تجاوز إلى المحتوى

من «التعازي والمراثي» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)

باب من التعازي والمواعظ

ثم نعود إن شاء الله إلى الشعر ونصله بمثل هذا والقوة لله جل ذكره.

يروى عن جعفر بن محمد أنه قال: مات أخ لبعض ملوك اليمن فعزاه بعض العرب فقال في تعزيته: اعلم أن الخلق للخالق، والشكر للمنعم، والتسليم للقادر، ولا بد مما هو كائن، ولا سبيل إلى رجوع ما قد فات. وقد أقام معك ما سيذهب عنك أو ستتركه، فما الجزع مما لا بد منه، وما الطمع فيما لا يرجى؟ وما الحيلة فيما سينقل عنك أو تنتقل عنه؟ قد مضت لنا أصول نحن فروعها، فما بقاء الفروع بعد أصله. وأحق الأشياء عند المصائب الصبر. وأهل هذه الدنيا سفر لا يحطون الركاب إلا في غيرها. فما أحسن الشكر عند النعم، والتسليم عند الغير. فاعتبر بمن قد رأيت من أهل الجزع، هل رد أحد منهم إلى شيء من درك. واعلم أن أعظم من المصيبة سوء الخلف منها. وإنما ابتلاك المنعم وأخذ منك المعطي، وما ترك أكثر. فإن نسيت الصبر فلا تغفل عن الشكر، وكلاً فلا تدع. وما أصغر المصيبة اليوم مع عظم المصيبة في غد، فاستقبل المصيبة بالحسنة تستخلف بها نعماً فإنما نحن في الدنيا أغراض تنتضل فيها المنايا، ونهب المصائب، مع كل جرعة شرق وفي كل أكلة غصص. لا تنال نعمة إلا بفراق أخرى ولا يستقبل معمر يوماً من عمره إلا بهدم آخر من أجله، ولا تحدث له زيادة في أكلة إلا بنفاد ما قبلها من رزق، ولا يحيا له أثر إلا مات له أثر. فنحن أعوان الحتوف على أنفسنا، وأنفسنا تسوقنا إلى الفناء، فمن أين نرجو البقاء وهذا الليل والنهار لا يرفعان من شيء شرفاً إلا أشرعا في هدم ما رفعا وتفريق ما جمعا فاطلب الخير وأهله، واعلم أن خيراً من الخير معطيه، وشراً من الشر فاعله. والسلام.

قال أبو العباس: وعن جويرية بن أسماء عن عمه أن إخوةً ثلاثة شهدوا يوم تستر، فاستشهدوا، فخرجت أمهم إلى السوق يوماً لبعض شأنها، فتلقاها رجل قد حضر أمرهم فعرفته فسألته عن بنيها. فقال: استشهدوا. فقالت: أمقبلين أم مدبرين؟ فقال: بل مقبلين. فقالت: الحمد لله، نالوا الفوز وحاطوا الذمار، بنفسي هم وأمي وأبي.

وقال خالد بن عطية قال عمر بن عبد العزيز عند وفاة ابنه عبد الملك: الحمد لله الذي جعل الموت حتماً واجباً على خلقه، ثم سوى فيه بينهم، فقال: كل نفس ذائقة الموت. فليعلم ذوو النهى صائرون إلى قبورهم، مفردون بأعمالهم، واعلموا أن عند الله مسألةً فاحصةً فقال جل وعز: فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون.

وقال يحيى بن إسماعيل بن أبي المهاجر عن أبيه: استشهد ابن لأبي أمامة الحمصي فكتب عمر إلى أبي أمامة: الحمد لله على آلائه وقضائه وحسن بلائه. قد بلغني الذي ساق الله إلى عبد الله بن أبي أمامة من الشهادة. فقد عاش بحمد الله مأموناً، وأفضى إلى الآخرة شهيداً، وقد وصل إليكم من الله خير كثير إن شاء الله.

وقال يزيد بن عمر الكلابي: قال رجل لعمر بن عبد العزيز عند وفاة ابنه عبد الملك:

تعزّ أمير المؤمنين فإنّهلما قد ترى يغذى الصّغير ويولد
هل ابنك إلاّ من سلالةٍ آدمٍلكلٍّ على حوض المنيّة مورد

وقال أبو البيداء الأسدي عن شيخ من أهل الحرة، أن عمر بن عبد العزيز خطب الناس بعد وفاة ابنه عبد الملك، ونهى عن البكاء عليه، وقال: إن الله جل ذكره لم يجعل لمسيء ولا لمحسن خلوداً في الدنيا، ولم يرض بما أعجب أهلها ثواباً لأهل طاعته، ولا ببلائها عقوبةً لأهل معصيته، فكل ما فيها من محبوب متروك، وكل ما فيها من مكروه مضمحل. كتب على أهلها الفناء، وأخبر أنه يرث الأرض ومن عليها. فاتقوا الله، واعملوا ليوم لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً.

ودخل عمر بن عبد العزيز على ابنه عبد الملك وكان موته بالطاعون، وكانوا يقولون: إذا مس الطاعون، وهو قرحة، فوجد ليناً طمع لصاحبه في البرء منه، وإن كان خشناً يئس من صاحبه، فدخل عمر على ابنه فقال: دعني أمس قرحتك، فكره عبد الملك أن يمسها أبوه فيجزع، وكانت خشنةً، فقال أو تعفيني يا أمير المؤمنين؟ فعلم عمر لم منعه، فقال ولم يا بني؟ فوالله لأن أقدمك فأجدك في ميزاني أحب إلي من أن تقدمني فتجدني في ميزانك. فقال: وأنا والله يا أمير المؤمنين لأن يكون ما تحب أحب إلي من أن يكون ما أحب. فلمسها فقال: يا عبد الملك، الحق من ربك، فلا تكونن من الممترين. فقال. ستجدني إن شاء الله من الصابرين.

وروى عبد الله بن مسلم وغيره أن خنساء دخلت على عائشة أم المؤمنين وعليها صدار من شعر، فقالت لها: يا خنساء، أتتخذين الصدار وقد نهى رسول الله ﷺ عنه؟ فقالت: يا أم المؤمنين، إن زوجي كان رجلاً متلافاً فأملقنا فقال: لو أتيت معاوية فاستعنته؟! فلقيني صخر أخي فقال:

اين تريدين فأخبرته، فشاطرني ماله فأتلفه زوجي، ففعل ذلك ثلاث مرات، فقالت امرأته: لو أعطيتها من شرارها، تعنى الإبل، فسمعته يقول:

والله لا أمنحها شرارهاولو هلكت عطّلت خمارها

واتّخذت من شعرٍ صدارها

فلما هلك اتخذت هذا الصدار، ونذرت لا أضعه حتى أموت.

وقال أبو محمود: قالت الخنساء: كنت أبكى صخراً على ما فاته من الحياة، فأنا اليوم أبكي له من النار.

ويروى أن عائشة ﵂ أنشدتها الخنساء بعض أشعارها في صخر، أحسبه قولها:

ألا يا صخر إن أبكيت عينيلقد أضحكتني دهراً طويلا
للشاعر الخنساء، من قصيدة «ألا يا صخر إن أبكيت عيني»
بكيتك في نساءٍ معولاتٍوكنت أحقّ من أبدى العويلا
للشاعر الخنساء، من قصيدة «ألا يا صخر إن أبكيت عيني»
دفعت بك الخطوب وأنت حيٌّفمن ذا يدفع الخطب الجليلا؟
إذا قبح البكاء على قتيلٍرأيت بكاءك الحسن الجميلا
للشاعر الخنساء، من قصيدة «ألا يا صخر إن أبكيت عيني»

فقالت لها عائشة: أتبكين صخراً وإنما هو جمرة في النار؟ قالت: يا أم المؤمنين، ذلك والله أشد لجزعي عليه.

وقال مسلمة: لما قتل عبد الله بن عامر بن مسمع بالزاوية أتوا الحجاج برأسه، فقال اذهبوا برأسه إلى عامر بن مسمع يعني أباه فأتوه به، فجعله في ثوبه وأقبل به إلي الحجاج وهو يبكي، فقال: أجزعت عليه؟ فقال لا، بل جزعت له من النار. فإن رأى الأمير أن يأذن لي في دفنه، فأذن له، فدفنه.

وقال مسلمة بن محارب: قتل معاوية بن سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب في الحرب التي كانت بين قتيبة وبين سفيان بن معاوية. فلما ولي سفيان البصرة أرسل إلى خالد بن صفوان أن ابنك قتل، وقتل ابني فأرسلت إليك أتعزى بك وتتعزى بي. فقال: أصلح الله الأمير، أنا وأنت كما قالت الباكية:

أسعدنني أخواتيفالويل لي ولكنّه

فقال سفيان: جددت لي حزناً. فقال: أصلح الله الأمير، فليسل عنك ما جددت لك العلم بأنك غير باق.

وقال كليب بن خلف: قال عبد الكريم المازني لعبد الله بن عبد الله ابن الأهتم:

كيف كان جزعك على أهل بيتك؟ فقال: ما ترك حب الغداء والعشاء في قلبي حزناً على أحد.

وقال يزيد بن عياض بن جعدبة: كان عبد الله بن الزبير إذا أصابته مصيبة يقول: إن ابتليت فقد قتل أبي وإمامي عثمان. فصبرت.

وقال قائل لعبد الملك بن مروان: أأدركت قتل أمير المؤمنين عثمان؟ فقال: نعم. قال: فكيف كان جزعك عليه؟. قال: شغلني الحنق لأن أدرك بثأره عن الحزن عليه.

وقال أبو عبد الرحمن العجلاني عن إسماعيل بن يسار: مات ابن لأرطاة بن سهية المري، من غطفان، يقال له عمرو، فأقام على قبره حولاً، يأتيه كل غداة فيقول:

يا عمرو، هل أنت غاد معي؟ فلما كان رأس الحول تمثل قول لبيد:

إلى الحول ثمّ أسم السّلام عليكماومن يبك حولاً كاملاً فقد أعتذر
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما»

ثم ترك قبر ابنه.

وقال أبو عمرو بن يزيد: مات أخ لمالك بن دينار فبكى وقال: يا أخي لا تقر عيني بعدك حتى أعلم أفي الجنة أنت أم في النار، ولا أعلم ذلك حتى ألحق بك.

وقال مسلمة بن محارب: لما أتت معاوية وفاه زياد استرجع وقال:

وأفردت سهماً في الكنانة واحداًسيرمى به أو يكسر السّهم كاسر

وقال أبو زكريا العجلاني وغيره أن معاوية نعي إليه سعيد بن العاصي وعبد الله بن عامر فاسترجع وقال:

إذا مات من خلف امريءٍ وأمامهوأفرد من جيرانه فهو سائر

وقال عبد الله بن مسلم: بكى رجل على شاة له أصيب بها فأكثر، فرآه رجل من باهلة يقال له الحارث بن حبيب فقال:

يا أيّها الباكي على شاتهيبكي بكاءً غير إسرار
إنّ الرزيئات وأمثالهاما لقي الحارث في الدّار
للشاعر الحارث بن حبيب الباهلي، اقرأ القصيدة
دعا بني معنٍ وأشياعهمفكلّهم يعدو بمحفار
للشاعر الحارث بن حبيب الباهلي، اقرأ القصيدة

وكان للحارث المذكور عشرة بنين، فحلب يوماً في علبة ووضعها فمج فيها أسود سالخ، فبعث بالعلبة إلى بنيه، وهو لا يدري، فشربوها فماتوا جميعاً. وقيل: بل كانوا سبعة، فسقط عليهم حائط فقتلهم.

وقال خالد بن يزيد بن بشر: جزع سليمان بن عبد الملك على ابنه أيوب، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، إن رجلاً حدث نفسه بالبقاء لغير جيد الرأي.

وقال صدقة بن عبد الله المازني: مات حنظلة بن عبد الله الأسيدي فجزعت عليه امرأته، فنهتها جاراتها وقلن لها:

إن هذا يحبط أجرك، فقالت:

تعجّب الدّهر لمحزونةٍتبكي على ذي شيبةٍ شاحب
إن تسأليني اليوم ما شفّنيأخبرك قولاً ليس بالكاذب
إن سواد العين أودى بهحزنٌ على حنظلة الكاتب

وكان حنظلة قد كتب لرسول الله ﷺ.

وقال إسحاق بن أيوب وعامر بن حفص ومسلمة بن محارب: قدم عروة بن الزبير على الوليد بن عبد الملك ومعه محمد بن عروة فدخل محمد دار الدواب، فضربته دابة فخر ميتاً، ووقعت في رجل عروة الأكلة، ولم يدع ورده تلك الليلة. فقال له الوليد: اقطعها، وإلا أفسدت عليك جسدك، فقطعها بالمنشار وهو شيخ كبير. ولم يمسكه أحد. وقال: لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا.

وقدم على الوليد في تلك السنة قوم من بني عبس، فيهم رجل ضرير فسأله الوليد عن عينيه فقال: يا أمير المؤمنين، بت ليلةً في بطن واد ولا أعلم عبسياً يزيد ماله على مالي؛ فطرقنا سيل فذهب بما كان لي من أهل وولد ومال غير بعير وصبي مولود. وكان البعير صعباً فند. فوضعت الصبي واتبعت البعير، فلم أجاوزه إلا قليلاً حتى سمعت صيحة ابني، فرجعت إليه ورأس الذئب في بطنه وهو يأكله، ولحقت البعير لأحبسه فنفحني

برجله على وجهي فحطمه وذهب بعيني فأصبحت لا مال لي ولا أهل ولا ولد ولا بصر. فقال الوليد: انطلقوا به إلى عروة ليعلم أن في الناس من هو أعظم منه بلاءً.

وشخص عروة إلى المدينة فأتته قريش والأنصار فقال له عيسى بن طلحة ابن عبيد الله: أبشر يا أبا عبد الله، فقد صنع الله بك خيراً، والله ما بك حاجة إلى المشي. فقال: ما أحسن ما صنع الله إلي، وهب لي سبعة بنين فمتعني بهم ما شاء، ثم أخذ واحداً وترك ستة، ووهب لي ست جوارح، فمنعني بهن ما شاء، ثم أخذ واحدة ثم ترك لي خمساً: يدين ورجلاً وسمعاً وبصراً، ثم قال: اللهم لئن كنت أخذت لقد أبقيت، ولئن كنت ابتليت لقد عافيت.

وكثر الموت سنةً بالبصرة، فقيل للحسن: يا أبا سعيد، ألا ترى؟ فقال: ما أحسن ما صنع ربنا. أقلع مذنب، وأنفق ممسك، ولم يغلط بأحد.

وقال مخلد بن حمزة عن عبد الملك بن عمير قال

دخل عبد الله بن الزبير على أمه أسماء بنت أبي بكر، فقال لها: يا أمه، قد خذلني الناس فما بقي معي إلا من ليس عنده من الصبر أكثر من ساعة، والقوم يعطونني ما أردت، فما رأيك؟ قالت: أنت أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق وإليه تدعو فامض على حقك، ولا تمكن غلمان بني أمية من نفسك، فقال: وفقك الله، هذا رأيي، وإني لحسن الظن بربي، فإن هلكت فلا يشتد علي جزعك، فإن ابنك لم يتعمد إتيان دنية، ولا عملاً بفاحشة، ولم يجر في حكم، ولم يسع بغدر، ولم يكن شيء آثر عنده من رضى ربه. اللهم، إني لا أقول هذا تزكيةً لنفسي وأنت أعلم بي، ولكني أقوله لتسلو عني.

وقال علي بن مجاهد عن عبد الأعلى بن ميمون: دخل عبد الله بن الزبير على أمه: فقال: كيف أصبحت يا أمه؟ فقالت: إني لوجعه، قال: إن في الموت لراحةً. قالت:

والله ما أحب أن أموت حتى آتي على أحد طرفيك: إما ظفرت فقرت عيني، وإما قتلت فاحتبستك، وإن أحبهما إلي أن تكون تصلي علي وتدفنني. فما دمعت عينه ولا عينها. فما ندري من أيهما نعجب.

ولقد قال: إني لا آمن إن قتلت أن أصلب، فقالت له: يا بني إن الشاة لا تألم للسلخ. فحمل على أهل الشام وهو يتمثل:

فلست بمتباع الحياة بسبّةٍولا مرتقٍ من خشية الموت سلّما

قال أبو الحسن المدائني: وأخبرنا يزيد بن عياض قال: لما مات علي بن الحسين ضربت امرأته على قبره فسطاطا، فأقامت فيه حولاً ثم رجعت إلى بيتها. فسمعوا قائلاً يقول: أدركوا ما طلبوا. فأجابه مجيب: بل يئسوا فانصرفوا.

قال: وأخبرنا علي بن مجاهد عن عبد الأعلى بن ميمون بن مهران عن أبيه قال: عزى رجل عمر بن عبد العزيز عن ابنه عبد الملك، فقال عمر:

الذي نزل بعبد الملك أمر كنا ننتظره، فلما وقع لم ننكره.

قال: وأخبرنا بشر بن عبد الله بن عمر قال: قام عمر على قبر ابنه عبد الملك، فقال: رحمك الله يا بني، لقد كنت ساراً مولوداً، وباراً ناشئاً، وما أحب أني دعوتك فأجبتني! وقال الأصمعي: دخل عمر بن عبد العزيز على ابنه عبد الملك وهو يجود بنفسه، فقال: كيف تجدك يا بني؟ قال: أجدني في الموت، فاحتسبني يا أمير المؤمنين، فإن ثواب الله خير لك مني. قال: رضي الله عنك يا بني، فإنك لم تزل تسر أباك وأنت في الخرق، وما كنت قط أسر إلي منك حيث يصيرك الله في ميزاني، فرضي الله عنك وعن كل شاهد وغائب دعا لك بخير. فجعل الناس يدعون له رجاء أن يدخلوا في دعوة عمر. وعاش عمر بعده أربعين يوماً ثم هلك.

وقال الأصمعي: قال عمر: إنما الجزع قبل فوات الشيء فإذا فاتك الشيء فاله عنه.

وقال الأصمعي: كتب رجل إلى عمر يعزيه، فأجابه: إني لم أزل في صحة منه وسلامة، موطناً نفسي على فراقه. والسلام.

وأخبرنا أبو الحسن عمن حدثه عن مسلمة قال: لما مات عبد الملك كشف أبوه عن وجهه وقال: رحمك الله يا بني، سررت بك يوم بشرت بك، ولقد عمرت مسروراً بك وما أتت علي ساعة أنا بك فيها أسر مني بك من ساعتي هذه، أما والله إن كنت لتدعو أباك إلى الجنة.

وتحدث المدائني عن سليمان بن أرقم أن عمر بن عبد العزيز قال لأبي قلابة وكان ولي غسل ابنه: إذا غسلته وكفنته فآذني به قبل أن تغطي وجهه. فنظر إليه فقال: رحمك الله يا بني وغفر لك.

وتحدث عن يحيى بن إسماعيل بن أبي المهاجر عن أبيه قال: استشهد ابن لأبي أمامة الحمصي فكتب عمر إلى أبي أمامة: الحمد لله على آلائه وقضائه وحسن بلائه. فقد بلغني الذي ساق الله إلى عبد الله بن أبي أمامة من الشهادة، فقد عاش بحمد الله في الدنيا مأموناً، وأفضى إلى الآخرة شهيداً، وقد وصل إليكم من الله خير كثير إن شاء الله.

وتحدث عن جعفر بن هلال بن حباب عن أبيه قال: كتب عمر إلى عماله: إن عبد الملك بن عمر كان عبداً من عبيد الله أحسن إليه وإلى أبيه فيه، أعاشه ما شاء ثم قبضه إليه. وكان ما علمت والله به أعلم خيراً، من صالحي شباب أهل بيته قراءةً للقرآن وتحرياً للخير. وأعوذ بالله أن تكون لي محبة في شيء من الأمور تخالف محبة الله، فإن ذلك لا يحسن بي في إحسانه إلي، وتتابع نعمه علي. وقد قلت عند الذي كان بما أمر الله ﷿ أن أقول عند المصيبة ثم لم أجد بحمد الله إلا خيراً، ولا أعلم ما بكت عيه باكية، ولا ناحت عليه نائحة، ولا اجتمع لذلك أحد، فقد نهينا أهله الذين هم أحق بالبكاء عليه.

وتحدث عن محمد بن عباد أنه بلغه أن عبد الملك بن عمر لما مات، فخرج بسريره ليصلى عليه، صف عمر الناس خلفه ثم قام حيال صدره أو رأسه ثم قال: هكذا يقوم ولي الرجل من الرجل، ومن المرأة يقوم حيال وسطها. فلما صار إلى القبر دخل فيه وأخذ برأس ابنه حتى وضعه في اللحد. ثم قال: هكذا يصنع ولي الرجل بالرجل. ثم قام على قبره وجعل القبر بينه وبين القبلة. فلما رآه الناس قائماً قاموا، فقال: اجلسوا، فإنما يجب القيام على أولياء الميت.

وتحدث عن مسلمة بن عثمان أن سليمان بن عبد الملك قال لعمر بن عبد العزيز: هل يكون المؤمن في حالة تنزل به المصيبة فلا فلا يألم لها؟ قال لا يا أمير المؤمنين، لا يكون أن يستوي عندك ما تحب وما تكره، أو تكون الضراء والسراء عند أحد سواء. ولكن معول المؤمن الصبر.

وقال عن عبد الله بن الأسود: لما مات عاصم بن عمر بن عبد العزيز جزع عليه أخوه عبد الله فرثاه. وأنشدني هذا الشعر الرياشي:

إن تك أحزانٌ وفائض عبرةٍأثرن دماً من داخل الجوف منقعا
تجرّعتها في عاصمٍ فاحتسبتهالأعظم منها ما أحتسى وتجرّعا
فليت المنايا كنّ صادفن غيرهفعشنا جميعاً أو ذهبن بنا معا

وقال إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب يرثي أخاه محمد بن عبد الله:

أبا المنازل يا عبر الفوارس منيفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا
الله يعلم أنّي لو خشيتهموأوجس القلب من خوفٍ لهم فزعا
لم يقتلوك ولم أسلم أخي لهمحتّى نعيش جميعاً أو نموت معاً

وكان قتله في المعركة عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله وهو الذي قتل إبراهيم أخاه.

وقال أبو الحسن: أخبرنا العباس بن معاوية قال: عزى محمد بن الوليد ابن عتبة بن أبي سفيان عمر بن عبد العزيز عن ابنه عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، ليشغلك ما أقبل من الموت إليك عمن هو في شغل عما دخل عليك، وأعدد لما ترى عدة تكون لك جنة من الحزن وستراً من النار. فقال عمر: فهل رأيت حزناً ينكر أو غفلةً أنبه لها؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لو أن رجلاً ترك تعزية رجلٍ لعلمه وانتباهه لكنته، ولكن الله قضى أن الذكرى تنفع المؤمنين.

وقال أبو الحسن: دخل مسلمة على عمر في مرضه، فقال:

يا أمير المؤمنين، ألا توصي؟ قال: وهل لي مال أوصي فيه؟ فقال مسلمة: هذه مئة ألف أبعث بها إليك فهي لك أوص فيها. قال: فهلا غير ذلك يا مسلمة؟ فقال: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: تردها من حيث أخذتها. فبكى مسلمة وقال: يرحمك الله، فقد ألنت منا قلوباً كانت قاسية، وزرعت لنا في قلوب المؤمنين مودة، وأبقيت لنا في الصالحين ذكراً.

وقال أبو الحسن عن سعيد بن عامر عن محمد بن عمرو بن علقمة قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو يقول: ما أنعم الله على عبد نعمةً فانتزعها منه وعاضه من ذلك الصبر إلا كان ما عوضه أفضل مما انتزع منه. ثم قرأ: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب.

وقال مقسم، وهو مولىً لبعض أهل المدينة، يرثي عمر بن عبد العزيز ﵀:

لو أعظم الموت خلقاً أن يلاقيهلأعظم الموت أن يلقاك يا عمر
لهفي عليك ولهف الموجعين معيعلى العدول الّتي تعيى لها الجفر
ثلاثةٌ لا ترى عينٌ لهم شبهاًتضمّ أعظمهم في المسجد الجدر
فقد بلغت ولم تبلغ فعالهمما فوقه لإمامٍ مبصرٍ بصر

قال أبو الحسن: قال محمد بن حرب الهلالي: كان رسول الله ﷺ إذا عزى يقول: آجركم الله ورحمكم. وإذا هنأ قال: بارك الله لكم وبارك عليكم.

وقال ابن الأعرابي: وقف جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس على قبر أخيه محمد بن سليمان فقال: اللهم إني أمسيت أرجوك له وأخافك عليه، اللهم فصدق رجائي وأمن خوفي، إنك على كل شيء قدير.

قال الأصمعي: ولى عمر بن الخطاب ﵁ كعب بن سور قضاء البصرة.

قال أبو العباس: وكان سبب ذلك أنه حضر مجلس عمر، فجاءت امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين، إن زوجي صوام، قوام. فقال عمر: إن هذا لرجل صالح، ليتني كنت كذا. فردت عليه الكلام فقال عمر كما قال. فقال كعب بن سور الأزدي:

يا أمير المؤمنين، إنها تشكو زوجها، تخبر أنه ليس لها منه حظ.

فقال: علي بزوجها. فأتي به، فقال له:

ما بالها تشكوك، وما رأيت امرأة أكرم شكوى منها؟

فقال: يا أمير المؤمنين:

الرجز

إنّي امرؤٌ أفزعني ما قد نزلفي الحجر والنّحل وفي السّبع الطّول

فقال له كعب:

إنّ لها عليك حقّاً يا بعلفأوفها الحقّ وصم ثمّ وصلّ

فقال عمر لكعب: اقض بينهما. فقال: نعم، يا أمير المؤمنين، أحل الله للرجل أربعاً، فأوجب لكل واحدة ليلة، فلها في كل أربع ليال ليلة، ويصنع بنفسه في الثلاث ما شاء. فألزمه ذلك. وقال لكعب: اخرج قاضياً على البصرة.

قال أبو العباس: اتصل هذا بخبر الأصمعي.

فلم يزل عليها حتى قتل عثمان. فلما كان يوم الجمل، خرج مع أهل البصرة وفي عنقه مصحف، فقتل هو يومئذ وثلاثة إخوة له أو أربعة. فجاءت أمهم فوجدتهم في القتلى، فحملتهم وجعلت تقول:

أيا عين بكّي بدمعٍ سربعلى فتيةٍ من خيار العرب
فما ضرّهم غير حين النّفوس أيّ أميري قريشٍ غلب

وقال أبو الحسن: أخبرني مخبر قال: كتب غيلان إلى رجل من إخوانه أصيب بابنه فجزع عليه: أما بعد. فإن الله أعطاك هبته، وجعل عليك أدبه ومؤنته، وأنت تخشى فتنته، فاشتد بذلك سرورك. فلما قبض الله هبته، وكفاك أدبه ومؤنته، وأمنت فتنته، اشتد لذلك جزعك، فأقسم بالله أن لو كنت تقياً لعزيت على ما هنئت عليه، ولهنئت على ما عزيت عليه.

فإذا أتاك كتابي فاصبر على الأمر الذي لا غنى بك عن ثوابه، ولا صبر لك على عقابه. واعلم أن كل مصيبة لم يذهب فرح ثوابها حزنها، فذلك الحزن الدائم.

وقال أبو الحسن: لما هلك ابن عمر بن ذر وقف عليه أبوه وهو مسجىً فقال: يا بني، ما علينا من موتك غضاضة، وما بنا إلى أحد سوى الله من حاجة. فلما دفن قام على قبره فقال: يا ذر غفر الله لك، لقد شغلنا الحزن لك عن الحزن عليك، لأنا لا ندري ما قلت وما قيل لك. اللهم، إني قد وهبت له ما قصر فيه مما افترضته عليه من حقي، فهب لي ما قصر فيه من حقك، واجعل ثوابي عليه له، وزدني من فضلك فإني إليك من الراغبين؟ فسئل عنه فقيل: كيف كان معك؟ فقال: ما مشيت معه بليل قط إلا كان أمامي، ولا بنهار قط إلا كان خلفي، وما علا سطحاً قط وأنا تحته.

قال أبو الحسن: أخبرني بعض قريش، يرفع الحديث إلى ابن عباس قال:

هلك رجل من أهل المدينة فشهد جنازته عبد الله بن العباس ﵄ فلما دفن الرجل قال بعض من شهده: ليت شعري إلى ماذا صار صاحبنا؟ فسمعه ابن عباس فقال: أما تدري؟ قال: لا والله، قال: لكني والله، أدري، قال الله جل ثناؤه: فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم. وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم، وليس صاحبنا من المكذبين الضالين. فإن أخطأه أن يكون من المقربين فلن يخطئه أن يكون من أصحاب اليمين. قال: ففرح جميع القوم بما سمعوا.

وقال عن عوانة: لما بلغ خالد بن الوليد موت أبي بكر ﵁ قال:

الحمد لله الذي أمات أحب خلقه إلي، واستخلف أبغض الأمة إلي. وقد استخلف عليكم أمين أمتكم، يعني أبا عبيدة بن الجراح.

وقال الأصمعي: قام خالد بن الوليد على رأس أبي عبيدة، فستره بردائه من الشمس، فقيل له: ما أردت إلى هذا؟ قال: أردت إعزاز الإسلام.

وقال أبو الحسن عن محمد بن الفضل عن أبي حازم قال: مات عقبة بن عياض بن غنم الفهري فعزى رجل أباه فقال: لا تجزع عليه، فقد قتل شهيداً وكان من سادة الجيش فقال: وكيف لا أصبر وقد كان في حياته زينة الحياة الدنيا، وهو اليوم من الباقيات الصالحات.

وأخبر عن عامر بن الأسود قال: استشهد لمولىً لبني نوفل بنون، فعزاه رجل فقال: آجرك الله في الباقين، ومتعك بالفانين. فقال له رجل لعلك غلطت.

فقال: لا، إن الله يقول: ما عندكم ينفد وما عند الله باق.

وأخبر عن عمر بن مجاشع قال: قال نافع، مولى عمر بن الخطاب: سمع رسول الله ﷺ رجلاً يقول: نسأل الله تمام النعمة. فقال: أتدري ما تمام النعمة؟. إن تمام النعمة النجاة من النار.

وسمع ﷺ رجلاً يقول: اللهم، ارزقني صبراً. فقال: يا عبد الله، سألت بلاءً، فاسأله الله العافية.

وعن عمر بن مجاشع قال: قال رجل لابن عمر وعزاه: أعظم الله أجرك. فقال ابن عمر: نسأل الله العافية.

قال: وهذا حديث نمليه وقد مضى في صدر الكتاب ناقصاً فأتممناه في هذا الموضع ليتوفر ويتصل به ما بعده: تحدث المدائني عن يعقوب بن داود عن بعض أشياخه أن عبيد الله ابن العباس بن

عبد المطلب كان عاملاً لعلي بن أبي طالب عليه ﵁ السلام على اليمن، فخرج إلى علي، واستخلف على صنعاء عمرو بن أراكة الثقفي. فوجه معاوية بسر بن أرطاة، أحد بني عامر بن لؤي، فقتل عمرو ابن أراكة فيمن قتل. فجزع عليه أخوه عبد الله. فقال أبوه:

لعمري لئن أتبعت عينيك ما مضىبه الدّهر أو ساق الحمام إلى القبر
لتستنفدن ماء الشّؤون بأسرهولو كنت تمريهنّ من ثبج البحر
لعمري لقد أردى ابن أرطاة فارساًبصنعاء كاللّيث الهزبر أبي الأجر
فقلت لعبد الله إذ حنّ باكياًتعزّ، وماء العين منحدرٌ يجري

وأنشدني التوزي عن أبي زيد: إذ خن باكياً

تبيّن فإن كان البكا ردّ هالكاًعلى أحدٍ، فاجهد بكاك على عمرو
ولا تبك ميتاً بعد ميتٍ أجنّهعلي وعبّاسٌ وآل أبي بكر
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «تأمل فإن كان البكا رد هالكا»

قال أبو العباس: وكان بسر قد قتل خلقاً باليمن. يقول بعضهم: حتى أخاض الخيل في الدماء. وكان في من قتل طفلان لعبيد الله بن العباس أخذهما من الكتاب. فروي أنه قتلهما وهما يقولان: يا عم لا نعود؟ وأما الرواية الفاشية التي كأنها إجماع، فإنه أخذهما من تحت ذيل أمهما وهي امرأة من بني الحارث بن كعب، ففي ذلك تقول لما خرج بهما من عندها:

ألا من بيّن الأخوين أمّهما هي الثّكلى
تسائل من رأى ابنيهاوتستبغي فما تبغى

وقالت أيضاً:

يا من أحسّ بنيّيّ اللّذين هماكالدّرّتين تشظّى عنهما الصّدف
يا من أحسّ بنيّيّ اللّذين هماقلبي وطرفي فقلبي اليوم مختطف
يا من أحسّ بنيّيّ اللّذين همامخّ العظام، فمخّي اليوم مزدهف
نبّئت بسراً وما صدّقت ما ذكروامن قولهم ومن الإفك الّذي اقترفوا
للشاعر أم حكيم بنت قارظ، اقرأ القصيدة
أنحى على ودجي شبليّ مرهفةًبغياً، كذا وعظيم البغي يقترف

قال أبو الحسن: مات الحسن بن الحصين، أبو عبيد الله بن الحسن وعبيد الله يومئذ قاضي البصرة وأميرها فتذاكروا ما يتبين به جزع الرجل من صبره، فأجمعوا على أنه إذا ترك شيئاً كان يصنعه فقد جزع، فأتاه صالح المري فعزاه فقال له: يا هذا، إن كانت مصيبتك أحدثت لك عظة في نفسك فنعم المصيبة مصيبتك. وإن كانت لم تحدث لك عظة في نفسك فمصيبتك في نفسك أعظم من مصيبتك بأبيك وأخبر عن عامر بن حصين والمثني بن عبد الله قالا: مات أخ لمحمد ابن سيرين

فجزع عليه، فلما كان في مؤخر الدار ذكر أنه لم يسرح لحيته. فجلس ودعا بمشط، فسرح لحيته ورأسه ثم خرج.

وقال الأصمعي: كان ابن سيرين يترجل غباً، فجاءه نعي أخيه في يوم ترجله فترجل.

وأخبر أبو الحسن عن عبد الله بن مرة عن بعض أشياخه أن عمر بن الخطاب ﵁ قال للخنساء: ما أقرح مآقي عينيك؟ قالت: بكائي على السادات من مضر؟؟! قال: يا خنساء، إنهم في النار. قالت: ذاك أطول لعويلي عليهم.

وقال عن أبي محمود: قالت الخنساء: كنت أبكي لصخر على الحياة فأنا اليوم أبكي له من النار.

وأخبر عن محمد بن عبد الحميد قال: نعى رجل لرجل ابنه فقال: قد نعي إلي قبل ذلك، قال:

ومن أعلمك بموته، وما نعاه غيري ممن يعرفك؟ قال: نعاه الله حيث يقول لنبيه: إنك ميت وإنهم ميتون.

وأخبرني عن أبي المقدام، وكان كبيراً، أدرك سعيد بن المسيب قال: بلغني أن أبا مسلم الخولاني كان يقول: لأن أقدم سقطاً أحب إلي من أن أدع مئة من خولان، ولأن أقدم فرطاً أحب إلي من أن أخلف خولان كلها.

النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التعازي والمراثي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.