من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
أخبار واصل بن عطاء:
وممّن تظاهر بالعدل واشتهر به واصل بن عطاء الغزّال، ويكنى أبا حذيفة، وقيل:
إنه مولى بنى ضبّة، وقيل: مولى بنى مخزوم، وقيل: مولى بنى هاشم.
وروى أنه لم يكن غزّالا، وإنما لقّب بذلك، لأنه كان يكثر الجلوس فى الغزّالين، وقيل: إنه كان يجلس فى الغزالين عند رضيع له يعرف بأبى عبد الله الغزّال. وذكر المبرّد:
أنّ واصلا كان يلزم الغزالين، ليعرف المتعففات من النساء، فيصرف صدقته إليهن، ولقّب بذلك كما لقّب أبو سلمة حفص بن سليمان بالخلّال، وهو وزير أبى العباس السفّاح، ولم يكن خلّالا، وإنما كان منزله بالكوفة بقرب الخلّالين، وكان يجلس عندهم فسمى خلّالا، ومثله أبو عليّ الحرمازىّ، وهو مولى لبنى هاشم، وإنما لقّب بذلك لأنه كان ينزل فى بنى الحرماز، وإبراهيم بن يزيد الخوزىّ، وليس بخوزىّ، ولكنه كان ينزل بمكة بشعب الخوز، وأبو سعيد المقبرىّ، لأنه نزل المقابر.
وكان واصل ألثغ فى الراء، قبيح اللّثغة؛ [فكان يخلّص من كلامه الراء]، يعدل عنها فى سائر محاوراته، وقد ذكرنا طرفا من ذلك فى أخبار بشار بن برد.
وذكر أبو الحسن البرذعىّ المتكلم أن إنسانا سأل عمرو بن عبيد أو غيره عن شيء فى القدر بحضرة واصل بن
عطاء، فتكلّم السائل بشيء أغضب عمرا، فأجابه عمرو بجواب لم يرضه واصل، فقال له واصل: إياك وأجوبة الغضب فإنها مندمة، والشيطان يكون معها، وله فى تضاعيفها همزة، وقد أوجب الله جلّ وعز على نبيه/ ﵇ أن يستعيذ من همزات الشيطان، وأن يكونوا معه بقوله: أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ؛؛ إلى خاتمة الآية، [وقلّما شاهدت أحدا أجاب فتثبت فى جوابه]، [وما يطلق به لسانه] فلحقه لوم.
قال البرذعىّ: انظر إلى واصل كيف كلّم عمرا، فأخرج الرّاء من كلامه، فقال فى موضع «والشيطان يحضرها»: «يكون معها». وقال: «قد أوجب الله على نبيه»، ولم يقل:
«أمره». وقال: «وأن يكونوا معه» بدلا من قوله. «ويحضروه» ثم قال: «إلى خاتمة الآية» ولم يقل: «إلى آخر الآية».
قال سيدنا الشريف المرتضى أيّده الله: ومما لم يذكره البرذعىّ أنه عدل عن افتتاح الآية من أجل الراء أيضا، لأن أولها: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ؛ ولولا قصده إلى العدول لكان ذكرها واجبا من ابتدائها؛ لا سيما وفى ابتدائها تعليم وتوقيف على كيفية دعائه والاستعاذة به.
وقيل إن رجلا قال له: كيف تقول أسرج الفرس؟ قال: ألبد الجواد.
وقال له آخر: كيف تقول: ركب فرسه، وجرّ رمحه، قال: استوى على جواده، وسحب عامله.
وذكر أبو الحسين الخياط أن واصلا كان من أهل مدينة الرسول ﷺ وآله، ومولده سنة ثمانين ومات سنة إحدى وثلاثين ومائة.
وكان واصل ممّن لقى أبا هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفيّة وصحبه، وأخذ عنه، وقال قوم: إنه لقى أباه محمدا ﵇، وذلك غلط؛ لأن محمدا توفى سنة ثمانين أو إحدى وثمانين، وواصل ولد فى سنة ثمانين.
وواصل هو أول من أظهر المنزلة بين المنزلتين؛ لأن الناس كانوا فى أسماء أهل الكبائر من أهل الصلاة على أقوال؛ كانت الخوارج تسمّيهم بالكفر والشرك، والمرجئة تسمّيهم بالإيمان، وكان الحسن وأصحابه يسمّونهم بالنفاق، فأظهر واصل القول بأنّهم فسّاق غير مؤمنين، ولا كفار، ولا منافقين.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع