من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل خبر [: «إنّ قلوب بنى آدم كلّها بين إصبعين من أصابع الرّحمن]
إن سأل سائل عن الخبر المروىّ عن عبد الله بن عمر أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: «إنّ قلوب بنى آدم كلّها بين إصبعين من أصابع الرّحمن، يصرّفها كيف شاء» ثم يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله عند ذلك: «اللهم مصرّف القلوب، صرّف قلوبنا إلى طاعتك». وعما يرويه أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «ما من قلب آدميّ إلّا وهو بين إصبعين من أصابع الله تعالى، فإذا شاء أن يثبّته ثبّته، وإن شاء أن يقلّبه قلّبه». وعمّا يرويه ابن حوشب قال: قيل لأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله:
ما كان أكثر دعاء النبىّ صلى الله عليه وآله؟ قالت: كان أكثر دعائه: «يا مقلّب القلوب، ثبّت قلبى على دينك»، قالت: قلت: يا رسول الله، ما أكثر دعاءك: «يا مقلّب القلوب، ثبّت قلبى على دينك»! فقال: «يا أمّ سلمة، ليس من آدميّ إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله، ما شاء أقام، وما شاء أزاغ».
فقال: ما تأويل/ هذه الأخبار على ما يطابق التوحيد وينفى التشبيه؟ أوليس من مذهبكم أنّ الأخبار التى يخالف ظاهرها الأصول، ولا تطابق العقول لا يجب ردّها، والقطع على كذب رواتها إلّا بعد ألّا يكون لها فى اللغة مخرج ولا تأويل؟ وإن كان لها ذلك فباستكراه أو تعسّف، ولستم ممّن يقول ذلك فى مثل هذه الأخبار، فما تأويلها؟.
الجواب، إنّ الّذي يعوّل عليه من تكلّم فى تأويل هذه الأخبار هو أن يقول: إن الإصبع فى كلام العرب وإن كانت الجارحة المخصوصة فهى أيضا الأثر الحسن؛ يقال: لفلان على ماله وإبله إصبع حسنة؛ أى قيام وأثر حسن؛ قال الراعى يصف راعيا حسن القيام على إبله:
ضعيف العصا بادى العروق ترى لهعليها إذا ما أجدب النّاس إصبعا
وقال طفيل الغنوىّ يصف فحلا:
كميت كركن الباب أحيا بناتهمقاليتها واستحمشتهنّ إصبع
وقال لبيد بن ربيعة:
من يبسط الله عليه إصبعابالخير والشّرّ بأىّ أولعا
يملأ له منه ذنوبا مترعا
وقال حميد بن ثور:
أغرّ كلون البدر فى كلّ منكبمن النّاس نعمى يحتذيها وإصبع
وقال آخر:
وأرزنات ليس فيهنّ أبنذو إصبع فى مسّها وذو فطن
وقال آخر:
أكرم نزارا واسقه المشعشعافإنّ فيه خصلات أربعا
حدّا وجودا وندى وإصبعا
والإصبع فى كلّ ما أوردناه المراد بها الأثر الحسن والنّعمة، فيكون المعنى: ما من آدميّ إلا وقلبه بين نعمتين لله جليلتين حسنتين.
فإن قيل: هذا قد ذكر كما حكيتم؛ إلّا أنه لم يفصّل: ما النعمتان؟ وما وجه التثنية هاهنا ونعم الله تعالى على عباده كثيرة لا تحصى؟
/ قلنا: يحتمل أن يكون الوجه فى ذلك نعم الدنيا ونعم الآخرة، وثناهما لأنهما كالجنسين أو كالنوعين، وإن كان كل قبيل منهما فى نفسه ذا عدد كثير؛ لأن الله تعالى قد أنعم على عباده بأن عرّفهم بأدلته وبراهينه ما أنعم به عليهم، من نعم الدنيا والآخرة، وعرّفهم ما لهم فى الاعتراف بذلك والشكر عليه والثناء به من الثواب الجزيل، والبقاء فى النعيم الطويل.
ويمكن أن يكون الوجه فى تسميتهم للأثر الحسن بالإصبع هو من حيث يشار إليه بالإصبع إعجابا به، وتنبيها عليه؛ وهذه عادتهم فى تسمية الشيء بما يقع عنده، وبما له به علقة، وقد قال قوم فى بيتى طفيل والراعى: إنهما أرادا أن يقولا «يدا» فى مكان «إصبع»؛ لأن اليد النعمة، فلم يمكنهما، فعدلا عن اليد إلى الإصبع، لأنها من اليد.
وفى الإصبع الجارحة ثمان لغات: إصبع بفتح الألف والباء، وإصبع، بفتح الألف وكسر الباء، وإصبع بضم الألف والباء، وإصبع بضم الألف وفتح الباء، وأصبوع، بضم الألف مع الواو، وإصبع، بكسر الألف والباء، وإصبع، بكسر الألف وفتح الباء، وإصبع بكسر الألف وضم الباء.
وفى هذه الأخبار وجه آخر؛ هو أوضح مما ذكر، وأشبه بمذاهب العرب فى ملاحن كلامها، وتصرّف كناياتها؛ وهو أن يكون المعنى فى ذكر الأصابع الإخبار عن تيسّر تصريف القلوب وتقليبها، والفعل فيها عليه جلّت عظمته، ودخول ذلك تحت قدرته. ألا ترى أنهم يقولون: هذا الشيء فى خنصرى وإصبعى، وفى يدى وقبضتى؛ كلّ ذلك إذا أرادوا تسهّله وتيسّره وارتفاع المشقة فيه، والمئونة.
وعلى هذا المعنى يتأوّل المحققون قوله تعالى: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ،؛ فكأنه صلى الله عليه وآله لما أراد المبالغة
فى وصفه بالقدرة على تقليب القلوب وتصريفها بغير مشقّة ولا كلفة- وإن كان غيره تعالى يعجز عن ذلك، ولا يتمكّن منه- قال: إنها بين أصابعه؛ كناية عن هذا المعنى، واختصارا للّفظ الطويل، وجريا على مذهب العرب فى إخبارهم عن مثل هذا المعنى بمثل هذا اللفظ؛ وهذا الوجه يجب أن يكون مقدّما على الوجه الأول ومعتمدا؛ لأنه واضح جلىّ.
ويمكن أن يكون فى الخبر وجه آخر على تسليم ما يقترحه المخالفون، من أنّ الإصبعين هما المخلوقتان من اللّحم والدم؛ استظهارا فى الحجّة، وإقامة لها على كل وجه:
وهو أنه لا ينكر أن يكون القلب يشتمل عليه جسمان على شكل الإصبعين، يحرّكه الله تعالى بهما، ويقلّبه بالفعل فيهما؛ ويكون وجه تسميتهما بالأصابع من حيث كانا على شكلهما. والوجه فى إضافتهما إلى الله تعالى- وإن كانت جميع أفعاله تضاف إليه بمعنى الملك والقدرة- أنّه لا يقدر على الفعل فيهما وتحريكهما منفردين عما جاورهما غيره تعالى؛ فقيل إنهما إصبعان له؛ من حيث اختصّ بالفعل فيهما على هذا الوجه؛ لأنّ غيره إنما يقدر على تحريك القلب، وما هو مجاور للقلب من الأعضاء بتحريك جملة الجسم، ولا يقدر على تحريكه وتصريفه منفردا ممّا يجاوره غيره تعالى؛ فمن أين للمبطلين المتأوّلين هذه الأخبار بأهوائهم وضعف آرائهم أنّ الأصابع هاهنا إذا كانت لحما ودما فهى جوارح لله تعالى! وما هذا الوجه الّذي ذكرناه ببعيد؛ وعلى المتأوّل أن يورد كلّ ما يحتمله الكلام؛ ممّا لا تدفعه حجّة، وإن ترتّب بعضه على بعض فى القوة والوضوح.
ونحن نعود إلى تفسير ما لعلّه أن يشتبه من الأبيات التى استشهدنا بها.
أما قوله:
حدّا وجودا وندى وإصبعا
فمعنى الحدّ: المضاء والنّفاذ.
وقول الآخر:
وأرزنات ليس فيهنّ أبن
فالأرزنات العصىّ، والابن العقد.
فأما قول حميد بن ثور: «فى كل منكب من الناس»، فالمنكب: الجماعة، والمنكب:
الناحية.
وأما معنى أبيات لبيد، فإنه أراد: من يسق الله إليه خيرا، أو يصرف عنه شرّا أيّهما فعل ذلك به أسبغ له حتى ينتهى منتهاه.
فأما بيت طفيل الغنوىّ، فمعناه أنّ هذا الفحل الّذي وصفه بأنه كميت، وأنه كركن الباب لتمامه وشدّته لمّا ضرب فى الإبل التى وصفها عاشت أولادها التى هى بناته بعد أن كنّ مقاليت، والمقاليت: التى لا يعيش لهنّ ولد، فكان هذا منه أثرا جميلا عليها.
فأما بيت الراعى فمعنى قوله: «ضعيف العصا» يريد أنّه قليل الضّرب لها؛ إما لأنّهن لا يحوجنه سدادا وتأدبا، أو لشفقته عليهن؛ وهذه كناية فى نهاية الحسن، واختصار شديد؛ لأنّه قد يجوز أن يكون ضعيف العصا على الحقيقة من حيث لا يحتاج إلى استعمالها/ فى الضرب، فيختارها قوية، ويجوز أن يكون حذف، وأراد ضعيف فعل العصا.
وقوله: «بادى العروق» يعنى عروق رجله لفسادها من السعى فى أثر هذه الإبل. وأراد «بالإصبع» أنّ له عليها فى جدب الناس أثرا جميلا لحسن قيامه وتعهده.
وقد قيل إنه إنما سمّى الراعى لبيت قاله فى هذه القصيدة بعد بيتين من البيت الّذي أنشدناه، وهو:
لها أمرها حتّى إذا ما تبوّأتبأخفافها مأوى تبوّأ مضجعا
وهذا قول الأصمعىّ. وقال السّكّريّ: سمّى بذلك لقوله فى هذه القصيدة أيضا:
هدان أخو وطب وصاحب علبةيرى المجد أن يلقى خلاء ومرتعا
وروى عن بعض بنى نمير أنه قال: إنما سمّى بذلك لقوله:
بنيت مرافقهنّ فوق مزلّةلا يستطيع بها القراد مقيلا
فقال بعض بنى نمير لمّا سمع هذا البيت: والله ما هو إلّا راعى إبل، فبقيت عليه.
وقال محمد بن سلّام: إنما سمّى الراعى لكثرة وصفه الإبل وحسن نعته لها؛ واسمه عبيد ابن حصين بن جندل، وكنيته أبو جندل، وقيل أبو نوح.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع