من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل آية [: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ]
/ إن سأل سائل عن قوله تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا؛ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ؛.
فقال: ما تأويل هذه الآية على ما يطابق العدل؟ فإنّ ظاهرها كأنه مخالف له.
الجواب، قيل له: فى هذه الآية وجوه؛ منها ما ابتدأناه فيها، ومنها ما سبقنا به فحرّرناه، واحترزنا فيه من المطاعن، وأجبنا عمّا لعله يعترض فيه من الشّبه.
أولها أن يكون تعالى عنى بذلك صرفهم عن ثواب النظر فى الآيات، وعن العزّ والكرامة اللذين يستحقّهما من أدّى الواجب عليه فى آيات الله تعالى وأدلّته، وتمسّك بها.
والآيات على هذا التأويل يحتمل أن تكون سائر الأدلة، ويحتمل أن تكون معجزات الأنبياء ﵈ خاصة؛
وهذا التأويل يطابقه الظاهر؛ لأنه تعالى قال: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ؛ فبيّن أنّ صرفهم عن الآيات مستحقّ بتكذيبهم، ولا يليق ذلك إلّا بما ذكرناه.
وثانيها أن يصرفهم تعالى عن زيادة المعجزات التى يظهرها الأنبياء ﵈
بعد قيام الحجة بما تقدّم من آياتهم ومعجزاتهم؛ لأنّه تعالى إنما يظهر هذا الضرب من المعجزات إذا علم أنّه يؤمن عنده من لم يؤمن بما تقدم من الآيات، فإذا علم خلاف ذلك لم يظهرها، وصرف الذين علم من حالهم أنهم لا يؤمنون عنها، ويكون الصّرف على أحد وجهين: إمّا بألّا يظهرها جملة، أو بأن يصرفهم عن مشاهدتها، ويظهرها بحيث ينتفع بها غيرهم.
فإذا قيل: وما الفرق فيما ذكرتموه بين ابتداء المعجزات، وبين زيادتها؟ قلنا: الفرق بينهما أن المعجز الأوّل يجب إظهاره لإزاحة العلّة فى التكليف؛ ولأنّا به نعلم صدق الرسول المؤدّى إلينا ما فيه لطفنا ومصلحتنا.
فإذا كان التكليف يوجب تعريف المصالح والألطاف لتنزاح العلّة، وكان لا سبيل إلى معرفتها على الوجه الّذي تكون عليه لطفا إلّا من قبل الرسول، وكان لا سبيل إلى العلم بكونه رسولا إلّا من جهة/ المعجز وجبت بعثة الرسول وتحميله ما فيه مصلحتنا من الشرائع، وإظهار المعجز على يده لتعلّق هذه الأمور بعضها ببعض، ولا فرق فى هذا الموضع بين أن يعلم أنّ المبعوث إليهم الرسول، أو بعضهم يطيعون ويؤمنون، وبين ألّا يعلم ذلك فى وجوب البعثة، وما يجب بوجوبها، لأنّ تعريف المصالح مما يقتضيه التكليف العقلىّ الّذي لا فرق فى حسنه بين أن يقع عنده الإيمان أو لا يقع؛ وليس هذه سبيل ما يظهر من المعجزات بعد قيام الحجة بما تقدم منها؛ لأنّه متى لم ينتفع بها منتفع، ويؤمن عندها من لم يؤمن لم يكن فى إظهارها فائدة، وكانت عبثا؛ فافترق الأمران.
فإن قيل: كيف يطابق هذا التأويل قوله: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ، ومن المعلوم أنّ صرفهم عن الآيات لا يكون مستحقا بذلك؟ قلنا: يمكن أن يكون قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا لم يرد به تعليل قوله: سَأَصْرِفُ، بل يكون كالتعليل لما هو أقرب إليه فى ترتيب الكلام، وهو قوله تعالى: وَإِنْ يَرَوْا كُلَ
آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا، لأنّ من كذب بآيات الله جل وعزّ؛ وغفل عن تأمّلها والاهتداء بنورها ركب الغىّ، واتخذه سبيلا، وحاد عن الرشد وضل ضلالا بعيدا. ورجوع لفظة ذلِكَ إلى ما ذكرناه أشبه بالظاهر من رجوعها إلى قوله: سَأَصْرِفُ؛ لأنّ رجوع اللفظ فى اللغة إلى أقرب المذكورين إليه أولى.
ويمكن أن يكون قوله تعالى: كَذَّبُوا وإن كان بلفظ الماضى المراد به الاستقبال، ويكون وجهه أن التكذيب لما كان معلوما منهم لو أظهرت لهم الآيات جعل ذلك كأنه [واقع، فبنى الخطاب عليه؛ ولهذا نظائر فى اللغة كثيرة. أو يكون جوابا لمحذوف؛ كأنه] قال:
ذلك بأنه متى ما أظهرنا لهم آياتنا كذبوا بها. ويجرى ما ذكرناه أولا مجرى قوله تعالى:
وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ فى أنه بلفظ الماضى والمعنى الاستقبال.
وثالثها أن يكون معنى سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ، أى لا أوتيها من هذه صفته، وإذا [صرفهم عنها فقد صرفها عنهم]، وكلا اللّفظين يفيد معنى واحدا. وليس لأحد أن يقول هلّا قال: «سأصرف آياتى عن الذين يتكبرون»؛ والآيات هاهنا هى المعجزات التى تختص بها الأنبياء.
/ فإن قيل: فأىّ فائدة فى قوله على سبيل التعليل: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأىّ معنى لتخصيصه الذين يتكبرون فى الأرض بغير الحق، وهو لا يؤتى الآيات والمعجزات إلّا الأنبياء دون غيرهم، وإن كان ممن لا يتكبر؟ قلنا: لخروج الكلام مخرج التعليل على هذا التأويل وجه صحيح؛ لأن من كذّب بآيات الله لا يؤتى معجزاته لتكذيبه وكفره،
وإن كان قد يكون غير مكذّب، ويمنع من إتيانه الآيات علّة أخرى؛ فالتكبر والبغى بغير الحق مانع من إيتاء الآيات، وإن منع غيره. ويجرى هذا مجرى قول القائل: أنا لا أودّ فلانا لغدره، ولا يلزم إذا لم يكن غادرا أن يودّه، لأنه ربما خلا من الغدر وحصل على صفة أخرى تمنع من مودته.
ويجوز أيضا أن تكون الآية خرجت على ما يجرى مجرى السبب، وأن يكون بعض الجهال فى ذلك العصر اعتقد جواز ظهور المعجزات على يد الكفار المتكبرين، فأكذبهم الله تعالى بذلك.
ورابعها أن يكون المراد بالآيات العلامات التى يجعلها الله تعالى فى قلوب المؤمنين؛ ليدلّ بها الملائكة على الفرق بين المؤمن والكافر، فيفعلوا بكل واحد منهما ما يستحقه من التعظيم أو الاستخفاف، كما تأول أهل الحق الطبع والختم اللذين ورد بهما القرآن على أن المراد بهما العلامة المميّزة بين الكافر والمؤمن؛ فيكون معنى سأصرفهم عنها، أى أعدل بها عنهم، وأخصّ بها المؤمنين المصدقين بآياتى وأنبيائى. وهذا التأويل يشهد له أيضا قوله تعالى:
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ؛ لأنّ صرفهم عن هذه الآيات كالمستحقّ لتكذيبهم وإعراضهم عن آياته تعالى.
وخامسها أن يريد تعالى: أنى أصرف من رام المنع من أداء آياتى وتبليغها؛ لأنّ من الواجب على الله تعالى أن يحول من بين رام ذلك وبينه؛ ولا يمكّن منه؛ لأنه ينقض الغرض فى البعثة. ويجرى ذلك مجرى قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ؛ فتكون الآيات هاهنا القرآن وما جرى مجراه من كتب الله تعالى التى تحمّلتها الرسل.
والصرف وإن كان متعلقا فى الآية بنفس الآيات فقد يجوز أن يكون المعنى متعلّقا [فى الآية/ بنفس الآيات، فقد يجوز أن يكون المعنى متعلقا بغيرها] مما هو متعلق بها. فإذا ساغ
أن نعلقه بالثواب والكرامة المستحقين على التمسك بالآيات ساغ أن نعلّقه بما يمنع من تبليغها وأدائها وإقامة الحجة بها. وعلى هذا التأويل لا نجعل قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا راجعا إلى سَأَصْرِفُ بل نردّه إلى ما هو قبله بلا فصل؛ من قوله تعالى:
وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا على ما بينّاه فى الوجه الثانى، من تأويل هذه الآية.
وسادسها أن يكون الصرف هاهنا الحكم والتسمية والشهادة، ومعلوم أن من شهد على غيره بالانصراف عن شيء جائز أن يقال: صرفه عنه، كما يقال: [أكفره وكذّبه وفسّقه]؛ وكما قال جلّ من قائل: ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ؛ أى شهد عليها بالانصراف عن الحق والهدى، وكقوله تعالى: فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ؛ وهذا التأويل طابقه قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ؛ لأنّ الحكم عليهم [بما ذكرنا من التسمية موجب تكذيبهم وغفلتهم] عن آيات الله وإعراضهم عنها.
وسابعها أنه تعالى لمّا علم أن الذين يتكبرون فى الأرض بغير الحق سينصرفون عن النظر فى آياته، والإيمان بها إذا أظهرها على أيدى رسله ﵈ جاز أن يقول:
سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ فيريد سأظهر ما ينصرفون بسوء اختيارهم عنه. ويجرى ذلك مجرى قولهم: سأبخّل فلانا وأخطّئه، أى أسأله ما يبخل، ببذله وأمتحنه بما يخطئ فيه، ولا يكون المعنى: سأفعل فيه البخل والخطأ. والآيات على هذا الوجه جائز أن تكون المعجزات دون سائر الأدلة الدالة على الله تعالى، وجائز أن تكون جميع الأدلة؛ ويجب على هذا الوجه أن يكون قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا غير راجع إلى قوله تعالى:
سَأَصْرِفُ؛ بل إلى ما قدمنا ذكره لتصح الفائدة.
وثامنها أن يكون الصّرف هاهنا معناه المنع من إبطال الآيات والحجج، والقدح فيها بما يخرجها عن أن تكون أدلّة وحججا، فيكون تقدير الكلام: إنى بما أؤيّده من حججى، وأحكمه من آياتى وبيناتى؛ صارف للمبطلين والمكذبين عن القدح فى الآيات والدّلالات، ومانع لهم ممّا كانوا لولا/ هذا الإحكام والتأييد يفترضونه ويغتنمونه من تمويههم الحق ولبسه بالباطل. ويجرى هذا مجرى قول أحدنا: قد منع فلان أعداءه بأفعاله الكريمة، [وطرائقه المهذّبة، وصرفهم عن ذمّه]، وأخرس ألسنتهم عن الطعن عليه؛ وإنما يريد المعنى الّذي ذكرناه.
فإن قيل: أليس فى المبطلين من طعن على آيات الله تعالى وأورد الشبهة فيها مع ذلك؟
قلنا: لم يرد الله تعالى الصرف عن الطعن الّذي لا يؤثر ولا يشتبه على من أحسن النظر، وإنما أراد ما قدمناه، وقد يكون الشيء فى نفسه مطعونا عليه، وإن لم يطعن عليه طاعن؛ كما قد يكون بريئا من الطعن، وإن طعن فيه بما لم يؤثر؛ ألا ترى أن قولهم: فلان قد أخرس أعداءه عن ذمّه ليس يراد به أنه منعهم عن التلفظ بالذم، وإنما المعنى فيه أنه لم يجعل للذم عليه طريقا ومجالا؛ ويجب على هذا الوجه أن يكون قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا يرجع إلى ما قبله بلا فصل، ولا يرجع إلى قوله: سَأَصْرِفُ.
وتاسعها أن الله تعالى لما وعد موسى ﵇ وأمّته إهلاك عدوهم قال: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وأراد جل وعزّ أنه يهلكهم ويصطلمهم ويجتاحهم على طريق العقوبة لهم؛ بما كان منهم من التكذيب بآيات الله تعالى، والردّ لحججه، والمروق عن طاعته، وبشّر من وعده بهذه الحال من المؤمنين بالوفاء
بها، وهو تعالى إذا أهلك هؤلاء الجبّارين المتكبرين، واصطلمهم فقد صرفهم عن آياته، من حيث اقتطعهم عن مشاهدتها، والنظر فيها بانقطاع التكليف عنهم، وخروجهم عن صفات أهله.
وهذا الوجه يمكن أن يقال فيه: إن العقوبة لا تكون إلّا مضادّة للاستخفاف والإهانة، كما أن الثواب لا بدّ أن يكون مقترنا بالتعظيم والتبجيل والإجلال؛ وإماتة الله تعالى الأمم وما يفعله من بوار وإهلاك لا يقترن إليه ما لا بدّ أن يكون مقترنا إلى العقاب من الاستخفاف، ولا يخالف ما يفعله تعالى بأوليائه على سبيل الامتحان والاختبار؛ فكيف يصح ما ذكرتموه!.
ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن يقال: لا يمتنع أن يضمّ الله تعالى إلى ما يفعله بهؤلاء الكفار المكذّبين [من الإهلاك والبوار اللعن والذم والاستخفاف]، ويأمرنا [أن نفعل ذلك بهم، فيكون/ ما يقع بهم من الإيلام على وجه العقوبة وبشروطها، ولا يمتنع أن يكون الله تعالى يتعبّد ويأمر بإهلاكهم]، وقتلهم على وجه الاستخفاف والنّكال، ويضيف الله تعالى ذلك إليه من حيث وقع بأمره وعن أذنه.
فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ؛ كأنّ فى التكبّر ما يكون بالحق!
قلنا فى هذا وجهان: أحدهما أن يكون ذلك على سبيل التأكيد والتغليظ والبيان عن أنّ التّكبر لا يكون إلا بغير الحق، وأن هذه صفة له لازمة غير مفارقة؛ ويجرى ذلك مجرى قوله تعالى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ؛، وقوله تعالى: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ؛، ولم يرد تعالى إلا المعنى الّذي ذكرناه. ومثله قوله تعالى: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا؛، ولم يرد النهى عن الثمن القليل دون الكثير، بل
أراد تأكيد القول بأن كلّ ثمن يؤخذ عنها يكون قليلا بالإضافة إليها، ويكون المتعوّض به عنها مغبونا مبخوسا خاسر الصفقة.
والوجه الآخر أنّ فى التكبر ما يكون ممدوحا لأنّ من تكبر وتنزّه عن الفواحش والدنايا وتباعد من فعلها، وتجنب أهلها يكون مستحقا للمدح، سالكا لطريق الحقّ؛ وإنما التكبّر المذموم هو الواقع على وجه النّخوة والبغى والاستطالة على ذوى الضّعف والفخر عليهم، والمباهاة لهم، ومن كان بهذه الصفة فهو مجانب للتواضع الّذي ندب الله تعالى إليه، وأرشد إلى الثواب المستحقّ عليه، ويستحق بذلك الذمّ والمقت، فلهذا شرط تعالى أن يكون التكبر
بغير الحق. وقوله تعالى فى هذه السورة: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ؛، يحتمل أيضا هذين الوجهين اللّذين ذكرناهما.
فإن أريد به البغى المكروه الّذي هو الظلم وما أشبهه، كان قوله: بِغَيْرِ الْحَقِّ تأكيدا وإخبارا عن أن هذه صفته، وإن أريد بالبغى الطلب- وذلك هو أصله فى اللغة- كان الشرط فى موضعه؛ لأنّ الطلب قد يكون بالحقّ وبغير الحقّ.
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا/ وهل الرؤية هاهنا العلم والإدراك بالبصر؟ وهب أنها يمكن أن تكون فى قوله تعالى: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها محمولة على رؤية البصر، لأن الآيات والأدلة مما يشاهد كيف تحمل الرؤية الثانية على العلم، وسبيل الرشد إنما هى طريقه، ولا يصحّ أن يرجع بها إلى المذاهب والاعتقادات التى لا تجوز عليها رؤية البصر، فلا بد إذا من أن يكون المراد به رؤية العلم؛ ومن علم طريق الرّشد لا يجوز أن ينصرف عنه إلى طريق الغىّ؛ لأن العقلاء لا يختارون مثل ذلك.
قلنا: الجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون المراد بالرؤية الثانية رؤية البصر، ويكون السبيل المذكورة فى الآية هى الأدلة؛ لأنها مما يدرك بالبصر، وتسمّى بأنها سبيل إلى
الرشد، من حيث كانت وصلة إلى الرّشد، وذريعة إلى حصوله، ويكون سبيل الغىّ هى الشبهات والمخاريق التى ينصبها المبطلون والمدغلون فى الدين؛ ليوقعوا بها الشبهة على أهل الإيمان، وتسمّى سبيل الغىّ، وإن كان النظر فيها لا يوجب حصول الغىّ من حيث كان المعلوم ممّن تشاغل بها، واغترّ بأهلها أنه يصير إلى الغىّ.
والوجه الثانى أن يكون المراد بالرؤية العلم؛ إلا أن العلم لم يتناول كونها سبيلا للرّشد، وكونها سبيلا للغىّ؛ بل يتناولها لا من هذا الوجه؛ ألا ترى أن كثيرا من المبطلين يعلمون مذاهب أهل الحق واعتقاداتهم وحججهم؛ إلا أنهم يجهلون كونها صحيحة مفضية إلى الحق، فيجتنبونها؛ وكذلك يعلمون مذاهب المبطلين واعتقاداتهم الباطلة الفاسدة، إلا أنهم يجهلون كونها باطلة، ويعتقدون صحتها بالشبهة فيصيرون إليها؟ وعلى هذا الوجه لا يجب أن يكون تعالى وصفهم بالعناد وترك الحق مع العلم به.
والوجه الثالث أن يكونوا عالمين بسبيل الرشد والغىّ، ومميزين بينهما؛ إلا أنهم للميل إلى أعراض الدنيا، والذّهاب مع الهوى والشهوات يعدلون عن الرشد إلى الغىّ، ويجحدون ما يعلمون، كما أخبر بها عن كثير من أهل الكتاب بأنهم يجحدون الحقّ وهم يعلمونه ويستيقنونه.
فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ، والتكذيب لا يكون فى الحقيقة إلا فى الأخبار دون غيرها؟
قلنا: التكذيب قد يطلق فى الأخبار وغيرها؛ ألا ترى أنهم يقولون: فلان يكذّب بكذا إذا كان يعتقد بطلانه، كما يقولون: يصدّق بكذا إذا كان يعتقد صحته؟ ولو صرفنا التكذيب هاهنا إلى أخبار الله تعالى التى تضمنتها كتبه الواردة على أيدى رسله ﵈ جاز؛ وتكون الآيات هاهنا هى الكتب المنزلة دون سائر المعجزات.
فإن قيل: فما معنى ذمّه تعالى لهم بأنهم كانوا عن الآيات غافلين، والغفلة على مذاهبكم
من فعله، لأنها السهو أو ما جرى مجراه مما ينافى العلوم الضرورية، ولا تكليف على الساهى فكيف يذمّ بذلك؟.
قلنا: المراد هاهنا بالغفلة التشبيه لا الحقيقة، ووجه التشبيه أنهم لما أعرضوا عن تأمّل آيات الله تعالى، والانتفاع بها أشبهت حالهم حال من كان ساهيا غافلا عنها، فأطلق عليهم هذا القول كما قال تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ؛، على هذا المعنى، وكما يقول أحدنا لمن يستبطئه ويصفه بالإعراض عن التأمل والتبيّن: أنت ميّت وراقد، ولا تسمع، ولا تبصر، وما أشبه ذلك، وكل هذا واضح بحمد الله.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع