربت عنقه، وهذا غاية في المكر والخزي.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع