من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل خبر [«ممّا أدرك الناس من كلام النبوّة الأولى إذا لم تستحى فاصنع ما شئت»
.]
روى أبو مسعود البدرىّ عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «ممّا أدرك الناس من كلام النبوّة الأولى إذا لم تستحى فاصنع ما شئت».
وفى هذا الخبر وجوه من التأويل ثلاثة:
أحدها أن يكون معناه: إذا عملت العمل لله جلّ وعزّ وأنت لا تستحيى من الناظرين إليك، ولا تتخوّفهم أن ينسبوك فيه إلى الرياء صنعت ما شئت، لأن فكرك فيهم، ومراقبتك لهم يقطعانك عن استيفاء شروط عملك، ويمنعانك من القيام بحدوده وحقوقه؛ وإذا اطّرحت الفكر توفّرت على استيفاء عملك.
والوجه الثانى أنّ من لم يستحى من المعاير والمخازى والفضائح صنع ما شاء، والظاهر ظاهر أمر، والمعنى معنى تغليظ وإنكار؛ مثل قوله تعالى: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ؛، وقوله ﷿: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ؛؛ وهذا نهاية التغليظ والزجر والإخبار عن كبر الذنب فى اطّراح الحياء؛ ويجرى مجرى قولهم: بعد أن فعل فلان كذا فليفعل ما يشاء، وبعد أن أقدم على كذا فليقدم على ما شاء؛ والمعنى المبالغة فى عظم ما ارتكبه، وقبح ما اقترفه.
والوجه الثالث أن يكون معنى الخبر إذا لم تفعل ما تستحيى منه فافعل ما شئت؛
فكأنّ معنى الخبر إذا لم تفعل قبيحا فافعل ما شئت، لأنه لا قبيح من ضروب القبائح إلا والحياء يصاحبه، ومن شأن فاعله إذا قرع به أن يستحيى منه، فمتى جانب/ الإنسان ما يستحى منه من أفعاله فقد جانب سائر القبائح، وما عدا القبيح من الأفعال فهو حسن.
ويجرى هذا مجرى خبر يروى فيما أظن عن نبينا ﵇ أنّ رجلا جاءه فاسترشده إلى خصلة يكون فيها جماع الخير، فقال له ﵇: «أشترط عليك ألّا تكذبنى، ولن أسألك ما وراء ذلك»، فهان على الرجل ترك الكذب خاصّة، والمعاهدة على اجتنابه دون سائر القبائح، وشرط على نفسه ذلك، فلمّا انصرف جعل كلّما همّ بقبيح يفكّر ويقول: أرأيت لو سألنى عنه النبي صلى الله عليه وآله ما كنت قائلا له، لأننى إن صدقته افتضحت، وإن كذبته نقضت العهد بينى وبينه؛ فكان ذلك سببا لاجتنابه لسائر القبائح، وهكذا معنى الخبر الّذي تأوّلناه؛
لأن فى اجتناب ما يستحى منه اجتنابا لسائر القبائح.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع