من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل آية [: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ
]
إن سأل سائل عن تأويل قوله تعالى: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ/ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ؛.
فقال: كيف يعذبهم بالأموال والأولاد، ومعلوم أن لهم فيها مسرورا ولذة؟ وما تأويل قوله تعالى: وَهُمْ كافِرُونَ وظاهره يقتضي أنه أراد كفرهم من حيث أراد أن تزهق أنفسهم فى حال كفرهم، لأن القائل إذا قال: أريد أن يلقانى فلان وهو لابس أو على صفة كذا وكذا، فالظاهر أنه أراد كونه على تلك الصفة؟
الجواب، قلنا: أما التعذيب بالأموال والأولاد ففيه وجوه:
أولها ما روى عن ابن عباس وقتادة، وهو أن يكون فى الكلام تقديم وتأخير، ويكون التقدير: فلا تعجبك يا محمد ولا تعجب المؤمنين معك أموال هؤلاء الكفار والمنافقين ولا أولادهم فى الحياة الدنيا؛ إنما يريد الله ليعذبهم بها فى الآخرة عقوبة لهم على منعهم حقوقها؛ واستشهد على ذلك بقوله تعالى: اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ؛، والمعنى: فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون، ثم تول عنهم؛ وأنشد فى ذلك قول الشاعر:
عشيّة أبدت جيد أدماء مغزلوطرفا يريك الإثمد الجون أحورا
يريد: وطرفا أحور يريك الإثمد الجون؛ وقد اعتمد هذا الوجه أيضا أبو عليّ قطرب، وذكره أبو القاسم البلخىّ
والزّجاج.
وثانيها أن يكون معنى التعذيب بالأموال والأولاد فى الدّنيا هو ما جعله للمؤمنين من قتالهم وغنيمة أموالهم وسبى أولادهم واسترقاقهم؛ وفى ذلك لا محالة إيلام لهم، واستخفاف بهم، وإنما أراد تعالى بذلك إعلام نبيه ﵇ والمؤمنين أنه لم يرزق الكفار الأموال والأولاد؛ ولم يبقها فى أيديهم كرامة لهم، ورضا عنهم؛ بل للمصلحة الداعية إلى ذلك، وأنهم مع هذه الحالة معذبون بهذه النعم من الوجه الّذي ذكرناه، فلا يجب أن يغبطوا، ويحسدوا عليها؛ إذ كانت هذه عاجلتهم، والعقاب الأليم فى النار آجلتهم؛ وهذا جواب أبى عليّ الجبائىّ.
وقد طعن عليه بعض من لا تأمّل له فقال: كيف يصح هذا التأويل، مع أنا نجد كثيرا من الكفّار لا تنالهم أيدى/ المسلمين، ولا يقدرون على غنيمة أموالهم، ونجد أهل الكتاب أيضا خارجين عن هذه الجملة لمكان الذّمة والعهد؟ وليس هذا الاعتراض بشيء، لأنه لا يمتنع أن تختص الآية بالكفار الذين لا ذمة لهم ولا عهد؛ ممن أوجب الله تعالى محاربته؛ فأما الذين لا تنالهم الأيدى، أو هم من القوة على حدّ لا يتم معه غنيمة أموالهم؛ فلا يقدح الاعتراض بهم فى هذا الجواب لأنهم ممن أراد الله تعالى أن يسبى ويغنم، ويجاهد ويغلب؛ وإن لم يقع ذلك؛ وليس فى ارتفاعه بالتعذّر دلالة على أنه غير مراد.
وثالثها أن يكون المراد بتعذيبهم بذلك كلّ ما يدخله فى الدنيا عليهم من الغموم والمصائب بأموالهم وأولادهم التى لهؤلاء الكفار المنافقين عقاب وجزاء، وللمؤمنين محنة وجالبة للعوض وللنفع.
ويجوز أيضا أن يراد به ما ينذر به الكافر قبل موته، وعند احتضاره، وانقطاع التكليف عنه مع أنه حىّ، من العذاب الدائم الّذي قد أعدّ له، وإعلامه أنه صائر إليه، ومنتقل إلى قراره؛ وهذا الجواب قد روى معنى أكثره عن قوم من متقدمى المفسرين، وذكره أبو عليّ الجبائىّ أيضا.
ورابعها [جواب] يحكى عن الحسن البصرىّ، واختاره الطبرىّ وقدّمه على غيره، وهو أن يكون المراد بذلك ما ألزمه هؤلاء الكفار من الفرائض والحقوق فى أموالهم؛ لأن ذلك يؤخذ منهم على كره، وهم إذا أنفقوا فيه أنفقوا بغير نيّة ولا عزيمة؛ فتصير نفقتهم غرامة وعذابا من حيث لا يستحقون عليها أجرا.
[قال السيد قدس الله روحه: وهذا وجه غير صحيح؛ لأن الوجه فى تكليف الكافر إخراج الحقوق من ماله كالوجه فى تكليف المؤمن ذلك؛ ومحال أن يكون إنما كلّف إخراج هذه الحقوق على سبيل العقاب والجزاء؛ لأن ذلك لا يقتضي وجوبه عليه]؛ والوجه فى تكليف الجميع هذه الأمور هو المصلحة واللطف فى التكليف.
ولا يجرى ذلك مجرى ما قلناه فى الجواب الّذي قبل هذا؛ من أن المصائب والغموم قد تكون للمؤمنين محنة، وللكافرين عقوبة؛ لأن تلك الأمور مما يجوز أن يكون وجه حسنها العقوبة والمحنة جميعا؛ ولا يجوز فى هذه الفرائض أن يكون لوجوبها على المكلّف إلا وجه واحد، وهو المصلحة فى الدّين، فافترق الأمران.
وليس لهم أن يقولوا: ليس التعذيب فى إيجاب الفرائض عليهم؛ [وإنما هو لإخراجهم أموالهم على وجه التكرّه والاستثقال]؛ وذلك أنه إذا كان الأمر على ما ذكروه خرج من أن يكون مرادا لله تعالى؛ لأنه جلّ وعز ما أراد منهم إخراج المال على هذا الوجه، بل على الوجه الّذي هو طاعة وقربة؛ فإذا أخرجوها متكرّهين مستثقلين لم يرد ذلك؛ فكيف يقول: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها! ويجب أن يكون ما يعذبون به شيئا يصحّ أن يريده الله تعالى.
وجميع هذه الوجوه التى حكيناها فى الآية- إلا جواب التقديم والتأخير- مبنيّة على أنّ
الحياة الدنيا ظرف للعذاب؛ فتحمّل كل متأوّل من القوم ضربا من التأويل؛ طابق ذلك.
وما يحتاج عندنا إلى جميع ما تكلّفوه، ولا إلى التقديم والتأخير إذا لم تجعل الحياة ظرفا للعقاب، بل جعلناها ظرفا للفعل الواقع بالأموال والأولاد؛ والمتعلّق بهما؛ لأنا قد علمنا أولا أنّ قوله: لِيُعَذِّبَهُمْ بِها لا بد من الانصراف عن ظاهره؛ لأن الأموال والأولاد أنفسها لا تكون عذابا؛ والمراد على سائر وجوه التأويل الفعل المتعلّق بها والمضاف إليها؛ سواء كان إنفاقها والمصيبة بها والغمّ عليها، أو إباحة غنيمتها وإخراجها عن أيدى مالكيها؛ فكأنّ تقدير الآية: إنما يريد الله ليعذّبهم بكذا وكذا؛ مما يتعلق بأموالهم وأولادهم، ويتّصل بها؛ وإذا صحّ هذا جاز أن تكون الحياة الدنيا ظرفا لأفعالهم القبيحة فى أموالهم وأولادهم التى تغضب الله تعالى وتسخطه؛ كإنفاقهم الأموال فى وجوه المعاصى، وحملهم الأولاد على الكفر، وإلزامهم الموافقة لهم فى النّحلة، ويكون تقدير الكلام: إنما يريد الله ليعذّبهم بفعلهم فى أموالهم وأولادهم؛ الواقع ذلك منهم فى الحياة الدنيا؛ وهذا وجه ظاهر يغنى عن التقديم والتأخير؛ وسائر ما ذكروه من الوجوه.
فأما قوله تعالى: وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ فمعناه تبطل وتخرج؛ أى أنّهم يموتون على الكفر؛ وليس يجب إذا كان مريدا لأن تزهق أنفسهم وهم على هذه الحال أن يكون مريدا للحال نفسها على ما ظنّوه؛ لأنّ الواحد منّا قد يأمر/ غيره ويريد منه أن يقاتل أهل البغى وهم محاربون، ولا يقاتلهم وهم منهزمون، ولا يكون مريدا لحرب أهل البغى للمؤمنين؛ وإن أراد قتالهم على هذه الحالة، وكذلك قد يقول لغلامه: أريد أن تواظب على المصير إلى فى السّجن وأنا محبوس، وللطبيب: صر إلى ولازمنى وأنا مريض، وهو لا يريد المرض ولا
الحبس؛ وإن كان قد أراد ما هو متعلق بهاتين الحالتين.
وقد ذكر فى ذلك وجه آخر على ألّا يكون قوله: وَهُمْ كافِرُونَ حالا لزهوق أنفسهم؛ بل يكون كأنه كلام مستأنف، والتقدير فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم؛ إنما يريد الله ليعذّبهم بها فى الحياة الدنيا؛ وتزهق أنفسهم وهم مع ذلك كافرون صائرون إلى النار؛ وتكون الفائدة أنهم مع عذاب الدنيا قد اجتمع عليهم عذاب الآخرة؛ ويكون معنى تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ على هذا الجواب غير الموت وخروج النفس على الحقيقة، بل المشقة الشديدة والكلف الصّعبة، كما يقال: ضربت فلانا حتى مات وتلفت نفسه، وخرجت روحه، وما أشبه ذلك.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع