من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
أخبار متفرقة لإبراهيم بن العباس الصولى وذكر طائفة من شعره:
روى أحمد بن عبد الله بن العباس الصولىّ الملقب بطماس قال: كنت يوما عند عمّى إبراهيم بن العباس، فدخل عليه رجل فرفعه حتى جلس إلى جانبه، أو قريبا من ذلك، ثم حادثه إلى أن قال عمى: يا أبا تمام؛ ومن بقى ممن يعتصم به ويلجأ إليه؟ قال: أنت لا عدمت- وكان إبراهيم طويلا- أنت والله كما قيل:
يمدّ نجاد السّيف حتّى كأنّهبأعلى سنامى فالج يتطوّح
ويدلج فى حاجات من هو نائمويورى كريمات النّدى حين يقدح
إذا اعتمّ بالبرد اليمانىّ خلتههلالا بدا فى جانب الأفق يلمح
يزيد على فضل الرّجال فضيلةويقصر عنه مدح من يتمدّح
فقال له إبراهيم: أنت تحسن قائلا، وراويا، ومتمثلا؛ فلما خرج تبعته وقلت له: اكتبني الأبيات، فقال: هى لأبى الجويرية العبدىّ فخذها من شعره.
وروى عن يحيى بن البحترىّ قال: رأيت أبى يذاكر جماعة من أمراء أهل الشام بمعان من الشعر، فمرّ فيها ذكر قلة نوم العاشق وما قيل فيه، فأنشدوا إنشادات كثيرة، فقال لهم أبى: قد فرغ من هذا كاتب كان بالعراق فقال:
أحسب النوم حكاكاإذ رأى منك جفاكا
منّى الصّبر ومنك الهجر فابلغ بى مداكا
بعدت همّة عينطمعت فى أن تراكا
أو ما خطّ لعينىأن ترى من قد رآكا
ليت حظّى منك أن تعلم ما بى من هواكا
قال أبى: إنه تصرّف فى معان من الشعر فى هذه الأبيات، قال: وكتبها عنه جماعة من حضر؛ والأبيات لإبراهيم بن العباس الصولىّ.
وأخبرنا عليّ بن محمد الكاتب قال أخبرنا محمد بن يحيى الصولىّ قال: لما بايع المأمون لعلىّ ابن موسى الرّضا ﵉ بالعهد، وأمر الناس بلبس الخضرة صار إليه دعبل بن على
وإبراهيم بن العباس الصولى- وكانا صديقين لا يفترقان، فأنشده دعبل:
مدارس آيات خلت من تلاوةومنزل وحى مقفر العرصات
وأنشده إبراهيم بن العباس على مذهبها قصيدة، أولها:
أزالت عزاء القلب بعد التّجلّدمصارع أولاد النّبيّ محمّد
قال: فوهب لهما عشرين ألف درهم من الدراهم التى عليها اسمه، وكان المأمون أمر بضربها فى ذلك الوقت؛ فأما دعبل بن عليّ فصار بالشّطر منها إلى قمّ، فاشترى أهلها منه كلّ درهم بعشرة، فباع حصته بمائة ألف درهم.
وأما إبراهيم بن العباس فلم يزل عنده بعضها حتى مات؛ قال الصولىّ: ولم أقف من قصيدة إبراهيم على غير هذا البيت.
قال: وكان السبب فى ذهاب هذا الفن من شعره ما حدّثني به أبو العباس أحمد بن محمد بن الفرات والحسين بن عليّ الباقطانىّ قالا: كان إبراهيم بن العباس صديقا لإسحاق بن إبراهيم أخى زيدان الكاتب المعروف بالزّمن، فأنسخه شعره فى عليّ بن موسى الرّضا ﵉، وقد انصرف من خراسان، ودفع إليه شيئا بخطّه منه، وكانت النّسخة عنده إلى أن ولى المتوكل، وولى إبراهيم بن العباس ديوان الضّياع، وقد كان تباعد ما بينه وبين أخى زيدان، فعزله عن ضياع كانت فى يده بحلوان وغيرها وطالبه بمال وألحّ عليه، وأساء مطالبته، فدعا إسحاق بعض من يثق به من إخوانه، وقال له: امض إلى إبراهيم بن العباس، فأعلمه أنّ شعره فى عليّ بن موسى بخطّه عندى، وبغير خطّه، والله لئن استمرّ على ظلمى، ولم يزل عنّى المطالبة لأوصلنّ الشعر إلى المتوكل؛ قال: فصار الرجل إلى إبراهيم بن العباس، فأخبره بذلك، فاضطرب اضطرابا شديدا، وجعل الأمر/ فى ذلك إلى الواسطة فى ذلك حتى أسقط جميع ما كان طالبه به، وأخذ الشعر منه، وأحلفه أنه لم يبق عنده منه شيء، فلما حصل عنده أحرقه بحضرته.
وذكر أبو أحمد يحيى بن عليّ المنجم أنّ أباه عليّ بن يحيى كان الواسطة بينهما.
قال الصولىّ: وما عرفت من شعر إبراهيم فى هذا المعنى شيئا إلّا أبياتا؛ وجدتها بخط أبى قال: أنشدنى أخى لعمه فى عليّ بن موسى من قصيدة:
كفى بفعال امرئ عالمعلى أهله عادلا شاهدا
أرى لهم طارفا مونقاولا يشبه الطّارف التالدا
يمنّ عليكم بأموالكموتعطون من مائة واحدا
فلا حمد الله مستنصرايكون لأعدائكم حامدا
فضلت قسيمك فى قعددكما فضل الوالد الوالدا
قال الصولىّ: فنظرت فى قوله:
فضلت قسيمك فى قعدد
فوجدت عليّ بن موسى ﵉ والمأمون متساويين فى قعدد النسب، وهاشم التاسع من آبائهما جميعا.
وروى الصولىّ أنّ منشدا أنشد إبراهيم بن العباس وهو فى مجلسه فى ديوان الضّياع:
ربّما تكره النفوس من الأمر له فرجة كحلّ العقال
قال: فنكت بقلمه ساعة ثم قال:
ولربّ نازلة يضيق بها الفتىذرعا وعند الله منها مخرج
كملت فلما استحكمت حلقاتهافرجت وكان يظنّها لا تفرج
فعجب من جودة بديهته.
وأخبرنا أبو الحسن عليّ بن محمد الكاتب قال أخبرنى محمد بن يحيى الصولىّ قال حدثنى القاسم بن إسماعيل أبو ذكوان الراوية قال: كنت بالأهواز أيام الواثق، وإبراهيم بن العباس يلى معونتها وخراجها، فوصفت له بالأدب فأمر بإحضارى، فلما دخلت عليه قرّب مجلسى وقال: تسلّف أنس المطاولة؛ فإن الاستمتاع لا يتمّ إلّا به، فانبسطت وتساءلنا/ عن الأشعار، فما رأيت أحدا قطّ أعلم بالشعر منه، فقال لى: ما عندك فى قول النابغة:
ألم تر أنّ الله أعطاك سورةترى كلّ ملك دونها يتذبذب
فإنك شمس والملوك كواكبإذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب
فقلت: أراد تفضيله على الملوك، فقال: صدقت، ولكن فى الشعر خبء، وهو أنه اعتذر إلى النعمان من ذهابه إلى آل جفنة إلى الشام، ومدحه لهم، وقال: إنما فعلت هذا لجفائك بى، فإذا صلحت لى لم أرد غيرك، كما أنّ من أضاءت له الشمس لم يحتج إلى ضوء الكواكب؛ فأتى بمعنيين: بهذا، وبتفضيله، قال: فاستحسنت ذلك منه.
وكان إبراهيم بن العباس من أصدق الناس لأحمد بن أبى دؤاد، فعتب على ابنه أبى الوليد من شيء قدّمه، ومدح أباه وأحسن فى التخلّص كلّ الإحسان فقال:
عفّت مساو تبدّت منك واضحةعلى محاسن بقّاها أبوك لكا
لئن تقدّم أبناء الكرام بهلقد تقدّم أبناء اللّئام بكا
ولإبراهيم:
تمرّ الصّبا صفحا بساكن ذى الغضاويصدع قلبى أن يهبّ هبوبها
قريبة عهد بالحبيب وإنماهوى كلّ نفس حيث كان حبيبها
تطلّع من نفسى إليك نوازععوارف أنّ اليأس منك نصيبها
وأخذ هذا من قول ذى الرّمة:
إذا هبّت الأرواح من نحو جانببه آل ميّ هاج شوقى هبوبها
هوى تذرف العينان منه، وإنماهوى كلّ نفس حيث كان حبيبها
ولإبراهيم:
دنت بأناس عن تناء زيارةوشطّ بليلى عن دنوّ مزارها
وإنّ مقيمات بمنقطع اللّوىلأقرب من ليلى وهاتيك دارها
/ وأخذ ذلك من قول النظار الفقعسيّ:
يقولون هذى أم عمرو قريبةدنت بك أرض نحوها وسماء
ألا إنّما بعد الحبيب وقربهإذا هو لم يوصل إليه سواء
ووجدت بعض أهل الأدب يظنّ أن إبراهيم بن العباس سبق إلى هذا المعنى فى قوله:
كن كيف شئت وأنّى تشاوأبرق يمينا وأرعد شمالا
نجا بك لؤمك منجى الذّبابحمته مقاذيره أن ينالا
حتى رأيت مسلم بن الوليد قد سبق إلى هذا المعنى، فأحسن غاية الإحسان فقال:
أمّا الهجاء فدقّ عرضك دونهوالمدح عنك كما علمت جليل
فاذهب فأنت طليق عرضك إنّهعرض عززت به وأنت ذليل
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع