تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل آية [: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ

]

إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ؛.

فقال: أىّ معنى لقوله: بِأَفْواهِهِمْ ومعلوم أنّ القول لا يكون إلا بالأفواه؟.

الجواب، قلنا: المقول يحتمل معنيين فى لغة العرب: أحدهما القول باللّسان، والآخر بالقلب، فالقول الّذي يضاف إلى القلب هو الظّنّ والاعتقاد، ولهذا المعنى ذهبت العرب بالقول مذهب الظّن/ فقالوا: أتقول عبد الله خارجا؟ ومتى تقول محمدا منطلقا؟ يريدون: متى تظن؟

قال الشاعر:

أما الرّحيل فدون بعد غدفمتى تقول الدّار تجمعنا!
للشاعر أبو الحسن بن حريق، من قصيدة «وتقول والعبرات سائلة»

أراد: فمتى تظن الدار! وقال الآخر:

أجهّالا تقول بنى لؤىّلعمر أبيك أم متجاهلينا!

أراد: تظن بنى لؤىّ، وقال توبة بن الحميّر:

ألا يا صفىّ النّفس كيف تقولهالو أنّ طريدا خائفا يستجيرها
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «نأتك بليلى دارها لا تزورها»
تخبّر إن شطّت بها غربة النّوىستنعم ليلى أو يفكّ أسيرها

أراد: كيف تظنها؟ فلما كان القول يستعمل فى الأمرين معا أفاد قوله تعالى: بِأَفْواهِهِمْ قصر المعنى على ما يكون باللسان دون القلب، ولو أطلق القول، ولم يأت بذكر الأفواه لجاز أن يتوهّم المعنى الآخر:

ومما يشهد لذلك قوله تعالى: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ؛، فلم يكذّب الله تعالى قول ألسنتهم: لأنهم لم يخبروا بأفواههم إلّا بالحق، بل كذّب

ما يرجع إلى قلوبهم من الاعتقادات.

ووجه آخر وهو أن تكون الفائدة فى قوله تعالى: بِأَفْواهِهِمْ أنّ القول لا برهان عليه، وأنه باطل كذب لا يرجع فيه إلّا إلى مجرّد القول باللسان؛ لأن الإنسان قد يقول بلسانه الحقّ والباطل، وإنما يكون قوله حقّا إذا كان راجعا إلى قلبه، فتكون إضافة القول إلى اللسان تقتضى ما ذكرناه من الفائدة، وهذا كما يقول القائل لمن يشكّ فى قوله أو يكذبه:

هكذا تقول بلسانك، وليس الشأن فيما تقوله وتتفوّه به وتقلّب به لسانك؛ فكأنّهم أرادوا أن يقولوا: هذا قول لا برهان عليه، فأقاموا قولهم: هكذا تقول بلسانك، وإنما يقولون كذا بأفواههم مقام ذلك؛ والمعنى أنه قول لا تعضده حجّة ولا برهان، ولا يرجع فيه إلا إلى اللسان.

ووجه آخر، وهو/ أن تكون الفائدة فى ذلك التأكيد، فقد جرت به عادة العرب فى كلامها، وما تقدم من الوجهين أولى؛ لأنّ حمل كلامه تعالى على الفائدة أولى من حمله على ما تسقط معه الفائدة.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.