تجاوز إلى المحتوى

من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)

تاج الدين ابن حنا

فيه ٢٧ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

محمد بن محمد بن علي بن محمد بن سليم المصري، الصاحب تاج الدين ابن الصاحب فخر الدين ابن الوزير بهاء الدين ابن حنا؛ ولد سنة أربعين وستمائة، وتوفي سنة سبع وسبعمائة، وسمع من سبط السلفي ومن الشرف المرسي، وبدمشق من ابن عبد الدايم وابن أبي اليسر، وانتهت إليه رياسة عصره بمصره، وكان ذا تصون وسؤدد ومكارم أخلاق وشكل حسن وبزة فاخرة إلى الغاية، يتناهى في المطاعم والملابس والمساكن، ومع ذلك صدقاته كثيرة وتواضعه وافر، ومحبته في الفقراء والصلحاء زائدة، وهو الذي اشترى الآثار النبوية - على ما قيل - بستين ألف درهم وجعلها في مكانه بالمعشوق، وهو المكان المنسوب إليه بالديار المصرية، وهي قطعة من العنزة ومرود ومخصف وملقط من فضة، ورأى من العز والرياسة والوجاهة ومن السيادة ما لا رآه جده الصاحب بهاء الدين.

حكى الشيخ شهاب الدين محمود رحمه الله تعالى أن الصاحب فخر الدين " ابن " الخليلي لما لبس خلعة الوزارة توجه من القلعة بالخلعة إلى دار الصاحب تاج الدين، وجلس بين يديه وقبل يده، فأراد أن يجبره ويعظم قدره، فالتفت إلى بعض غلمانه وطلب منه توقيعاً يختص بذلك الشخص، فأخذه وناوله لابن الخليلي وقال: مولانا يعلم على هذا التوقيع، فأخذه وقبله ووضعه على رأسه وكتب عليه قدامه؛ وكان فتح الدين ابن سيد الناس إذا حكى هذه الحكاية يقول: وهذه الحركة من الصاحب تاج الدين بمنزلة الإجازة والإمضاء لوزارة ابن الخليلي.

ومن أحسن حركة اعتمدها ما حكاه الشيخ صلاح الدين الصفدي حرسه الله تعالى في تاريخه، قال: حكى لي القاضي شهاب الدين ابن فضل الله رحمه الله تعالى قال: اجتزت بتربته، فرأيت إلى جانبها مكتباً للأيتام وهم يكتبون القرآن في ألواحهم، فإذا أرادا مسحها غسلوا الألواح وسكبوا ذلك على قبره، فسألت عن ذلك فقيل لي: هذا شرط الواقف، وهذا قصد حسن وعقيدة صحيحة.

وكان الصاحب بهاء الدين يؤثره على أولاده لصلبه ويعظمه، وكتب له عليه حجة بمبلغ ستين مثقال مصرية؛ ومن وجاهته وعظمه في النفوس أنه لما نكب على يد الشجاعي جرده من ثيابه وضربه مقرعة واحدة فوق قميصه، ولم يدعه الناس يصل إلى أكثر من ذلك، مع جبروت الشجاعي وعتوه وتمكنه من السلطان.

وكان له شعر حسن، فمن ذلك ما كتبه إلى الشراج الوراق في حمار سقط

في بئر فمات:

يفديك جحشك إذ مضى متردياًوبتالد يفدى الأديب وطارف
للشاعر الصاحب تَاج الدّين ابْن حنا، من قصيدة «يفديك جحشك إذ مضى مترديا»
عدم الشعير فلم يجده ولا رأىتبناً وراح من الظما كالتالف
للشاعر الصاحب تَاج الدّين ابْن حنا، من قصيدة «يفديك جحشك إذ مضى مترديا»
ورأى البويرة غير خاف ماؤهافرمى حشاشة نفسه لمخاوف
فهو الشهيد لكم بوافر فضلكمهذي المكارم لا حمامة خاطف
للشاعر الصاحب تَاج الدّين ابْن حنا، من قصيدة «يفديك جحشك إذ مضى مترديا»
قوم يموت حمارهم عطشاً لقدأزروا بحاتم في الزمان السالف
للشاعر الصاحب تَاج الدّين ابْن حنا، من قصيدة «يفديك جحشك إذ مضى مترديا»

وأجابه الوراق بقصيدة على وزنها في غاية الحسن، أولها:

أدنت ثمار قطوفها للقاطفوثنت بأنفاس النسيم معاطفي ومنها في ذكر الحمار:
ولكم بكيت عليه عند مرابعومراتع رشت بدمعي الذارف
يمشي على عسري ويسري صابراًبمعازف تلهيه دون معالف
وقد استمر على القناعة يقتديبي وهي في ذا الوقت جل وظائفي
ودعاه للبئر الصدى فأجابهواعتاقه صرف الحمام الآزف
وهو المدل بألفة طالت وماأنسي حقوق مرابعي ومآلفي
ومواقفي في كل ما حاولتهفي الدهر غير مواقفي ومخالفي
دوران ساقية لطاحون ونقل الماء في شات ويوم صائف
لكن بماء البئر راح بنقلهقتلته شا مات بموت جارف وبعث الصاحب تاج الدين إلى السراج،

وقد ولد له ولد، صلة وثلثاً حريرياً، وكتب مع ذلك أبياتاً خمسة أولها:

بعثت بها وبالثلث الرفيعفأجابه الوراق بأبيات أولها:
سرت من جانب العز الرفيعإلي بطيب أنفاس الربيع
مصرعة كأني اليوم منهاولجت على حبيب والصريع
دعونا الخمسة الأبيات ستاًلسبع علقت فوق الجميع
فدينا من هباتك مذهباتكأن بحوكها قطع الربيع
تزيد بلمس كفك حسن وشيكحسن الروض بالغيث المريع
بها أحييت للنفساء نفساًولي معها وللطفل الرضيع
وقد سمنت كيسي بعد ضعفبه التقت الضلوع مع الضلوع وحكي أنه أضاف جده يوماً ووسع في الضيافة،

فلما عاد جده إلى بيته أخذ الناس يتعجبون من همته وكرم نفسه؛ فقال الصاحب بهاء الدين: ليس ما ذكرتموه بعجيب، لأنه نفسه " كريمة ومكنته " متسعة، والعجيب العجيب كونه طول هذا النهار وما أحضره من المشروب والمأكول من الطعام والفاكهة والحلوى وغير ذلك على اختلاف الأنواع ما قام من مكانه، ولا دعا خادماً " فأسر إليه " ولا أشار إليه بيده ولا طرفه. وقيل إن الناس تعجبوا على كثرتهم من شربهم الماء المبرد في كيزان عامة نهارهم، فسئل عن ذلك فيما بعد فقال: اشترينا خمسمائة كوز، وبعثنا إلى الجيران قليلاً قليلاً بردوا ذلك في الباذهنجات التي لهم. ولا شك أنه كان عالي الهمة ممجداً مسوداً.

واعتكف في مئذنة عرفات بجامع مصر ثلاثة أيام، فكتب إليه السراج الوراق:

ثلاثة أيام قطعت لطولهاثلاث شديدات من السنوات
للشاعر السراج الوراق، من قصيدة «ثلاثة أيام قطعت لطولها»
حجبن محيا الصاحب ابن محمدلتجمع بين الحسن والحسنات
للشاعر السراج الوراق، من قصيدة «ثلاثة أيام قطعت لطولها»
وما كاد قلبي أن يقر قرارهلأني بمصر وهو في عرفات

وقال الحكيم شمس الدين ابن دانيال يهجوه:

يحتاج ذا التاج من يرصعهبدره تحت دالها كسره
للشاعر ابن دانيال الموصلي، اقرأ القصيدة
فمن رأى عنقه الطويل ولاينزل فيه يموت بالحسره
للشاعر ابن دانيال الموصلي، اقرأ القصيدة

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «فوات الوفيات»