من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل خبر [: «لا تسبّوا الدّهر، فإنّ الدّهر هو الله»
.]
روى عن النبىّ صلى الله عليه وآله أنه قال: «لا تسبّوا الدّهر، فإنّ الدّهر هو الله».
وقد ذكر قوم فى تأويل هذا الخبر أنّ المراد به لا تسبّوا الدهر، فإنه لا فعل له، وإنّ الله مصرّفه ومدبّره، فحذف من الكلام ذكر المصرّف والمدبّر وقال: «هو الدهر».
وفى هذا الخبر وجه هو أحسن من ذلك الّذي حكيناه، وهو أنّ الملحدين، ومن نفى الصانع من العرب كانوا ينسبون ما ينزل بهم من أفعال الله تعالى كالمرض والعافية، والجدب والخصب، والبقاء والفناء إلى الدّهر، جهلا منهم بالصّانع جلّت عظمته، ويذمّون الدهر ويسبّونه فى كثير من الأحوال، من حيث اعتقدوا أنه الفاعل بهم/ هذه الأفعال، فنهاهم النبىّ صلى الله عليه وآله عن ذلك وقال لهم: لا تسبّوا من فعل بكم هذه الأفعال ممّن تعتقدون أنه هو الدّهر، فإن الله تعالى هو الفاعل لها. وإنما قال: إنّ الله هو الدهر من حيث نسبوا إلى الدّهر أفعال الله؛ وقد حكى الله تعالى عنهم قولهم: ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ. وقال لبيد:
فى قروم سادة من قومهنظر الدّهر إليهم فابتهل
أى دعا عليهم. وقال عمرو بن قمئة:
كأنّى وقد جاوزت تسعين حجّةخلعت بها عنّى عذار لجامى
على الرّاحتين مرّة وعلى العصاأنوء ثلاثا بعدهنّ قيامى
رمتنى بنات الدّهر من حيث لا أرىفكيف بمن يرمى وليس برامى
فلو أنّها نبل إذا لاتقيتهاولكنّنى أرمى بغير سهام
إذا ما رآنى النّاس قالوا ألم تكنجليدا حديد الطّرف غير كهام
وأفنى وما أفنى من الدّهر ليلةولم يغن ما أفنيت سلك نظام
وأهلكنى تأميل يوم وليلةوتأميل عام بعد ذاك وعام
وقال الأصمعىّ: ذمّ أعرابىّ رجلا فقال: هو أكثر ذنوبا من الدهر؛ وأنشد الفراء:
حنتنى حانيات الدّهر حتّىكأنّى خاتل أدنو لصيد
قصير الخطو يحسب من رآنىولست مقيّدا أنّى بقيد
وقال كثيّر:
وكنت كذى رجلين رجل صحيحةورجل رمى فيها الزّمان فشلّت
وقال آخر:
فاستأثر الدّهر الغداة بهموالدّهر يرمينى وما أرمى
يا دهر قد أكثرت فجعتنابسراتنا ووقرت فى العظم
أما قوله: وقرت فى العظم، أراد به: اتّخذت فيه وقرا، أو وقيرة، والوقر هو الحفيرة/ العظيمة تكون فى الصّفا يستنقع فيها ماء المطر، والوقب أيضا كذلك، والوقيرة أيضا الحفيرة إلا أنّها دون الأوليين فى الكبر.
وكل هؤلاء الذين روينا أشعارهم نسبوا أفعال الله التى لا يشاركه فيها غيره إلى الدهر، فحسن وجه التأويل الّذي ذكرناه.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع