تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

مسألة: [الكلام على قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ. إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ]

/ اعلم أنّ أصحابنا قد اعتمدوا فى إبطال ما ظنّه أصحاب الرؤية فى قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ. إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة]، على وجوه معروفة، لأنهم بيّنوا أنّ النظر ليس يفيد الرؤية، ولا الرؤية من أحد محتملاته، ودلّوا

على أنّ النظر ينقسم إلى أقسام كثيرة؛ منها تقليب الحدقة الصحيحة حيال المرئىّ طلبا لرؤيته؛ ومنها النظر الّذي هو الانتظار؛ ومنها النّظر الّذي هو التعطّف والرّحمة؛ ومنها النظر الّذي هو الفكر والتأمّل، وقالوا: إذا لم يكن فى أقسام النظر الرّؤية لم يكن للقوم بظاهرها تعلّق، واحتجنا جميعا إلى طلب تأويل للآية من غير جهة الرؤية. وتأوّلها بعضهم على الانتظار للثواب، وإن كان المنتظر فى الحقيقة محذوفا، والمنتظر منه مذكورا على عادة للعرب معروفة.

وسلّم بعضهم أن النظر يكون الرؤية بالبصر، وحمل الآية على رؤية أهل الجنة لنعم الله تعالى عليهم؛ على سبيل حذف المرئىّ فى الحقيقة. وهذا كلام مشروح فى مواضعه، وقد بيّنا ما يورد عليه، وما يجاب به عن الشّبهة المعترضة فى مواضع كثيرة.

وهاهنا وجه غريب فى الآية حكى عن بعض المتأخرين: لا يفتقر معتمده إلى العدول عن الظاهر، أو إلى تقدير محذوف، ولا يحتاج إلى منازعتهم فى أنّ النظر يحتمل الرؤية،

أو لا يحتملها؛ بل يصح الاعتماد عليه؛ سواء كان النظر المذكور فى الآية هو الانتظار بالقلب، أو الرؤية بالعين، وهو أن يحمل قوله تعالى: إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ على أنه أراد به نعمة ربّها، لأن الآلاء النّعم، وفى واحدها أربع لغات: ألّا مثل قفا، وألى مثل رمى، وإلى مثل معى، وإلى مثل حسى؛ قال أعشى بكر بن وائل:

أبيض لا يرهب الهزال ولايقطع رحما ولا يخون إلا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «إن محلا وإن مرتحلا»

أراد أنه لا يخون نعمة، فأراد «بإلى ربّها» نعمة ربّها، وأسقط التنوين للإضافة.

فإن قيل: فأىّ فرق بين هذا الوجه وبين تأويل من حمل الآية على أنّه أريد بها إلى ثواب ربها ناظرة، بمعنى

رائية لنعمه وثوابه؟ قلنا: ذلك الوجه يفتقر إلى محذوف، لأنه إذا جعل «إلى» حرفا/ ولم يعلّقها بالربّ تعالى، فلا بد من تقدير محذوف، وفى الجواب الّذي ذكرناه لا يفتقر إلى تقدير محذوف، لأن «إلى» فيه اسم يتعلق به الرؤية ولا يحتاج إلى تقدير غيره.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.