تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

أخبار عمرو بن عبيد:

فأما عمرو بن عبيد فيكنى أبا عثمان، مولى لبنى العدوية، من بنى تميم، قال الجاحظ: هو عمرو بن عبيد بن باب. وباب نفسه من سبى كابل؛ من سبى عبد الرحمن بن سمرة، وكان باب مولى لبنى العدويّة قال: وكان أبوه عبيد شرطيا، وكان عمرو متزهدا، فكانا إذا اجتازا معا على الناس قالوا: هذا شرّ الناس أبو خير الناس، فيقول عبيد: صدقتم؛ هذا إبراهيم، وأنا تارخ.

قال عليّ بن الجعد: وهو عبيد بن باب، وكان بوّابا للحكم بن أيوب، قال: وكان باب مكاريا، له دكّان معروف يقال له دكّان باب، وكان فارسيا، وللفرزدق معه خبر مشهور تركنا ذكره لشهرته وفحش فيه.

وذكر أبو الحسين الخيّاط أن مولد عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء جميعا فى سنة ثمانين، قال: ومات عمرو بن عبيد فى سنة مائة وأربع وأربعين؛ وهو ابن أربع وستين سنة.

روى أنّ عمرا استأذن على المنصور، فدخل عليه الربيع فقال له: بالباب رجل

قال: إنى عمرو بن عبيد، وكانت على المنصور جبّة يمانية محقّقة؛ فقال: ويلك يا ربيع! عمرو بالباب؟ قال: نعم، قال: هات لى قميصا أبيض، فأتاه به، فألقاه عليه، ثم قال: در من خلفى؛ فغط الجبة وازرر عليّ- قال الربيع: ولم أكن أرى أحدا يوقّره المنصور حتى رأيت عمرو بن عبيد- فدخل عليه رجل آدم مربوع الكدنة، بين عينيه أثر السجود، حسن الأدب، حسن اللسان؛ كأنه لم يزل مع الملوك فى توقيره للخليفة، وإعظامه إياه، قال:

فسلّم، فاجتذبه المنصور ليجلس معه فأبى، وطرح نفسه بين يديه، فساء له واحتفى به، فلما أراد عمرو القيام قال له: عظنى يا أبا عثمان وأوجز، قال له: إنّ ما فى يدك لست بوارثه عن أحد، وإنما هو شيء صار إليك، وقد كان فى يد غيرك قبلك، ولو دام لك لبقى فى يد الأول، والسلام. وروى الأصمعىّ قال: قال مطر الوراق لعمرو بن عبيد: إنى لأرحمك مما يقول الناس فيك، فقال عمرو: أتسمعني أقول فيهم شيئا؟ قال: لا، قال: فإياهم فارحم!

/ وقال خالد بن صفوان لعمرو بن عبيد: لم لا تأخذ منّى فتقضى دينا إن كان عليك، وتصل رحمك؟ فقال له عمرو: أما دين فليس عليّ، وأما صلة رحمى فلا يجب عليّ، وليس عندى. قال: فما يمنعك أن تأخذ منّى؟ قال: يمنعنى أنه لم يأخذ أحد من أحد شيئا إلّا ذلّ له، وأنا والله أكره أن أذلّ لك.

ويقال إن ابن لهيعة أتى عمرو بن عبيد فى المسجد الحرام، فسلّم عليه، وجلس إليه، وقال له يا أبا عثمان ما تقول فى قوله تعالى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ؛؟ فقال: ذلك فى محبّة القلوب التى لا يستطيعها العبد ولم يكلّفها، فأما العدل بينهن فى القسمة من النفس والكسوة والنفقة فهو مطيق لذلك، وقد كلّفه بقوله

تعالى: فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فيما تطيقون فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ؛ بمنزلة من ليست أيّما، ولا ذات زوج. فقال ابن لهيعة: هذا والله هو الحق.

ويقال إن عمرو بن عبيد أتى يونس بن عبيد يعزّيه عن ابن له، فقال له: إن أباك كان أصلك، وإن ابنك كان فرعك، وإن امرأ ذهب أصله وفرعه لحرىّ أن يقلّ بقاؤه. وقيل إن عبد الله بن عبد الأعلى أخذ هذا المعنى فقال:

صحبتك قبل الرّوح إذ أنا نطفةتصان فما يبدو لعين مصونها
أرى المرء دينا للمنايا وما لهامطال إذا حلّت بنفس ديونها
للشاعر عبد الله بن عبد الأعلى الشيباني، اقرأ القصيدة
فماذا بقاء الفرع من بعد أصلهستلقى الّذي لاقى الأصول غصونها
للشاعر عبد الله بن عبد الأعلى الشيباني، اقرأ القصيدة

وأول من سبق إلى هذا المعنى امرؤ القيس فى قوله:

فبعض اللّوم عاذلتى فإنىستغنينى التّجارب وانتسابى
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أرانا موضعين لأمر غيب»
إلى عرق الثّرى وشجت عروقىوهذا الموت يسلبنى شبابى
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أرانا موضعين لأمر غيب»

وأخذ ذلك لبيد فى قوله:

فإن أنت لم تصدقك نفسك فانتسبلعلّك تهديك القرون الأوائل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ألا تسألان المرء ماذا يحاول»
فإن لم تجد من دون عدنان والداودون معدّ فلنزعك العواذل

/ وأخذه أيضا فى قوله:

تودّ ابنتاى أن يعيش أبوهماوهل أنا إلّا من ربيعة أو مضر!

ونظر إليه محمود الوارق وإبراهيم بن العباس الصولىّ؛ أما محمود ففى قوله:

إذا ما انتسبت إلى آدمفلم يك بينكما من أب
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «إذا ما انتسبت إلى آدم»
وجازت سنوك بك الأربعينوصرت إلى الجانب الأجنب
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «إذا ما انتسبت إلى آدم»
ودبّ البياض خلال السّوادفأصبحت فى شية الأشهب
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «إذا ما انتسبت إلى آدم»
وكيف تؤمّل طول الحياةإذا كان حلمك لم يعزب
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «إذا ما انتسبت إلى آدم»

وأما إبراهيم ففى قوله:

نعى نفسى إلى أبىوخبّر أين منقلبى
للشاعر أحمد بن إسحاق الخاركي، اقرأ القصيدة
لموعظة رآها فىأبيه كما رأيت أبى

وكأن أبا نواس لحظ هذا المعنى فى قوله:

وما النّاس إلّا هالك وابن هالكوذو نسب فى الهالكين عريق
إذا امتحن الدّنيا لبيب تكشّفتله عن عدوّ فى ثياب صديق
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أيا رب وجه في التراب عتيق»

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر (٩)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.