من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل آية: [وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها
]
/ إن سأل سائل عن قوله تعالى فى قصة يوسف ﵇: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ؛.
فقال: هل يسوغ ما تأوّل بعضهم هذه الآية عليه من أن يوسف ﵇ عزم على المعصية وأرادها، وأنه جلس مجلس الرجل من المرأة، ثم انصرف عن ذلك بأن رأى صورة أبيه يعقوب ﵇ عاضّا على إصبعه، متوعّدا له على مواقعة المعصية، أو بأن نودى له بالنهى والزّجر فى الحال على ما ورد به الحديث؟
الجواب، قلنا: إذا ثبت بأدلّة العقول التى لا يدخلها الاحتمال والمجاز ووجوه التأويلات أنّ المعاصى لا تجوز على الأنبياء ﵈ صرفنا كل ما ورد ظاهره بخلاف ذلك من كتاب أو سنة إلى ما يطابق الأدلة ويوافقها، كما نفعل مثل ذلك فيما يرد ظاهره مخالفا لما تدل عليه العقول من صفاته تعالى، وما يجوز عليه أو لا يجوز.
ولهذه الآية وجوه من التأويل؛ كلّ واحد منها يقتضي نزاهة نبى الله تعالى من العزم على الفاحشة وإرادة المعصية.
أوّلها أنّ الهمّ فى ظاهر الآية متعلّق بما لا يصح أن يعلّق به العزم أو الإرادة على الحقيقة؛ لأنه تعالى قال: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها، فعلّق الهمّ بهما، وذاتاهما لا يجوز أن يراد أو يعزم عليهما؛ لأنّ الموجود الباقى لا يصحّ ذلك فيه، فلا بدّ من تقدير محذوف يتعلّق العزم به؛ وقد يمكن أن يكون ما تعلّق به همّه إنما هو ضربها أو دفعها عن نفسه، كما
يقول القائل: كنت هممت بفلان، وقد همّ فلان بفلان؛ أى بأن يوقع به ضربا أو مكروها.
فإن قيل: فأىّ معنى لقوله تعالى: لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ والدفع لها عن نفسه طاعة لا يصرف البرهان عنها؟
قلنا: يمكن أن يكون الوجه فى ذلك أنه لما همّ بدفعها وضربها أراه الله برهانا على أنه إن أقدم على ما همّ به أهلكه أهلها وقتلوه، أو أنها تدّعى عليه المراودة على القبيح وتقذفه بأنه دعاها إليه، وأنّ ضربه؟ ؟ ؟ ؟ ؟ لامتناعها، فيظنّ به ذلك من لا تأمّل له، ولا علم بأنّ مثله لا يجوز عليه، فأخبر الله تعالى بأنه صرف بالبرهان عنه السوء والفحشاء، ويعنى بذلك القتل والمكروه اللّذين كانا يوقعان به، لأنهما يستحقان الوصف بذلك من حيث القبح، أو يعنى بالسوء والفحشاء ظنّهم به ذلك.
فإن قيل: هذا الجواب يقتضي أنّ جواب فَلَوْلا يتقدّمها، ويكون التقدير: لولا أن رأى برهان ربّه لهمّ بضربها
ودفعها، وتقدّم جواب فَلَوْلا قبيح غير مستعمل، أو يقتضي أن تكون فَلَوْلا بغير جواب.
قلنا: أما تقدّم جواب فَلَوْلا فجائز، وسنذكر ما فيه عند الجواب المختص بذلك، غير أنّا لا نحتاج إليه فى هذا الجواب، لأنّ الهمّ بالضرب قد وقع، إلا أنه انصرف عنه بالبرهان؛ والتقدير: ولقد همت به وهمّ بدفعها لولا أن رأى برهان ربه لفعل ذلك، فالجواب فى الحقيقة محذوف، والكلام يقتضيه، كما حذف الجواب فى قوله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ؛، معناه: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لهلكتم، ومثله: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ. لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ؛، معناه: لو تعلمون علم اليقين لم تتنافسوا فى الدنيا، وتفاخروا بها؛ وقال امرؤ القيس:
فلو أنّها نفس تموت سويّةولكنها نفس تساقط أنفسا
أراد: فلو أنّها نفس تموت سويّة لانقضت وفنيت، فحذف الجواب؛ على أنّ من تأوّل هذه الآية على الوجه الّذي لا يليق بنبىّ الله تعالى، وأضاف العزم على المعصية إليه لا بد له من تقدير جواب محذوف، ويكون التقدير عنده: ولقد همّت بالزّنا وهمّ به؛ لولا أن رأى برهان ربه لفعله.
فإن قيل قوله: هَمَّ بِها كقوله: هَمَّتْ بِهِ فلم جعلتم همّها به متعلّقا بالقبيح وهمّه بها متعلقا بما ذكرتم من الضرب وغيره؟
قلنا: أما الظاهر فلا يدلّ على ما تعلق به الهم والعزم فيهما جميعا، وإنما أثبتنا همّها به متعلّقا بالقبيح، لشهادة الكتاب والآثار؛ وهى ممن يجوز عليه فعل القبيح، ولم يؤمن دليل من امتناعه عليها؛ كما أمن ذلك فيه ﵇.
والموضع الّذي يشهد بذلك من الكتاب قوله تعالى: وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ/ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ إلى قوله: إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ،، وقوله تعالى: وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ، وقوله تعالى: الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وفى موضع آخر: قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ.
والآثار واردة بإطباق مفسّرى القرآن ومتأوّليه على أنها همت بالفاحشة والمعصية.
والوجه الثانى فى تأويل الآية أن يحمل الكلام على التقديم والتأخير، ويكون تلخيصه:
ولقد همت به، ولولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها؛ ويجرى ذلك مجرى قولهم: قد كنت هلكت لولا أنى تداركتك، وقتلت لولا أنى خلّصتك، والمعنى: لولا تداركى لهلكت، ولولا تخليصى لقتلت، وإن لم يكن وقع هلاك ولا قتل؛ قال الشاعر:
فلا يدعنى قومى صريحا لحرّةلئن كنت مقتولا، ويسلم عامر
وقال آخر:
فلا يدعنى قومى صريحا لحرةلئن لم أعجّل طعنة أو أعجّل
فقدم جواب فَلَوْلا فى البيتين جميعا، وقد استشهد عليه أيضا بقوله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ، والهمّ لم يقع لمكان فضل الله ورحمته.
ومما يشهد لهذا التأويل أنّ فى الكلام شرطا، وهو قوله تعالى: لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ؛ فكيف يحمل على الإطلاق، مع حصول الشرط؟ وليس لهم أن يجعلوا جواب لَوْلا محذوفا مقدّرا لأن جعل جوابها موجودا أولى.
وقد استبعد قوم تقديم جواب لَوْلا عليها، قالوا: ولو جاز ذلك لجاز: «قام زيد لولا عمرو»، و «قصدتك لولا بكر» وقد بيّنّا بما أوردناه من الأمثلة والشواهد جواز تقديم جواب لَوْلا، والّذي ذكروه لا يشبه ما أجزناه.
وقد يجوز أن يقول القائل: «قد كان زيد قام لولا كذا وكذا»، و «قد كنت قصدتك لولا أن صدّنى فلان»، وإن لم يقع قيام ولا قصد؛ وهذا/ هو الّذي يشبه الآية؛ وليس تقديم
جواب لَوْلا بأبعد من حذف جواب لَوْلا جملة من الكلام. وإذا جاز عندهم الحذف- لئلا يلزمهم تقديم الجواب- جاز
لغيرهم تقديم الجواب حتى لا يلزم الحذف.
والجواب الثالث ما اختاره أبو عليّ الجبّائىّ- وإن كان غيره قد تقدمه إلى معناه- وهو أن يكون معنى هَمَّ بِها اشتهاها، ومال طبعه إلى ما دعته إليه. وقد يجوز أن تسمّى الشهوة فى مجاز اللغة همّا؛ كما يقول القائل فيما لا يشتهيه: ليس هذا من همّى، وهذا أهمّ الأشياء إلى؛ ولا قبح فى الشهوة لأنها من فعل الله تعالى فيه؛ وإنما يتعلق القبح بتناول المشتهى.
وقد روى هذا التأويل عن الحسن البصرىّ قال: أما همّها فكان أخبث الهم، وأما همّه فما طبع عليه الرجال من شهوة النساء، ويجب على هذا الوجه أن يكون قوله تعالى: لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ، متعلق بمحذوف؛ كأنه قال: لولا أن رأى برهان ربه لعزم أو فعل.
والجواب الرابع، أنّ من عادة العرب أن يسمّوا الشيء باسم ما يقع عنده فى الأكثر، وعلى هذا لا ينكر أن يكون المراد ب هَمَّ بِها خطر بباله أمرها، ووسوس إليه الشيطان بالدعاء إليها؛ من غير أن يكون هناك همّ أو عزم، فسمّى الخطور بالبال همّا من حيث كان الهمّ يقع فى الأكثر عنده، والعزم فى الأغلب يتبعه.
وإنما أنكرنا ما ادّعاه جهلة المفسرين ومحرّفو القصّاص، وقرفوا به نبى الله ﵇، لما فى العقول من الأدلة على أن مثل ذلك لا يجوز على الأنبياء ﵈؛ من حيث كان منفّرا عنهم، وقادحا فى الغرض المجرى إليه بإرسالهم؛ والقصّة تشهد بذلك؛ لأنه تعالى قال: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ؛ ومن أكبر السوء والفحشاء العزم على الزنا، ثم الأخذ فيه، والشروع فى مقدماته؛ وقوله تعالى أيضا: إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ يقتضي تنزيهه
عن الهمّ بالزّنا، والعزم عليه. وحكايته عن النسوة قولهن: حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ؛، تدل أيضا على براءته من القبيح.
فأما البرهان الّذي رآه فيحتمل أن يكون لطفا لطف الله له به فى تلك الحال أو قبلها، اختار عنده الانصراف عن المعاصى، والتنزه عنها.
ويحتمل أيضا/ ما ذكره أبو عليّ، وهو أن يكون البرهان دلالة الله تعالى له على تحريم ذلك عليه، وعلى أنّ من فعله يستحق العقاب. وليس يجوز أن يكون البرهان ما ظنّه الجهّال من رؤية صورة أبيه يعقوب ﵇
متوعّدا له، أو النداء له بالزجر والتخويف، لأنّ ذلك ينافى المحنة، وينقض الغرض بالتكليف، ويقتضي ألّا يستحق على امتناعه وانزجاره مدحا ولا ثوابا؛ وهذا سوء ثناء على الأنبياء، وإقدام على قرفهم بما لم يكن منهم، ونحمد الله على حسن التوفيق.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع