من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
ما قالته العرب فى أحوال القمر، وتفسير ما ورد فى ذلك من الغريب
أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنى القاسم بن الحسين الورّاق قال حدثنا سليمان ابن داود الطّوسىّ قال حدّثنا سوّار بن عبد الله القاضى عن الأصمعىّ قال: دخلت على
الرشيد فى الليل، فتذاكرنا أحوال القمر، فقلت: العرب تقول للقمر إذا كان ابن ليلة: ما أنت ابن ليلة؟ قال: رضاع سخيلة، حلّ أهلها برميلة. قيل له: ما أنت ابن ليلتين؟
قال: حديث أمتين، بكذب ومين. قيل له: ما أنت ابن ثلاث؟ قال: قليل اللّباث- وقيل أيضا: حديث فتيات، غير جدّ
مؤتلفات- قيل له: فما أنت ابن أربع؟ قال: عتمة أمّ ربع- وقيل: عتمة أم الرّبع - غير جائع ولا مرضع. قيل له: فما أنت ابن خمس؟
قال: عشاء خلفات قعس- ويقال: حديث وأنس، ويقال: سر ومسّ - قيل له:
ما أنت ابن ست؟ قال سر وبت- وقيل: تحدّث وبت- قيل له: ما أنت ابن
سبع؟ قال دلجة ضبع - وقيل هدى لأنس ذى الجمع، وقيل: حديث جمع، وقيل:
يضفر فىّ النّسع، وقيل: يلتقط فىّ الجزع- قيل: ما أنت ابن ثمان؟ قال: قمر إضحيان.
قيل: له: ما أنت ابن تسع؟ قال منقطع الشّسع- وقيل يلتقط فىّ الجزع، وقيل:
الودع، وقيل عشيّة أهل جمع- قيل له: ما أنت ابن عشر؟ قال: ثلث الشهر، - وقيل: مخنّق الفجر، وقيل: أؤدّيك إلى الفجر، وقيل: أبادر الفجر- قيل له: ما أنت ابن إحدى عشرة؟ قال: أطلع عشاء، وأرى بكرة- وقيل: أغيب بسحرة- قيل:
له ما أنت ابن اثنتى عشرة؟ قال: مؤنق للبشر، بالبدو والحضر. قيل: ما أنت ابن ثلاث عشرة؟ قال: قمر باهر، يعشى له الناظر؛ قيل له: ما أنت ابن أربع عشرة؟ قال: مقتبل الشباب، أضيء مد جنات السّحاب- وقيل مضئ للسحاب- قيل له: ما أنت ابن خمس عشرة؟ قال: تمّ الشّباب، وانتصف الحساب.
قيل له: ما أنت ابن ست عشرة؟ قال: نقص الخلق، بالغرب والشرق. قيل له:
ما أنت ابن سبع عشرة؟ قال: أمكنت المقتفر القفرة. قيل له ما أنت ابن ثمانى عشرة؟ قال: قليل البقاء، سريع الفناء. قيل له: ما أنت ابن تسع عشرة؟ قال: بطيء الطلوع/ بيّن الخشوع. قيل: ما أنت ابن عشرين؟ قال: أطلع بسحرة، وأضيء بالبهرة - وقيل: ثم أهجّر بالبهرة- قيل: ما أنت ابن إحدى وعشرين؟
قال: كالقبس؛ يرى بالغلس. قيل: ما أنت ابن اثنين وعشرين؟ قال:
لا أطلع إلا ريثما أرى. قيل: ما أنت ابن ثلاث وعشرين، قال: أطلع فى قتمة، ولا أجلو الظّلمة. قيل له: ما أنت ابن أربع وعشرين؟ قال: لا قمر ولا هلال. قيل: ما أنت ابن خمس وعشرين؟ قال: دنا الأجل، وانقطع الأمل. قيل: ما أنت ابن ست وعشرين؟
قال: دنا ما دنا؛ فلا يرى منّى إلا شفا. قيل: ما أنت ابن سبع وعشرين؟ قال: أطلع بكرا، ولا أرى ظهرا. قيل: ما أنت ابن ثمان وعشرين؟ قال: أسبق شعاع الشمس. قيل:
ما أنت ابن تسع وعشرين؟ قال: ضئيل صغير، فلا يرانى إلا البصير. قيل: ما أنت ابن ثلاثين؟ قال: هلال مستنير.
قال الأصمعىّ: ثم قلت للرشيد: يقال إنه لا يحفظ هذا الحديث من الرجال إلا عاقل،
فقال: خذه عليّ، قلت: هات، فأعاده حتّى بلغ: «قيل له: ما أنت ابن ثمان؟ قال:
قمر أضحيان».
أما قوله: «رضاع سخيلة» أراد تصغير سخلة، والمعنى أنّ القمر يبقى بقدر ما ينزل قوم، فتضع شاتهم سخلة، ثم ترضعها ويرتحلون، فبقاؤه بالأفق بمقدار هذا الزمان. وقوله: «حلّ أهلها برميلة» أظنّ أنّ المعنى فيه الإخبار عن قلة اللّباث وسرعة الانتقال؛ لأن الرّمل ليس بمنزل مقام للقوم؛ لأنهم كانوا يختارون فى منازلهم جلد الأرض وهضبها والأماكن التى لا تستولى السيول عليها، فخصّ الرّميلة لهذا المعنى. وقوله «حديث أمتين، بكذب ومين» يريد أن بقاءه قليل بمقدار ما تلقى الأمة الأمة، فتكذب لها حديثا ثم تفترقان. وقوله:
«حديث فتيات، غير جدّ مؤتلفات»، أراد أنه يبقى بقاء فتيات اجتمعن على غير ميعاد، فتحادثن ساعة ثم انصرفن غير مؤتلفات. وقوله «عتمة أم ربع»، يقال: عتّمت إبله إذا تأخرت عن العشاء، ومن هذا سميّت صلاة العتمة؛ لأنها آخر الوقت فى العشاء، وقوله «أم ربع» يعنى الناقة، وهو تأخير حلبها؛ يريد أن بقاءه بمقدار ما تحلب ناقة لها ولد ولدته فى أول الربيع/؛ وهو أول النّتاج، والولد فى هذا الوقت يسمّى ربعا، إذا كان ذكرا، فإن كان أنثى قيل ربعة، فإن كان فى آخر النّتاج قيل هبع للذكر وللأنثى هبعة. وقوله:
«عشاء خلفات قعس»؛ فالخلفات اللّواتى قد استبان حملهن، واحدتها خلفة، وهى المخاض؛ ولا واحد للمخاض من لفظها، وإنما قال: «عشاء خلفات»؛ لأنها لا تعشّى إلى أن يغيب القمر فى هذه الليلة، والقعساء الداخلة الظّهر الخارجة البطن. وقوله: «سر وبت» يريد أنه لا يبقى إلا بقدر [ما يبيت الإنسان ثم يسير]، يريد أنه يبقى بقدر ما يسير الإنسان ثم يبيت،
فقلب المعنى لأنه يسير فى الضوء.
وقوله: «قمر إضحيان»؛ أى ضاح وبارز، ويقال: «قمر إضحيان» بالتنوين فيهما جميعا، و «قمر إضحيان» بالإضافة، ومنه قيل: ليلة إضحيانة، إذا كانت نقيّة البياض.
وقوله: «منقطع الشّسع»، أراد أنه يبقى بقدر ما تبقّى شسع من قد يمشى به حتى ينقطع.
وقوله: «يلتقط فىّ الجزع»، أى أنه مضئ أبلج، لو انقطعت مخنقة فتاة فيها شذور مفصّلة بجزع ما ضاع منها شيء لضيائه ونقائه. وقوله: «أضيء بالبهرة»، يعنى به وسط الليل، لأن بهرة الشيء وسطه. وقوله: «أمكنت المقتفر القفرة»؛ فالمقتفر الّذي يتبع الآثار، ومقتفراته مواضعه التى يقصدها.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع