من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل خبر [: خبر النبي ﵇ حين سمع رجلا ينشد شعرا لسويد بن عامر وتأويل ما ورد فيه الغريب]
روى أن مسلما الخزاعىّ ثم المصطلقىّ قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وآله- وقد أنشده منشد قول سويد بن عامر المصطلقى:
لا تأمننّ وإن أمسيت فى حرمإنّ المنايا بكفّى كلّ إنسان
واسلك طريقك تمشى غير مختشعحتّى تبيّن ما يمنى لك المانى
فكلّ ذى صاحب يوما يفارقهوكلّ زاد وإن أبقيته فان
والخير والشّرّ مقرونان فى قرنبكلّ ذلك يأتيك الجديدان
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «لو أدركته لأسلم»، فبكى مسلم، فقال له ابنه:
يا أبه، ما يبكيك من مشرك مات فى الجاهلية! فقال: يا بنيّ، لا تفعل فما رأيت مشركة تلقّفت من مشرك خيرا من سويد.
قوله: «ما يمنى لك المانى» معناه ما يقدّر لك القادر؛ قال الفرّاء: يقال: منى الله عليه الموت؛ أى قدّر الله عليه الموت. وقال يعقوب: مناك الله بما يسرّك، أى قدّر الله لك ما يسرّك، وأنشد:
لعمر أبى عمرو لقد ساقه المنىإلى جدث يوزى له بالأهاضب
وقال ابن الأعرابىّ: ساقه المنى، أى ساقه القدر؛ وأنشد ابن الأعرابىّ:
منت لك أن تلاقينى المناياأحاد أحاد فى الشّهر الحلال
معناه قدّرت لك.
وقال أبو عبيدة فى قوله تعالى: مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى؛، معناه إذا تخلق وتقدّر.
وقال بعض أهل اللغة: إنّما سمى «منّى» لما يمنى فيه من ثواب الله تعالى؛ أى يقدّر فيه؛ وقيل أيضا بما يمنى فيه من الدّم؛ وقيل: إنما سمى بذلك لأن إبراهيم ﵇ لما انتهى إليه قال له الملك: تمنّ، قال: أتمنّى الجنة، فسمى منى لذلك. ومنى يذكر ويؤنث، والتذكير أجود، قال الشاعر فى التذكير:
/ سقى منى ثم روّاه وساكنهومن ثوى فيه واهى الودق منبعق
وقال آخر فى التأنيث:
ليومنا بمنى إذ نحن ننزلهاأسرّ من يومنا بالعرج أو ملل
فأما قوله:
والخير والشّرّ مقرونان فى قرن
فالقرن الحبل؛ وأراد أنهما مجموعان لا يفترقان؛ من حيث لا يكاد يصيب الإنسان فى الدنيا خير صرف لا شرّ فيه؛ فلهذا قال إنهما مقرونان. ويجوز أيضا أن يريد أنّ لسرعة تقلّب الدنيا وإبدالها الخير بالشر كأن الخير والشرّ مقرونان مجموعان معا، لتقارب ما بينهما.
فأما الجديدان، فهما اللّيل والنهار، وهما أيضا الأجدّان، والملوان، والفتيان، والرّدفان، والعصران؛ قال الشاعر:
إنّ الجديدين فى طول اختلافهمالا يفسدان ولكن يفسد النّاس
وقال آخر:
وأمطله العصرين حتّى يملّنىويرضى بنصف الدّين والأنف راغم
وقال أبو عبيدة: ويقال الليل والنهار ابنا سبات، وأنشد ابن الأعرابىّ:
وكنّا وهم كابنى سبات تفرّقاسوى ثمّ كانا منجدا وتهاميا
ويقال للغداة والعشىّ: القرّتان، والبردان، والصّرعان.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع