من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
طرف من أخبار حارثة بن بدر وبعض نوادره:
ومن مستحسن قول حارثة:
ولقد وليت إمارة فرجعتهافى المال سالمة ولم أتموّل
ولقد منعت النّصح من متقبّلولقد رفدت النّصح من لم يقبل
/ فبأىّ لمسة لامس لم ألتمسوبأىّ حيلة حائل لم أحتل
يا طالب الحاجات يرجو نجحهاليس النجاح مع الأخفّ الأعجل
فاصدق إذا حدّثت تكتب صادقاوإذا حلفت مماريا فتحلّل
- معنى «تكتب صادقا»، أى تكون عند الله صادقا. وقوله: «فتحلّل» أى استثن-
وإذا رأيت الباهشين إلى العلىغبرا أكفّهم بريث فاعجل
- معنى الباهشين: المادّين أيديهم إلى الشيء المهتشّين له-
واحذر مكان السّوء لا تحلل بهوإذا نبا بك منزل فتحوّل
وإذا ابن عمّك لجّ بعض لجاجةفانظر به عدة ولا تستعجل
وإذا افتقرت فلا تكن متخشّعاترجو الفواضل عند غير المفضل
واستغن ما أغناك ربّك بالغنىوإذا تكون خصاصة فتجمّل
وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدّثنا محمد بن أبى الأزهر قال حدثنا محمد بن يزيد
النحوىّ قال: كان حارثة بن بدر الغدانىّ رجل تميم فى وقته، وكان قد غلب على زياد، وكان الشراب قد غلب عليه، فقيل لزياد: إن هذا قد غلب عليك، وهو مستهتر بالشراب؛ فقال زياد: كيف باطّراح رجل هو يسايرنى مذ دخلت العراق، لم يصكك ركابى ركاباه، ولا تقدمنى فنظرت إلى قفاه، ولا تأخّر عنى فلويت عنقى إليه، ولا أخذ عليّ الشمس فى شتاء قط، ولا الرّوح فى صيف قطّ، ولا سألته عن علم إلا ظننته لا يحسن غيره! فلما مات
زياد جفاه ابنه عبيد الله، فقال له حارثة: أيها الأمير، ما هذا الجفاء مع معرفتك بالحال عند أبى المغيرة! فقال له عبيد الله: إن أبا المغيرة قد كان برع بروعا لا يلحقه معه عيب، وأنا حدث، وإنما أنسب إلى من يغلب عليّ، وأنت رجل تديم الشّراب، فمتى قرّبتك وظهرت منك رائحة الشراب لم آمن أن يظنّ بى، فدع الشراب، وكن أول داخل عليّ، وآخر خارج، فقال له حارثة: أنا لا أدعه لمن يملك ضرّى ونفعى، أفدعه للحال عندك! قال: فاختر من عملى ما شئت. قال: تولينى/ رامهرمز، فإنها أرض عذاة، وسرّق؛ فإن بها شرابا وصف لى. فولّاه إياها، فلما شيّعه الناس قال أنس بن أبى أنيس - وقيل: ابن أبى إياس الدّيلىّ:
أحار بن بدر قد وليت إمارةفكن جرذا فيها تخون وتسرق
ولا تحقرن يا حار شيئا وجدتهفحظّك من ملك العراقين سرّق
وباه تميما بالغنى إنّ للغنىلسانا به العىّ الهيوبة ينطق
فإنّ جميع النّاس؛ إمّا مكذّبيقول بما يهوى، وإما مصدّق
يقولون أقوالا ولا يعلمونهافإن قيل هاتوا حقّقوا لم يحقّقوا
وهذه الأبيات تروى لأبى الأسود الدّؤليّ، وأنه كتب بها إلى حارثة لما ردّت إليه سرّق، ويزاد فيها:
وكن حازما فى اليوم إنّ الّذي بهيجئ غد يوم على الناس مطبق
ولا تعجزن فالعجز أوطأ مركبوما كلّ من يدعو إلى الخير يرزق
إذا ما دعاك القوم عدوّك آكلاوكل حار أوجع؛ لست ممّن يحمّق
ويقال إن حارثة بن بدر أجاب عن هذه الأبيات بقوله:
جزاك إله الناس خير جزائهفقد قلت معروفا وأوصيت كافيا
أشرت بأمر لو أشرت بغيرهلألفيتنى فيه لرأيك عاصيا
ويقال إن حارثة بن بدر والأحنف بن قيس دخلا على ابن زياد، فقال لحارثة: أىّ الشراب أطيب؟ وكان يتّهم، فقال: برّة طاسارية، وأقطة غنويّة، وسمنة عنبريّة، وسكّرة سوسية، ونطفة مسرقانيّة. فقال للأحنف: يا أبا بحر، ما أطيب الشراب؟ قال:
الخمر، قال: وما يدريك ولست من أهلها؟ قال: رأيت فيها خصلتين عرفت أنها أطيب الشراب بهما، قال: وما هما؟ قال: رأيت من أحلّت له لا يتعدّاها إلى غيرها، ومن حرّمت عليه يتناولها، فعرفت أنها أطيب الشراب.
ولحارثة بن بدر يخاطب عبيد الله بن زياد لما تغيّر عليه بعد اختصاصه كان بأبيه:
/ أهان وأقصى ثمّ تنتصحوننىوأىّ امرئ يعطى نصيحته قسرا!
رأيت الأكفّ المصلتين عليكمملاء، وكفّى من عطاياكم صفرا
وإنى مع السّاعى إليكم بسيفهإذا أحدث الأيّام فى عظمكم كسرا
متى تسألونى ما عليّ وتمنعوا اللذى لى لا أسطع على ذلكم صبرا
وقال يعاتبه:
وكم من أمير قد تجبّر بعد مامريت له الدّنيا بسيفى فدرّت
إذا زبنته عن فواق أتت بهدعانى ولا ادعى إذا ما أقرّت
إذا ما هى احلولت محا حقّ مقسمىويقسم لى منها إذا ما أمرّت
زبنته: أى دفعته عن أن يحلبها. والفواق: اجتماع اللّبن فى الضّرع بين الحلبتين.
ومعنى أقرت: تركته يحلبها.
ويشبه أبيات حارثة هذه قول عبد الله بن الزّبير الأسدىّ يعاتب معاوية ومروان وأهل بيته؛ من جملة قصيدة، وهى أبيات قوية جدّا:
عطاؤكم للضّاربين رقابكموندعى إذا ما كان حزّ الكراكر
أنحن أخوكم فى المضيق وسهمناإذا ما قسمتم فى الحظاء الأصاغر
- الحظاء: سهام صغار-
وثديكم الأدنى إذا ما سألتمونلقى بثدى حين نسأل باسر
وإن كان فينا الذّنب فى الناس مثلهأخذنا به من قبل ناه وآمر
- معنى «من قبل ناه وآمر»، أى من قبل أن ننهى عنه أو نؤمر به، أى باجتنابه-
وإن جاءكم منّا غريب بأرضكملويتم له يوما جنوب المناخر
فهل يفعل الأعداء إلّا كفعلكمهوان السّراة وابتغاء العواثر
وغيّر نفسى عنكم ما فعلتموذكر هوان منكم متظاهر
جفاؤكم من عالج الحرب عنكموأعداؤكم من بين جاب وعاشر
فلا تسألونى عن هواى وودّكموقل فى فؤاد قد توجّه نافر
ولحارثة يرثى زيادا:
لهفى عليك للهفة من خائفيبغى جوارك حين ليس مجير
أمّا القبور فإنّهنّ أوانسبجوار قبرك والدّيار قبور
عمّت فواضله فعمّ مصابهفالنّاس فيه كلّهم مأجور
ردّت صنائعه إليه حياتهفكأنّه من نشرها منشور
قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوّه: وأظن أبا تمام الطائىّ نظر إلى قول حارثة ابن بدر «ردت صنائعه إليه حياته» فى قوله:
ألم تمت يا شقيق النّفس مذ زمن؟فقال لى: لم يمت من لم يمت كرمه
وأخبرنا عليّ بن محمد الكاتب قال: أخبرنا ابن دريد قال: أخبرنا عبد الرحمن- يعنى ابن أخى الأصمعىّ عن عمه قال: مرّ حارثة بن بدر الغدانىّ، ومعه كعب مولاه، فجعل لا يمرّ
بمجلس من مجالس تميم إلّا قالوا: مرحبا بسيدنا. فقال كعب: ما سمعت كلاما قطّ هو أقرّ لعينى، وألذّ فى سمعى مما سمعته اليوم! فقال حارثة: ولكنّى ما سمعت كلاما قطّ هو أكره إلى منه، ثم قال:
ذهب الرّجال فسدت غير مدافعومن الشّقاء تفرّدى بالسّؤدد
وهذا البيت يقال إنه لحارثة، لا أنه تمثّل به.
وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنى عبد الله بن جعفر قال حدثنا محمد بن يزيد قال قال الكنانىّ: مرّ حارثة بن بدر بالأحنف بن قيس فقال: لولا أنّك مستعجل لشاورتك، قال له: أجل، كانوا يكرهون أن يشاور الجائع حتى يشبع، والظمآن حتى ينقع، والمضلّ حتى يجد، والغضبان حتى يرضى، والمحزون حتى يفيق.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع