من «التعازي والمراثي» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
باب من التعازي والتعزي في الأشعار
قالت ليلى الأخيلية، قال أبو العباس: قرأته على الرياشي:
أقسمت أبكي بعد توبة هالكاًوأحفل من دارت عليه الدّوائر
لعمرك ما بالموت عارٌ على الفتىإذا لم تصبه في الحياة المعاير
فلا الحيّ ممّا يحدث الدّهر سالمٌولا الميت إن لم يصبر الحيّ ناشر
وكلّ شبابٍ أو جديدٍ إلى بلىًوكل امريءٍ يوماً إلى الله صائر
فلا يبعدنك الله يا توب هالكاًأخا الحرب إذ دارت عليك الدّوائر
فأقسمت لا أنفكّ أبكيك ما دعتعلى فننٍ ورقاء أو طار طائر
قتيل بني عوفٍ فيا لهفي لهوما كنت إيّاكم عليه أحاذر
قال أبو العباس: وأشعار المراثي كثيرة، وإنما نختار عيوناً من جميعها ومن الشيء آحسنه. وكذلك الكلام غير الشعر. ولم تكن ليلى الأخيلية امرأة لتوبة، ولا بينهما نسب لاصق إلا أنهما جميعاً من بني عقيل بن كعب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة. وكانت تحبه ويحبها. وروت الرواة أن خلا بها مرة فأرادها على ما يريد الرجال، فأبت واشمأزت. ففي ذل تقول:
وذي حاجةٍ قلنا له لا تبح بهافليس إليها ما حييت سبيل
لنا صاحبٌ لا ينبغي أن نخونهوأنت لأخرى صاحبٌ وخليل
فأقاما دهراً على حب عفيف، وهي السنة الجارية في العشاق الماضين من بني عذرة، وغيرهم.
وكان سبب قتل توبة أن بني عوف كانوا يطلبونه فأحسوه، وقد قدم من سفر معه عبيد الله بن الحمير، أخوه، وقابض، مولاه. وبينه وبين الحي ليلة، فأتوه طروقاً، فهرب صاحباه وأسلماه فقتل. ففي ذلك تقول ليلى:
دعا قابضاً والمرهفات تنوشهفقبّحت مدعوّاً ولبّيت داعيا
فليت عبيد الله حلّ محلّهفأودى ولم أسمع لتوبة ناعيا
وقالت:
عيني على الحزم ألا فابكي على أبن حميّربدمعٍ كفيض الجدول المتفجّر
لتبك عليه من خفاجة نسوةٌبماء شؤون العبرة المتحدّر
خفاجة بن عقيل.
سمعن بهيجا أوجفت فذكرنهوقد يبعث الأحزان طول التّذكّر
كأنّ فتى الفتيان توبة لم ينخبنجدٍ ولم يطلع مع المتغوّر
ولم يرد الماء السّدام إذا بداسنا الصّبح في أعقاب أخضر مدبر
السدام: الآبار القديمة المندفنة. وجمعها سدوم وقولها: سنا الصبح، السنا: من الضوء، مقصور كقول الله جل وعز: يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار. والسناء: من الشرف، ممدود.
وقولها: في أعقاب أخضر مدبر، تعني الليل، تريد بأخضر: أسود. وجعلته مدبراً لورود الصبح.
ولم يقدع الخصم الألدّ ويملأ الجفان سديفاً يوم نكباء صرصر
النكباء: الريح بين الريحين. والسديف: شقق السنام، والصرصر: الريح الشديدة الصوت، الباردة.
ألا ربّ مكروبٍ أجبت ونائلٍفعلت، ومعروفٍ لديك ومنكر
فيا توب للمولى، ويا توب للنّدىويا توب للمستنبح المتنوّر
فقال لها رجل: ما كان توبة كما ذكرت. وقلت فتى الفتيان وما كان كذاك. فقالت: إن كنت كاذباً فأشل الله عشرك، وأدام فقرك. كان والله شديد المرة، لين العطفة، يرضيه أقل مما يسخطه.
وقال أيضاً:
نظرت وركنٌ من أبانين دونهمفاوز حسمى أيّ نظرة ناظر
كأنّ فتى الفتيان توبة لم ينخقلائص يفحصن الحصى بالكراكر
ولم يبن أبراداً عتاقاً لفتيةٍكرامٍ ويرحل قبل فيء الهواجر
فتىً لا تخطّاه الرّفاق ولا يرىلقدرٍ عيالاً دون جارٍ مجاور
فإن تكن القتلى بواءً فإنّكمفتىً ما قتلتم آل عوف بن عامر
البواء: الأمثال. يقال: باء فلان بفلان إذا قتل به. تقول: فإن تكن القتلى يبوء بعضها ببعض، فإن توبة فوق ذلك.
وأما قوله جل وعز: إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك، إنما هو إن فعلت أن تحتمل الإثمين المتساويين: الذي رد عليك قربانك فلم يقبل من أجله، وقتلك إياي، وكان كل واحد منهما كفاء الآخر. هذا اشتقاق هذا المعنى. ومن ذلك قول مهلهل بن ربيعة حين قتل بجير بن الحارث بن عباد: بؤ بشسع كليب، فقيل للحارث بن عباد: إن ابنك بجيراً قد قتل.
قال: إنه لأعظم قتيل بركة إن أصلح الله به بين ابني وائل. قيل: إن مهلهلاً لما قتله قال: بؤ بشسع كليب. فعند ذلك دخل الحارث في حربهم ولم يكن دخلها.
رجع الشعر
وإلاّ يكن فيها بواءٌ فإنّكمستلقون يوماً سرّه غير صادر
وكنت إذا مولاك خاف ظلامةًدعاك ولم يعدل سواك بناصر
وقد كنت مرهوب الجنان وبيّناًومجدام سيرٍ دائباً غير فاتر
فنعم الفتى إن كان توبة فاجراًوفوق الفتى إن كان ليس بفاجر
أتته المنايا دون درعٍ حصينةٍوأسمر خطّيٍّ وجرداء ضامر
فبالله تبني بيتها أمٌّ عاصمٍعلى مثله أخرى اللّيالي الغوابر
وروت الرواة أنها زارت قبره، فجعلت تقول: يا توبة، يا توبة! ثم أقبلت على من معها بعد أن سلمت على القبر. فقالت: ما كذبني قبلها. فقيل: فيم ذاك، وما تبينا منه كذباً. قالت لأنه قال في بعض قوله:
ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمتعليّ ودوني تربةٌ وصفائح
لسلّمت تسليم البشاشة أو زقاإليها صدىً من داخل القبر صائح
قال: وهذا الكلام غاية المدح، لا لأنها جهلت حال الموتى ولكنها دلت على أنه لم تعرف منه كذبة قط حتى يعتد عليه بها ميتاً.
وقال سليمان بن قتة، وهو مولىً لبني تيم، وانقطاعه إلى بني هاشم يذكر يوم الحسين بن علي بن أبي طالب ﵀:
مررت على أبيات آل محمّدٍفلم أرها كعهدها يوم حلّت
فلا يبعد الله الدّيار وأهلهاوإن أصبحت من أهلها قد تخلّت
وكانوا رجاءً ثم عادوا رزيّةًفقد عظمت تلك الرّزايا وجلّت
وإنّ قتيل الطّفّ من آل هاشمٍأذلّ رقاب المسلمين فذلّت
وعند غنيٍّ قطرةٌ من دمائناسنجزيهم يوماً بها حيث حلّت
إذا افتقرت قيسٌ جبرنا فقيرهاوتقتلنا قيس إذا النّعل زلّت
قال أبو العباس: أنشدنيها الرياشي، وأنشدني ما بعدها مما أمليه إلى انقطاعه.
وقال الفرزدق يذكر ابني مسمع، وكان قد قتلهما معاوية بن يزيد ابن المهلب بعد قتل ابنه، وكانا مروانيين، وكان سائر بكر بن وائل مع يزيد بن المهلب، وكان المنتوف مولى بني قيس بن ثعلبة، على شرطة يزيد، فقتل لسبب عنده مع يزيد فبكته بكر بن وائل وهو مولىً وأعرضت عن ابني مسمع وهما صليبةً. فقال الفرزدق:
تبكّي على المنتوف بكر بن وائلٍوتنهى عن ابني مسمعٍ من بكاهما
غلامان شبّا في الحروب وأدركاكرام المساعي قبل وصل لحاهما
ولو كان حيّاً مالكٌ وابن مالكٍإذن أوقدا نارين يعلو سناهما
وقال الفرزدق أيضاً يرثي ابنين له ماتا في مدة يسيرة:
بفي الشامتين التّرب إن كان مسّنيرزيّة شبلي مخدرٍ في الضّراغم
وما أحدٌ كان المنايا وراءهوإن عاش أيّاماً طوالاً بسالم
أرى كلّ حيٍّ لا تزال طليعةًعليه المنايا من ثنايا المخارم
يذكّرني ابنّي السّماكان موهناًإذا ارتفعا فوق النّجوم العواتم
وقد رزيء الأقوام قبلي بنيهموإخوانهم فأقني حياء الكرائم
ومات أبي والمنذران كلاهماوعمرو بن كلثومٍ شهاب الأراقم
وقد كان مات الأقرعان وحاجبٌوعمروٌ أبو عمروٍ وقيس بن عاصم
وقد مات بسطام بن قيس بن خالدٍومات أبو غسّان شيخ اللهازم
وقد مات خيراهم فلم يهلكاهمعشيّة بانا، رهط كعبٍ وحاتم
فما ابناك إلاّ من بني النّاس فاصبريفلن يرجع الموتى حنين المآتم
ويقال: خنين.
وماتت امرأة له أيضاً وبها جمل، فقال:
وجفن سلاحٍ قد رزئت فلم أنحعليه ولم أبعث عليه البواكيا
وفي جوفه من دارمٍ ذو حفيظةٍلو أنّ المنايا أرجأته لياليا
وقال بعض الشعراء يعزي رجلاً عن ابنه:
اصبر لكّلّ مصيبةٍ وتجلّدواعلم بأنّ المرء غير مخلّد
وإذا ذكرت محمّداً ومصابهفاذكر مصابك بالنّبّي محمّد
وقال الحكمي وأحسن جداً:
طوى الموت ما بيني وبين محمّدٍوليس لما تطوي المنيّة ناشر
لئن أوحشت مّمن أحبّ منازلٌلقد أنست مّمن أحبّ المقابر
وكنت عليه أحذر الموت وحدهفلم يبق لي شيءٌ عليه أحاذر
وهذا يشبه قول التيمي في يزيد بن مزيد:
لقد عزّى ربيعة أنّ يوماًعليها مثل يومك لا يعود
وقال حارثة بن بدر الغداني يرثي زياداً:
صلّى الإله على قبرٍ وطهّرهعند الثّويّة يسفى فوقه المور
زفّت إليه قريشٌ نعش سيّدهافالجود والحزم فيه اليوم مقبور
أبا المغيرة والدّنيا مفجّعةٌوإنّ من غرّت الدّنيا لمغرور
قد كان عندك للمعروف معرفةٌوكان عندك للنّكراء تنكير
وكنت تغشى وتعطي المال من سعةٍإن كان بابك أضحى وهو مهجور
فالنّاس بعدك قد خفّت حلومهمكأنّما نفخت فيها الأعاصير
وقال خليد عينين يرثي المنذر بن الجارود العبدي وكانت بحرية ابنة المنذر تحت عبيد الله بن زياد، ومات المنذر بالسند في موضع يقال له قصدار:
بحريّ، قومي فاندبي منذراًوابكي ابن بشرٍ سيّد الوافدين
وأبكي أبا الأشعث لمّا ثوىبالهند لم يقفل مع القافلين
جاور قصدار وأكنافهاتسفي عليه الرّيح مور الدّرين
في جدثٍ عافٍ، بمهجورةٍناءٍ عن الزّوّار والعائدين
فأصبح المجد بها ثاوياًبين صفاً صمٍّ وصخرٍ رزين
لله قصدارٌ وأكنافهاأيّ فتى دنيا أجنّت ودين
قد علمت نفسي فما أمترىحقّاً سوى الظّنّ وقول اليقين
ما الحيّ والميّت فيما ترىمن حدث الدّهر وريب المنون
إلاّ كغادٍ راح أصحابهأو رائحٍ في أثر المغتدين
مات بها الجود وأودى النّدىوانقطع الخير عن السّائلين
وقال جرير يرثي عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه:
نعى النّعاة أمير المؤمنين لنايا خير من حجّ بيت الله واعتمرا
حمّلت أمراً عظيماً فاصطبرت لهوقمت فيهم بأمر الله يا عمرا
فالشّمس طالعةٌ ليست بكاسفةٍتبكي عليك نجوم اللّيل والقمرا
وقال بكير بن معدان اليربوعي يرثي يحيى بن مبشر، وكان قتل بمسكن مع مصعب بن الزبير:
صلّى على يحيى وأشياعهربٌّ غفورٌ وشفيعٌ مطاع
لمّا عصى المصعب أصحابهأدّى إليه الكيل صاعاً بصاع
أمّ عبيد الله محزونةٌما نومها بعدك إلا الرّواع
يا فارساً، ما أنت من فارسٍموطّأٍ البيت رحيب الذّراع
قوّال معروفٍ وفعّالهعقّار مثنى أمّهات الرّباع
لا تخرج الأضياف من بيتهإلاّ وهم منه رواءٌ شباع
من يك لا ساء فقد ساءنيترك أبينيك إلى غير راع
وحدثنا بعض جلساء القحذمي، وذكر امرأة من الأعراب، فقال: كان لها أربعة بنين، وكان يمر بها إخوة أربعة غادون لشأنهم، وكانت تأنس بهم لمشاكلتهم بنيها في العدد والأسنان، ثم أصيب بنوها جميعاً إما بطاعون أو ما يشبهه فاجتنبها الإخوة الأربعة إبقاءً
عليها من الحزن إذا رأتهم، ثم عزموا عزمةً على المرور بها مرحاً وبغياً. فلما رأتهم ذرفت عيناها وتمثلت:
لن يلبث القرناء أن يتفرّقواليلٌ يكرّ عليهم ونهار
فاعتل أحدهم فمات، فغبر الثلاثة لا يقربونها، ثم فعلوا فلما رأتهم تمثلت:
كلّ بني أمٍّ وإن أكثرتيوماً يصيرون إلى واحد
فلم يلبث واحد منهم أن مات. وغبر الاثنان لا يقربانها، ثم اجتازا بها على نحو ما فعلوا من المرح والدالة، فلما رأتهما قالت:
وكلّ أخٍ مفارقه أخوهلعمر أبيك إلاّ الفرقدان
فمات أحدهما فاجتنبها الباقي دهراً. ثم مر بها فتمثلت:
والواحد الفرد كمن قد مضىليس بمتروكٍ ولا خالد
فقال: أقيليني جعلني الله فداك، فإني والله غير عائد.
قال أبو العباس: وهذان بيتان قديمان لا يعرف قائلهما. ويروى أن أبا بكر الصديق ﵀ كان ينشدهما، فبعض الناس يقول: هما له:
تنفكّ تسمع ما حييت بهالكٍ حتّى تكونه
والمرء قد يرجو الرّجاء مغيّباً والموت دونه
وقال وضاح اليمن:
يا موت ما إن تزال معترضاًلآملٍ دون منتهى الأمل
لو كان من فرّ منك منفلتاًإذن لأوشكت رحلة الجمل
وقال معن بن أوس المزني:
ألم تعلمي عمراً وسفيان بعدهوضمرة أمسى فاتني ومسافع
أولئك لا أنتنّ كانوا فوارسيبهم كنت أستخشي العدا وأدافع
فأصبحت أرقي الشّامتين رقاهمليربو طفلٌ أو ليجبر ظالع
وصانعت في أشياء لو أنّهم معيلباعدت حتّى تستقيد التّوابع
قال: وحدثني الرياشي في إسناد قال: أنشد عروة بن الزبير قوله بهم كنت أستخشي العدا وأدافع، فقال عروة: فهلاً قال: فبالله، أستخشي العدا وأدافع ولا ينكسر عليه شعره قال الرياشي: وأنشد عبد الله بن عمر قول حسان بن ثابت:
يأبى لي السّيف واللّسان وقومٌ لم يضاموا كلبدة الأسد
فقال: هلا قال: يأبى لي الله. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقال محمد بن حرب الهلالي: أتى حيان بن سلمى العامري قبر عامر بن الطفيل ولم يكن شهده فقال: أنعم صباحاً أبا علي، والله لقد كنت سريعاً إلى المولى بوعدك، بطيئاً عنه بإيعادك، ولقد كنت أهدى من من النجم، وأجرأ من السيل. ثم التفت إليهم فقال: كان ينبغي أن يصيروا قبر أبي علي ميلاً في ميل.
وقال محمد بن علي المنسوب إلى أمه الحنفية: أيها الناس، إنكم في هذه الدار أغراض تنتضل فيكم المنايا، لن يستقبل أحد منكم يوماً جديداً من عمره إلا بآخر من أجله، فأية أكلة ليس معها غصص، أم أية شربة ليس معها شرق؟ فاستصلحوا ما تقدمون عليه بما تظعنون عنه، فإن اليوم غنيمة، وغداً لا يدرى لمن هو. أهل الدنيا أهل سفر، يحلون عقد رحالهم في غيرها. قد خلت من قبلنا أصول نحن فروعها. فما بقاء الفرع بعد أصله؟ أين الذين كانوا أطول منا أعماراً وأبعد منا آمالاً؟ أتاك يا بن آدم ما لا ترده، وذهب عنك ما لا يعود إليك. فلا تعدن عيشاً منصرفاً عيشاً مالك منه إلا لذة تزدلف بك إلى حمامك، وتقربك من أجلك، فكأنك قد صرت الحبيب المفقود والسواد المخترم. فعليك بذات نفسك، ودع ما سواها، واستغن بالله يغنك.
ومما يستحسن من قول متمم بن نويرة الدال على صحة عقله وتمكن الحزن من قلبه، وقلة نسيانه أخاه، أنه كان لا يمر بقبر، ولا يذكر الموت بحضرته إلا قال: يا مالك ثم فاضت عبرته، ففي ذلك يقول:
وقالوا أتبكي كلّ قبرٍ رأيتهلقبرٍ ثوى بين اللّوى والدّكادك
فقلت لهم إنّ الأسى يبعث البكاذروني فهذا كلّه قبر مالك
ومن هذه المختصرات قول هشام بن عقبة، أخي ذي الرمة، وكان له إخوة جماعة فمات أكبرهم، وكان يقال له: أوفى ثم مات ذو الرمة، وكان يقال له: غيلان فقال هشام:
تسلّيت عن أوفى بغيلان بعدهعزاءً وجفن العين بالماء مترع
ولم تنسني أوفى المصيبات بعدهولكنّ نكء القرح بالقرح أوجع
فاختصر هذا اختصاراً يوفر على كل واحد منهما نصيبه من الحزن.
ويروى من غير وجه أن حسان بن ثابت دخل على النابغة الذبياني فتلقته الخنساء خارجةً من عنده، فأنشده قصيدته التي يقول فيها:
أولاد جفنة حول قبر أبيهمقبر ابن مارية الكريم المفضل
يغشون حتّى ما تهرّ كلابهملا يسألون عن السّواد المقبل
فقال: إنك لشاعر وإن أخت بني سليم لبكاءة.
قال أبو العباس: فمما قدمناه من شعرها واستحسناه من تخلصها قولها:
أعينيّ جودا ولا تجمداألا تبكيان لصخر النّدى؟
ألا تبكيان الجريء الجميلألا تبكيان الفتى السّيّدا؟
فجعلته ساد حدثاً ووكدت ذلك وزادت فيه وأوضحته بأن قالت:
طويل العماد عظيم الرّماد ساد عشيرته أمردا
إذا القوم مدّوا يأيديهمإلى المجد مدّ إليه يدا
فنال الّذي فوق أيديهممن المجد ثمّ نما مصعدا
يكلّفه القوم ما عالهموإن كان أصغرهم مولدا
ترى المجد يهوي إلى بيتهيرى أفضل الزّاد أن يحمدا
فقرنت له المجد بالحمد.
ويقال:
بل صح أنه كان من دعاء سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج: اللهم ارزقني مجداً وحمداً فإنه لا مجد إلا بمال، ولا حمد إلا بفعال.
وكان سبب ميتة أخيها صخر أنه شهد حرباً فأبلى فيها وتقدم، فحمل عليه رجل من القوم فطعنه في خاصرته، فتحامل في الجراحة فجوي منها ولم يفصد فخرج منها كمثل اليد، وأضنته حولاً أو حولين لا ينبعث، فسمع من يسأل امرأته عن علته، وأين بلغت منه، فقالت امرأته قولاً يدل على البرم به، والملل لصحبته: لا حي يرجي، ولا ميت فيحتسب.
والتفت إلى أمه فإذا دموعها تجري فقال:
أرى أمّ صخر ما تجفّ دموعهاوملّت سليمى مضجعي ومكاني
وما كنت أخشى أن أكون جنازةًعليك، ومن يغترّ بالحدثان
فأيّ أمريءٍ ساوى بأمٍّ حليلةًفلا عاش إلاّ في شقاً وهوان
لعمري لقد نبّهت من كان نائماًوأسمعت من كانت له أذنان
أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعهوقد حيل بين العير والنّزوان
فلما رأى ذلك برم بتلك الخراجة من جنبه، فأشاروا بقطعها ففعل، فلما قطعها يئس من نفسه، ففي ذلك يقول:
أجارتنا إنّ المنون قريبمن النّاس كلّ المخطئين تصيب
كأنّي وقد أدنوا إليّ شفارهممن البزل أحوى الصّفحتين نكيب
أجارتنا لا تسأليني فإننيمقيمٌ لعمري ما أقام عسيب
قال أبو عبيدة: وعسيب: جبل معروف، فقبره هناك معروف المكان.
قوله من البزل:
يعني: كأني بعير قرم من الإبل قد كوي لداء به، فيقول: أحللت ذاك المحل لقطع ذلك اللحم وكيه، وجعله أحوى الصفحتين، وهما الجنبان، لتتابع الهناء عليه ضناً به والنكيب والأنكب واحد، وهو الحامل، وذلك مما يوصف به الفحل أنه يحمل نشاطاً وتكبراً.
وكانت الخنساء تقول الأبيات اليسيرة، فلما أصيبت بأخيها صخر جدت وأجادت، وجمعت نفسها وشهرت. فمما يستحسن من شعرها قولها في قصيدة أولها:
يا عين جودي بدمعٍ منك تغزاروأبكي لصخرٍ بدمعٍ منك مدرار
وقولها
إنّي أرقت فبتّ اللّيل ساهرةًكأنّما كحلت عيني بعوّار
والعوار والعائر سواء، وهو المستأخذ، أشد الرمد وأغلبه، كما قال القائل:
بأعينٍ لم يصبها عائر الرّمد
وكما قال الراعي:
غضّاً كما نظر المستأخذ الرّمد
أرعى النّجوم وما كلّفت رعيتهاوتارةً أتغشّى فضل أطمار
إنّي سمعت فلم أبهج به خبراًمخبّراً جاء ينثو جمع أخبار
قالوا: ابن أمّك أمسى في الضّريح وقدشدّوا عليه بأعوادٍ وأحجار
اذهب فلا يبعدنك الله من رجلٍترّاك ضيمٍ وطلاّبٍ بأوتار
قد كنت تحمل قلباً غير مؤتشبٍمركّباً في نصابٍ غير خوّار
الخوار: الضعيف.
وحدثني رجل من بني هاشم عن سعيد بن سلم الباهلي. قال: كنت مع أمير المؤمنين هارون الرشيد في سفر، فسأل عما حمل معه من الثلج، فاستقل ما ذكر له فاغتاظ واحتد، فتركته حتى سكن غربه ثم قلت: يا أمير المؤمنين، إني أقول كلاماً والله ما أريد به ملقاً ولا تنبيهاً على نفسي لأني فطنت إلى ما لم يفطن إليه من سواي، وما أقوله إلا بالنصيحة المحضة. فقال: هات. فقلت: يا أمير المؤمنين، إنك قسمت الدهر شطرين، شطراً للحج، وشطراً للغزو؛ والمسافر يرد على ضروب من المياه، وسفرك أكثر من حضرك، فلو أن أمير المؤمنين عود نفسه الخشونة شيئاً فمتى احتاج إليها لم تنكرها النفس لتلك العادة. قال: فأطرق ثم قال: يا سعيد، بنصح قلت: ولكنا نلبس العافية ما لبستنا، فإن اضطررنا رجعنا إلى أصل غير خوار.
رجع الشعر
مثل السّنان كضوء البدر صورتهجلد المريرة حرٌّ وابن أحرار
فسوف أبكيك ما ناحت مطوّقةٌوما أضاءت نجوم اللّيل للسّاري
ولن أسالم قوماً كنت حربهمحتّى تعود بياضاً حلكة القار
أبلغ خفافاً وعوفاً غير تقصرةٍعميد قومٍ نداءً غير أسرار
والحرب قد سعرت حرباً مذكّرةًشهباء تفري بأنيابٍ وأظفار
شدّوا المآزر حتّى تستقيد لكموشمّروا إنّها أيّام تشمار
وابكوا فتى الحيّ لاقته منيّتهوكلّ نفسٍ إلى وقتٍ ومقدار
كأنّهم يوم راموه بجمعهمراموا الشّكيمة من ذي لبدةٍ ضار
والشكيمة: شدة النفس وصحة العزيمة. والشكيمة. الحديدة المعترضة في اللجام.
حتّى تفرّجت الآلاف عن رجلٍمجدّلٍ خرّ كرهاً غير مختار
تجيش منه فويق الثّدي مزبدةٌبعاندٍ من نجيع الجوف ثوّار
لو منكم كان فينا لم ينل أبداًحتّى تلاقوا أموراً ذات آثار
أعني الّذين إليهم كان منزلههل تعرفون ذمام الضّيف والجار؟
تعاقب خفاف بن ندبة وعوفاً لأنهما هرباً عنه وهما من المعدودين من الفرسان. وكان خفاف من فرسان العرب وأدرك الإسلام فأسلم.
لا صلح حتّى تكرّوا الخيل عابسةًتعدو وترمي بمهراتٍ وأمهار
فتغسلوا عنكم عاراً تجلّلكمغسل الجواري حيضاً عند أطهار
قال: هذا مثل وقالت أيضاً ترثي صخراً:
ألا ما لعينك أم مالهالقد أخضل الدّمع سربالها
فأقسمت آسى على هالكٍوأسأل نائحةً ما لها
أبعد ابن عمرو بن آل الشريد حلّت به الأرض أثقالها
معنى حلت به الأرض أثقالها: من الحلية: أي زينت به أثقالها، تعني الموتى. قال الله ﷿: وأخرجت الأرض أثقالها قالوا: يعني الموتى.
لعمر أبيه لنعم الفتىتحشّ به الحرب أجذالها
أي توقد به الحرب أجذالها. والجذل: أصل الشجرة. فضربته مثلاً لشدة الاتقاد، وأنه صاحب ذلك.
حديد السّنان ذليق اللّسانيجاري المقاريض أمثالها
وخيلٍ تكدّس مشي الوعول نازلت بالسيف أبطالها
بمعتركٍ بينهم ضيّقٍمجرّ المنيّة أذيالها
تقابلها فإذا أدبرتبللت من الطّعن أكفالها
الأكفال: واحدها كفل وهو الردف من الرجل والمرأة.
تهين النّفوس وهون النّفوسغداة الكريهة أوفى لها
يروى عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: رب منية سببها طلب الحياة، وحياة سببها التعرض للموت.
ورجراجةٍ فوقها بيضهاعليها المضاعف زفنا لها
تعني بقولها: زفنا لها أي جئنا نمشي إليها هوناً.
ككرفئة الغيث ذات الصّبيرترمي السّحاب ويرمى لها
الكرفئة واحدة الكرافيء وهو تكاثف الغيم واسوداده.
قال: وحدثنا المازني بإسناد آخره رؤبة بن العجاج قال: خرجت مع أبي، نريد الوليد بن عبد الملك، فأهدي لنا جنب من لحم عليه كرافيء الشحم ووطب من لبن، فطبخنا هذا بهذا، فما زالت ذفرياي تنتحان منه حتى رجعنا. وإنما شبهه لكثرة الشحم وركوب بعضه على بعض بكرفئة الغيم.
وداهيةٍ جرّها جارمٌتبيل الخواصر أحبالها
كفيت ابن عمروٍ لم تستعنولو كان غيرك أدنى لها
وعيرانةٍ كأتان الثّميل غادرت بالخلّ أوصالها
قولها: وعيرانة تعني: ناقةً تشبه بالحمار الوحشي. وأتان الثميل: صخرة تكون في الحوض معروفة. والثميل: بقية الماء. فتقول هي صلبة كصلابة هذه الصخرة. والخل: الطريق في الرمل. فتقول: غادرتها هناك لشدة السير.
إلى ملكٍ لا إلى سوقةٍوذلك ما كان إكلالها
ومحصنةٍ من بنات الملوك قعقعت بالرّمح خلخالها
وقافيةٍ مثل حدّ السّنان تبقى ويهلك من قالها
نطقت ابن عمروٍ فسهّلتهاولم ينطق النّاس أمثالها
فإن تك مرّة أودت بهفقد كان يكثر تقتالها
فزال الكواكب من فقدهوجلّلت الشّمس أجلالها
هممت بنفسي كلّ الهمومفأولى لنفسي أولى لها
لأحمل نفسي على آلةٍفإمّا عليها وإمّا لها
ومما يؤثر ويقتفى من قولها:
أقذىً بعينك أم بالعين عوّارأم أوحشت أن خلت من أهلها الدّار
وينشد بعضهم: قذىً بعينك، وهو أقوم للبيت، وزيادة الألف في قولها: أقذىً؟ أبلغ. ولا ضرورة فيه ولكنه مخزوم.
تبكي لصخرٍ هي العبرى وقد ثكلتودونه من جديد التّرب أستار
لا بدّ من ميتةٍ في صرفها غيرٌوالدّهر في صرفه حولٌ وأطوار
يا صخر ورّاد ماءٍ قد تناذرهأهل المياه فما في ورده عار
وهذا بيت يسأل عنه كيف تناذره أهل المياه ولا عار فيه. فالمعنى أنها تعني الموت.
مشي السّبنتى إلى هيجاء معضلةٍله سلاحان: أنيابٌ وأظفار
يقال لكل جريء الصدر: سبندى وسبنتى بالتاء والدال، والأغلب عليه النمر.
عبل الذّراعين قد تخشى بوادرهعند الوقيعة للأقران هصّار
فما عجولٌ على بوٍّ تطيف بهلها حنينان: إعلانٌ وإسرار
ترتع ما غفلت حتّى إذا ادّكرتفإنّما هي إقبالٌ وإدبار
يوماً بأوجد منّي حين فارقنيصخرٌ وللدّهر إحلاءٌ وإمرار
وإنّ صخراً لوالينا وسيّدناوإنّ صخراً إذا نشتو لنحّار
وإنّ صخراً لتأتمّ الهداة بهكأنّه علمٌ في رأسه نار
العلم ها هنا: الجبل، وكذلك قال المفسرون في قول الله جل وعز: وله الجواري المنشآت في البحر كالأعلام. ومنه قول جرير:
إذا قطعن علماً بدا علم
طلق اليدين بفعل الخير ذو فخرٍضخم الدّسيعة في الّلأواء صبّار
مثل الرّدينيّ لم تنفد شبيبتهكأنّ تحت طيّ اليرد أسوار
ليبكه مقترٌ أفنى حلوبتهدهرٌ وحالفه بؤسٌ وإقتار
ورفقةٌ حار هاديهم بمهلكةٍكأنّ ظلمتها في الطّخية القار
لم تره جارةٌ يمشي بساحتهالريبةٍ حين يخلي بيته الجار
فقولها: كأنه علم في رأسه نار أحد ما قدمت به.
فقال عمر بن الخطاب ﵁: أما رضيت أن تجعليه علماً حتى جعلت في رأسه ناراً. ذاك رسول ﷺ، يريد: البيان والدلالة.
وقال عمر في قول الخطيئة:
متى تأته تعشو إلى ضوء نارهتجد خير نارٍ عندها خير موقد
كذب الخطيئة. تلك نار موسى ﷺ. وهذا من نوادر الشعر.
وقالت أيضاً:
كأنّ العين خالطها قذاهابعوّارٍ فما تقضي كراها
على صخرٍ وأيّ فتىً كصخرٍإذا ما النّاب لم ترأم طلاها
قولها إذا ما الناب لم ترأم طلاها: الطلا: الصغير من أولاد الوحش والنعم، ويقال ذلك في الآدميين، وإنما تريد زمن الصر والبرد.
حلفت بربّ صهبٍ معملاتٍإلى البيت المحرّم منتهاها
لئن جزعت بنو عمروٍ عليهلقد رزئت بنو عمروٍ فتاها
فتى الفتيان ما يعلى مداهولا يكدي إذا بلغت كداها
يقال: أكدى، إذا أقل، وأصل ذلك في البئر تحفر، فإذا بلغ منها إلى حجر أو كدن استصعب على الحافر. وقيل: قد بلغت كديتها وجمعها كدى فلا يخرج من التراب إلا اليسير، فلذلك قيل للذي يعطي قليلاً: أكدى. قال الله جل وعز: وأعطى قليلاً وأكدى. فقالت: إذا بلغ الجهد من الناس لم يكن عطاؤه قليلاً ولا نزراً.
له كفٌّ يشيد بها وكفٌّتحلّب ما يجفّ ثرى نداها
فمن للضّيف إن هبّت شمالٌمزعزعةٌ يجاوبها صباها
وألجأ بردها الأشوال حدباًإلى الحجرات بارزةً كلاها
يقول: لا شحم عليها.
هنالك لو نزلت بآل صخرٍقرى الأضياف شحماً من ذراها
هذا على مخاطبتين. قالت: هنالك لو نزلت للذي تخاطبه ثم خبرته فقالت: قرى الأضياف فتأويل هذا على ضربين، أحدهما على حذف المفعول كأنها قالت: لو نزلت به لرأيته يقري الأضياف، ويكون على أنها جعلته وغيره على مخاطبتين، تتحول من إحداهما إلى الأخرى كقول الله ﷿: حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة، وكقول عنترة:
شطّت مزار العاشقين فأصبحتعسراً عليّ طلابك ابنة مخرم
ومثل هذا كثير جداً.
أمطعمكم وحاملكم تركتملدى غبراء منهدمٍ رجاها
ترى الشّمط الجحاجح من سليمٍتبلّ ذرى مدامعها لحاها
ليبك الخير صخراً من معدٍّذوو أحلامها وذوو نهاها
وخيلٍ قد لفقت بجمع خيلٍفدارت بين كبشيها رحاها
محافظةً ومحميةً إذا مانبا بالقوم من جزعٍ لظاها
وقالت:
ألا يا عين فانهملي بغزروفيضي عبرةً من غير نزر
ولا تعزي عزاءً بعد صخرفقد غلب العزاء وعيل صبري
لمرزئةٍ كأنّ الجوف منهابعيد النّوم يسعر حرّ جمر
على صخرٍ وأيّ فتىً كصخرلعانٍ عائلٍ علقٍ بوتر
وللأضياف إن طرقوا هدوّاًوللكلّ المبرّ وكلّ سفر
إذا نزلت بهم سنةٌ جمادٌأتى بالدّرّ لم يكسع بغبر
كان من شأنهم، إذا أجدبت السنة أو خافوا الجدب، أن تنضح الضروع بالماء البارد ليبقى اللبن فيها ادخاراً واستعداداً وبخلاً من بعضهم. فلذلك يقول الحارث ابن حلزة:
لا تكسع الشّول بأغبارهاإنّك لا تدري من النّاتج
الغبر: بقية اللبن، وغابر كل شيء: باقيه. ويقول: لا تبخل فتحبس لبنك، فإنك لا تدري لمن يكون ذلك اللبن، ألك أم لوارثك أم لمغير عليك.
واصبب لأضيافك ألبانهافإنّ شرّ اللّبن الوالج
وكل مردود مكسوع.
هنالك كان غيث حياً وعزّاًلمن أرسى إليه غير وعر
وأحيا من مخبّأةٍ كعابٍوأشجع من أبي شبلٍ هزبر
هريت الشّدق رئبالٍ إذا ماغدا لم تنه غدوته بزجر
تدين الخادرات له إذا ماسمعن زئيره في كلّ فجر
غياثٌ إن تأوّبه غريبٌلعسرٍ في الحوادث أو ليسر
إذا ما الوفد حلّ إلى ذراهتلقّاهم بوجهٍ غير بسر
تفرّج بالنّدى الأبواب عنهولا يكتنّ دونهم بستر
دهتني الحادثات به فأضحتعليّ همومه تغدو وتسري
وقالت أيضاً:
يا عين مالك لا تذرين تسكاباإذ راب دهرٌ وكان الدّهر ريّابا
فابكي أخاك لأيتامٍ وأرملةٍوابكي أخاك إذا جاورت أجنابا
وابكي أخاك لخيلٍ كالقطا قطفٍفقدن لمّا ثوى سبياً وإنهابا
يعدو به سابحٌ نهدٌ مراكلهمجلببٌ من سواد اللّيل جلبابا
حتّى يصبّح قوماً في ديارهمفيسلبوا دون صفّ الموت أسلابا
هو الفتى الكامل الحامي حقيقتهمأوى الغريب إذا ما جاء منتابا
يهدي الرّعيل إذا جار السّبيل بهمنهد التّليل لزرق السّمر ركّابا
المجد خلّته والجود علّتهوالصّدق حوزته إن قرنه هابا
ركّاب مفظعةٍ، حمّال مضلعةٍإن خاف معضلةً سنّى لها بابا
شهّاد أنديةٍ، هبّاط أوديةٍحمّال ألويةٍ للوتر طلاّبا
سمّ العداة وفكّاك العناة إذاكان الوغى لم يكن للموت هيّابا
قال أبو العباس: والجود علته أي أن الناس إذا سئلوا اعتلوا في الجود بالعلل، فجعلته هو علته الجود، كما قال الله جل وعز: النار وعدها الله الذين كفروا معناه: الوعد النار.
وقالت أيضاً ترثي أخاها معاوية بن عمرو:
هريقي من دموعك واستفيقيوصبراً إن أطقت ولن تطيقي
وقولي إنّ خير بني سليمٍوفارسهم بصحراء العقيق
ألا هل ترجعنّ لنا اللّياليوأيّامٌ لنا بلوى الشّقيق
وإذ فينا معاوية بن عمروٍعلى أدماء كالجمل الفنيق
فبكّيه فقد ولّى حميداًأصيل الرّأي محمود الصّديق
فلا والله لا تسلاك نفسيلفاحشةٍ أتيت ولا عقوق
ولكنّي رأيت الصّبر خيراًمن النّعلين والرّأس الحليق
وكانوا في الجاهلية إذا بالغوا في الجزع حلق النساء رؤوسهن، ولطمن خدودهن بالنعال.
وقال عبد مناف بن ربيع الهذلي يذكر أختيه:
إذا تأوّب نوحٌ قامتا معهضرباً أليماً بسبت يلعج الجلدا
ألا يا لهف نفسي بعد عيشٍتولّى بعده عيشٌ أنيق
وإذ يتحاكم الحكّام فيناإلى أبياتنا وذوو الحقوق
وإذ فينا فوارس كلّ هيجٍإذا فزعوا وفتيان الخروق
الخروق جمع خرق، وهو المتسع من الأرض، وذلك قول رؤبة ابن العجاج:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق
أي المتسع. وقال بعض المفسرين في قول الله جل وعز: إنك لن تخرق الأرض قال: تبلغ قطريها. والقول الفاشي إنما هو تنقبها بأجمعها إلى حيث بلغت.
إذا ما الحرب صلصل ناجذاهاوفاجأها الكماة لدى المضيق
وكان من خبر مقتل معاوية بن عمرو، وكان أخا خنساء لأبيها وأمها، وكان صخراً أخاها لأبيها وكانت بصخر أمس لفضله على معاوية، ولم يكن معاوية متخلفاً بل كان لاحقاً في السؤدد بأخيه، أو دويبه شيئاً. قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: حدثني أبو بلال وربما قال: أبو بلال سهم بن أبي بن العباس بن مرداس قال: غزا معاوية بن عمرو بن الشريد، أخو خنساء، مرة وفزارة، ومعه خفاف بن ندبة فاعتوره هاشم ودريد المريان، ابنا حرملة، فاستطرد له أحدهما ثم وقف، وشد عليه الآخر فقتله. فلما تنادوا: قتل معاوية! قال خفاف: قتلني الله إن رمت حتى أثأر به فشد على مالك بن حمار، سيد بني شمخ بن فزارة فقتله وقال:
فإن تك خيلي قد أصيب صميمهافعمداً على عيني تيمّمت مالكا
وقفت له علوى وقد خام صحبتيلأبني مجداً أو لأثأر هالكا
علوى: اسم فرسه.
أقول له والرّمح يأطر متنهتأمّل خفافاً إنّني أنا ذالكا
فلما بلغ صخراً قتل أخيه، أتى مرة في الشهر الحرام فوقف على ابني حرملة، فإذا أحدهما به طعنة في عضده، فقال: أيكما قتل معاوية؟ فسكتا، فقال الصحيح للجريح: مالك لا تجيبه؟ فقال: وقفت له فطعنني هذه الطعنة، وشد عليه أخي فقتله، فأينا قتلت فقد أدركت بثأرك، أما إنا لم نسلب أخاك.
قال: فما فعلت فرسه السماء؟ قال: ها هي تيك، ردوها عليه، فردوها. فلما أتى صخر قومه قالوا: اهجهم. قال: ما بيننا أجل من القذع، لو لم أكفف عن هجائهم إلا رغبةً بنفسي عن الخنا لكففت. وقال:
وعاذلةٍ هبّت بليلٍ تلومنيألا لا تلوميني كفى اللّوم ما بيا
تقول: ألا تهجو فوارس هاشمٍومالي إذ أهجوهم ثمّ ماليا
أبى الشتم أنّي قد أصابوا كريمتيوأن ليس إهداء الخنا من شماليا
إذا ذكر الإخوان رقرقت عبرةًوحيّيت رمساً عند ليّة ثاويا
إذا ما امرؤٌ أهدى لميتٍ تحيّةًفحيّاك ربّ النّاس عنّي معاويا
وهوّن وجدي أنّني لم أقل لهكذبت، ولم أبخل عليه بماليا
ثم زاد عليها بيتاً بعدما أوقع بهم فقال:
وذي إخوةٍ قطّعت أرحام بينهمكما تركوني واحداً لا أخا ليا
ثم غزاهم في العام المقبل فلما دنا وعلا السماء قال: إني أخاف إذا طلعت أن يعرفوا طلعة السماء، فحمم غرتها، فلما أشرف على أداني القوم قالت امرأة لابنها: هذه، والله، السماء. فنظر إليها فقال: السماء غراء، وهذه بهيم،
فلم يشعروا إلا والخيل دوائس، وقتل صخر دريداً وأصابوا في مرة، فقال:
ولقد قتلتكم ثناء وموحداًوتركت مرّة مثل أمس المدبر
ولقد دفعت إلى دريدٍ طعنةًنجلاء تزغل مثل غطّ المنخر
قوله: تزغل أي تفيض بسجال الدم. قال ابن أحمر يعني القطاة إذا مجت الماء في حوصلة فرخها:
فأزغلت في جيده زغلةًلم تخطيء الجيد ولم تشفتر
والإيزاغ مثل الإزغال.
وأما هاشم بن حرملة فإنه خرج غازياً، فلما كان في بلاد جشم بن بكر ابن هوازن، نزل فأخذ صفنته ويقال صفنه وخلا لحاجته بين الشجر ورأى غفلته قيس ابن الأسوار الجشمي فتبعه وقال: هذا قاتل معاوية، لا وألت إن وأل. فلما قعد لحاجته تستر له بين الشجر حتى إذا كان خلفه أرسل عليه معبلةً ففلق قحقحه، وهو العصعص الذي عليه عجب الذنب، فقالت الخنساء:
فدىً للفارس الجشميّ نفسيوأفديه بمن لي من حميم
فداك الحيّ حيّ بني سليمٍبظاعنهم وبالأنس المقيم
كما من هاشمٍ أقررت عينيوكانت لا تنام ولا تنيم
وكان هاشم من أشد العرب، وله يقال:
أحيا أباه هاشم بن حرملهيوم الملوك حوله مغربله
يقتل ذا الذّنب ومن لا ذنب له
فقالت الخنساء ترثيه وأخاها صخراً:
بكت عيني وعاودت السّهوداوبتّ اللّيل جانحةً عميدا
لذكرى معشرٍ ولّوا وخلّواعلينا من خلافتهم فقودا
فكم من فارسٍ لك أمّ عمروٍيحوط سنانه الأنس الحريدا
الحريد: البعيد
كصخرٍ أو معاوية بن عمروٍإذا كانت وجوه القوم سودا
يردّ الخيل داميةً كلاهاجديرٌ يوم هيجا أن يصيدا
يكبّون العشار لمن أتاهمإذا لم تصمت الأمّ الوليدا
فتابع بينهم وردٌ فأضحوامع الهلاّك قد لحقوا ثمودا
وقالت أيضاً ترثي صخراً:
ألهفي على صخرٍ لكلّ عظيمةٍإذا الخيل من طول القياد اقشعرّت
إذا الخيل شكّت في السّريح وطابقتطباق الكلاب في الهراش وصرّت
يقال: شك الفرس والبعير وغير ذلك من الظهر إذا ظلعت ظلعاً خفيفاً كما قال ذو الرمة:
... كأنّه مستبان الشّك أو جنب
وإنما هذا من الخيلاء في هذا الموضع. وطابقت أي وقعت أرجلها مكان أيديها وصرت آذانها.
وخيلٍ تنادى لا هوادة بينهامررت بها دون السّوام ومرّت
كأنّ مدلاًّ من أسود تبالةٍيكون لها حيث أستدارت وكرّت
شددت عصاب الحرب إذ هي مانعٌفألقت برجليها مريّاً ودرّت
وكان أبو حسّان صخرٌ يصدّهاويرغثها بالرّمح حتّى أقرّت
وكانت إذا ما حالبٌ يستدرّهاتقته بإيزاغٍ دماً واقمطرّت
اقمطرت: معناه اشتدت وقالت أيضاً ترثيه:
أمن حدث الأيّام عينك تهملتبكّي على صخرٍ وفي الدّهر مذهل
ألا من لعينٍ لا تجفّ دموعهاإذا قيل تفنى تستهلّ فتحفل
على ماجدٍ ضخم الدّسيعة سيّدٍله سورةٌ في قومه ما تحوّل
قال: السورة ها هنا: الدرجة من الملك والقدرة العالية، من ذلك قول النابغة:
ألم تر أنّ الله أعطاك سورةًترى كلّ ملكٍ دونها يتذبذب
ويقول الرجل: سرت، فمعناه: ارتفعت وعلوت. قال العجاج:
يا ربّ ذي سرادقٍ محجورسرت إليه من أعالي السّور
وقال الأخطل يصف خمراً خرجت حين فتح مبزلها:
لمّا أتوها بمصباحٍ ومبزلهمسارت إليه سؤور الأبجل الضّاري
فما بلغت كفّ امريءٍ متناولٍمن المجد إلاّ حيث ما نلت أطول
وما بلغ المهدون في القول مدحةًوإن كثرت إلاّ الّذي فيك أفضل
وما الغيث في جعد الثّرى دمث الرّبىتبعّق فيه الوابل المتهلّل
بأجزل سيباً من نداك ونعمةًتعمّ بها بل سيب كفّك أجزل
وجارك محفوظٌ منيعٌ بنجوةٍمن الذلّ لا يؤذى ولا يتذلّل
من القوم مغشيّ الرّواق كأنّهإذا خاف صبحاً خادرٌ متبسّل
شرنبث أطراف البنان ضبارمٌله في عرين الغاب عرسٌ وأشبل
هزبرٌ هريت الشّدق رئبال غابةٍمخوف اللّقاء كاليء العين أنجل
أخو الجود معروفٌ له الجود والنّدىحليفان ما قامت تعارٌ ويذبل
النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع