من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل آية أخرى [: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ؛.
فقال: أىّ معنى لردّ الأيدى فى الأفواه؟ وأىّ مدخل لذلك فى التكذيب بالرسل ﵈؟
الجواب، قلنا فى ذلك وجوه:
أولها أن يكون إخبارا عن القوم بأنّهم ردّوا أيديهم فى أفواههم، عاضّين عليها غيظا وحنقا على الأنبياء، كما يفعل
المتوعّد لغيره، المبالغ فى معاندته ومكايدته؛ وهذه عادة معروفة فى المغيظ المحنق أنّه يعضّ على أصابعه، ويفرك أنامله، ويضرب بإحدى يديه على الأخرى؛ وما شاكل ذلك من الأفعال.
وثانيها أن تكون الهاء فى الأيدى للكفار المكذّبين، والهاء التى فى الأفواه للرسل ﵈؛ فكأنّهم لمّا سمعوا وعظ الرسل ودعاءهم وإنذارهم أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل، مانعين لهم عن الكلام كما يفعل المسكّت منّا لصاحبه، الرّادّ لقوله.
وثالثها أن تكون الهاء فى الأيدى والتى فى الأفواه معا للرسل؛ والمعنى أنهم كانوا يأخذون أيدى الرسل فيضعونها على أفواههم ليسكتوهم، ويقطعوا كلامهم.
ورابعها أن تكون الهاءان جميعا يرجعان إلى الكفار لا إلى الرسل؛ فيكون المعنى أنّهم إذا سمعوا وعظهم وإنذارهم وضعوا أيدى أنفسهم على أفواههم؛ مشيرين لهم بذلك إلى الكفّ عن الكلام والإمساك عنه؛ كما يفعل من يريد منّا أن يسكّت غيره، ومنعه من الكلام، من وضع إصبعه على فى نفسه.
وخامسها أن يكون المعنى: فردّوا القول بأيدى أنفسهم إلى أفواه الرّسل، أى أنّهم كذّبوهم، ولم يصغوا إلى أقوالهم، فالهاء الأولى للقوم، والثانية للرسل؛ والأيدى إنما ذكرت مثلا وتأكيدا؛ كما يقول القائل: أهلك فلان نفسه بيده، أى وقع الهلاك به من جهته، لا من جهة غيره.
وسادسها أن المراد بالأيدى النعم وفِي محمولة على الباء، والهاء الثانية للقوم المكذبين والتى قبلها للرّسل، والتقدير: فردّوا بأفواههم نعم الرّسل؛ أى ردّوا وعظهم وإنذارهم وتنبيههم على مصالحهم الّذي لو قبلوه لكان نعما عليهم.
ويجوز أيضا أن تكون الهاء التى فى الأيدى للقوم الكفار، لأنها نعم من الله تعالى عليهم، فيجوز إضافتها إليهم وحمل لفظة فِي على معنى الباء جائز لقيام بعض الصّفات مقام بعض؛ يقولون: رضيت عنك، ورضيت عليك وحكى فى لغة طيئ: أدخلك الله بالجنة، يريدون فى الجنة، فيعبرون بالباء عن معنى «فى»؛ كذلك أيضا يصح أن يعبروا بقى عن الباء؛ قال الشاعر:
وأرغب فيها عن لقيط ورهطهولكنّنى عن سنبس لست أرغب
أراد: وأرغب بها فحمل «فى» على الباء.
وسابعها- وهو جواب اختاره أبو مسلم بن بحر، وزعم أنّه أولى من غيره- قال المضمرون فى قوله: أَيْدِيهِمْ الرسل، وكذلك المضمرون فى أَفْواهِهِمْ، والمراد باليد هاهنا ما نطق به الرسل من الحجج والبيّنات التى ذكر الله تعالى أنهم جاءوا بها قومهم؛ واليد فى كلام العرب قد تقع على النعمة وعلى السلطان أيضا، وعلى الملك، وعلى العهد والعقد؛ ولكل ذلك شاهد من كلامهم؛ والّذي أتى به الأنبياء قومهم هو الحجة والسلطان، وهو النعمة، وهو العهد، وكلّ ذلك يقع عليه اسم اليد. ولمّا كان ما يعظ به الأنبياء قومهم وينذرونهم به إنما يخرج من أفواههم، فردوه وكذبوه قيل: إنهم ردّوا أيديهم فى أفواههم، أى أنهم ردّوا القول من حيث جاء قال: ولا يجوز أن يكون الضمير فى ذلك للمرسل إليهم كما تأوله بعض المفسرين، وذكر أن معناه أنهم عضّوا عليهم أناملهم غيظا؛ لأن رافع يده إلى فيه، والعاضّ عليها لا يسمّى رادّا ليده إلى فيه، إلا إذا كانت يده فى فيه فيخرجها ثم يردّها.
قال سيدنا الشريف أدام الله علوّه: وليس ما استنكره أبو مسلم من رد الأيدى إلى الأفواه بمستنكر ولا بعيد، لأنه قد يقال: ردّ يده إلى فيه، وإلى وجهه، وعاد فلان يقول كذا، ورجع يفعل كذا؛ وإن لم يتقدم ذلك الفعل منه. ولو لم يسغ هذا القول تحقيقا؛ لساغ تجوّزا واتساعا؛ وليس يجب أن تؤخذ العرب بالتحقيق فى كلامها؛ فإن تجوّزها/ واستعاراتها أكثر، على أنه يمكن أن يكون المراد بذلك أنهم فعلوا ذلك الفعل شيئا بعد شيء، وتكرّر منهم، فلهذا جاز أن يقول: ردّوا أيديهم فى أفواههم، لأنه قد تقدم منهم مثل هذا الفعل، فلما تكرّر جازت العبارة عنه بالرّد، وهذا يبطل استضعافه للجواب إذا صرنا إلى مراده.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع