من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل آية أخرى [ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ
:]
قال الله تعالى مخبرا عن يوم القيامة: ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ، وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ. يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وقال فى موضع آخر: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ. وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ. وفى موضع آخر: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ [الصافات:، والطور:].
وظاهر هذه الآيات ظاهر الاختلاف، لأن بعضها ينبئ عن أنّ النطق لا يقع منهم فى ذلك اليوم، ولا يؤذن لهم فيه، وبعضها ينبئ عن خلافه. وقد قال قوم من المفسّرين فى تأويل هذه الآيات: إن يوم القيامة يوم طويل ممتدّ، فقد يجوز أن يمنع النّطق فى بعضه، ويؤذن لهم فى بعض آخر؛ وهذا الجواب يضعّف، لأن الإشارة إلى يوم القيامة بطوله، فكيف يجوز أن تجعل الحالات فيه مختلفة؛ وعلى هذا التأويل يجب أن يكون قوله تعالى: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ فى بعضه، والظاهر بخلاف ذلك.
والجواب السديد عن هذا أن يقال: إنما أراد الله تعالى/ نفى النّطق المسموع المقبول الّذي ينتفعون به، ويكون لهم فى مثله عذر أو حجّة، ولم ينف النطق الّذي ليست هذه حاله، ويجرى هذا مجرى قولهم: خرس فلان عن حجّته، وحضرنا فلانا يناظر فلانا فلم يقل شيئا، وإن كان الّذي وصف بالخرس عن الحجّة، والّذي نفى عنه القول قد تكلّم بكلام كثير غزير، إلّا أنّه من حيث لم يكن فيه حجّة، ولا به منفعة جاز إطلاق القول الّذي حكيناه عليه؛ ومثل هذا قول الشاعر:
أعمى إذا ما جارتى خرجتحتّى يوارى جارتى الخدر
ويصمّ عمّا كان بينهماسمعى وما بى غيره وقر
وقال الآخر:
لقد طال كتمانيك حتّى كأنّنىبردّ جواب السّائلى عنك أعجم
وعلى هذا التأويل قد زال الاختلاف، لأنّ التساؤل والتلاؤم لا حجّة فيه .. وأما قوله تعالى: وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ، فقد قيل: إنهم غير مأمورين بالاعتذار، فكيف يعتذرون؟ ويجاب بحمل الإذن على الأمر؛ وإنّما لم يؤمروا به من حيث كانت تلك الحال لا تكليف فيها، والعباد ملجئون عند مشاهدة أحوالهم إلى الاعتراف والإقرار. وأحسن من هذا التأويل أن يحمل لِيُؤْذَنَ، على معنى أنه لا يستمع لهم، ولا يقبل عذرهم، والعلة فى امتناع قبول عذرهم هى التى ذكرناها.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع