تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل آية [: أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ

]

إن سأل سائل عن قوله تعالى: أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ؛.

فقال: أى معنى الاختصاص «الأرض» بالذكر وهم لا يفوتون الله تعالى ولا يعجزونه، ولا يخرجون عن قبضته على كل حال، وفى كل مكان؟ ولم نفى الأولياء عنهم، وقد نجد أهل الكفر يتولّى بعضهم بعضا وينصرونهم ويحمونهم من المكاره؟ وكيف نفى استطاعتهم للسمع والإبصار، وأكثرهم قد كان يسمع بأذنه ويرى بعينه؟

الجواب، قلنا: أمّا الوجه فى اختصاص الذكر بالأرض، فلأنّ عادة العرب جارية بقولهم للمتوعّد: لا مهرب لك منى، ولا وزر، ولا نفق، والوزر: الجبل، والنّفق: السّرب، وكلّ ذلك مما يلجأ إليه الخائف المطلوب، فكأنه تعالى نفى أن يكون لهؤلاء الكفار عاصم منه، ومانع من عذابه؛ وأن جبال الأرض وسهولها لا تحجز بينهم وبين ما يريد إيقاعه بهم؛ كما أنها تحجز عن كثير من أفعال البشر؛ لأنّ معاقل الأرض هى التى يهرب إليها البشر من المكاره؛ ويلجئون إلى الاعتصام بها عند المخاوف؛ فإذا نفى تعالى أن يكون لهم فى الأرض معقل فقد نفى المعقل من كل وجه.

فأما قوله تعالى: وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ فمعناه أنه لا ولىّ لهم، ولا ناصر من عذاب الله تعالى وعقابه لهم فى الآخرة؛ ولا مما يريد أيضا إيقاعه بهم فى الدنيا، وإن كان لهم من يحميهم من مكروه البشر وينصرهم ممن أرادهم بسوء؛ وقد يجوز أن يكون ذلك أيضا بمعنى الأمر، وإن كان مخرجه محرج الخبر؛ ويكون التقدير: وليس لهم أن يتخذوا أولياء

من دون الله، بل الواجب أن يرجعوا إليه فى معونتهم ونصرهم، ولا يعوّلوا على غيره.

فأما قوله ﷿: ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ ففيه وجوه:

أحدها أن يكون المعنى: يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع فلا يسمعون؛ وبما كانوا يستطيعون الإبصار فلا يبصرون؛ عنادا للحق، وذهابا عن سبيله؛ فأسقط الباء من الكلام، وذلك جائز كما جاز فى قولهم: لأجزينّك بما عملت، ولأجزينّك ما عملت؛ ولأحدثنّك بما عملت، ولأحدثنك ما عملت؛ وكما قال الشاعر:

نغالى اللّحم للأضياف نيئاونبذله إذا نضج القدير

فأراد: نغالى باللحم.

والوجه الثانى أنهم لاستثقالهم استماع آيات الله تعالى، وكراهيتهم تذكّرها وتفهمها جروا مجرى من لا يستطيع السمع، كما يقول القائل: ما يستطيع فلان أن ينظر لشدّة عداوته إلى فلان، وما يقدر على أن يكلمه؛ وكما نقول لمن عهدنا منه العناد والاستثقال لاستماع الحجج والبينات: ما تستطيع أن تسمع الحق؛ وما تطيق أن يذكر لك؛ وكما قال الأعشى:

ودّع هريرة إنّ الرّكب مرتحلوهل تطيق وداعا أيّها الرّجل !
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»

ونحن نعلم أنه قادر على الوداع؛ وإنما نفى قدرته عليه من حيث الكراهة والاستثقال.

ومعنى: وَما كانُوا يُبْصِرُونَ أى أن إبصارهم لم يكن نافعا لهم؛ ولا مجديا عليهم؛ مع الإعراض عن تأمل آيات الله تعالى وتدبرها؛ فلما انتفت عنهم منفعة الإبصار جاز أن ينفى عنهم الإبصار نفسه؛ كما يقال للمعرض عن الحق، العادل عن تأمله: ما لك لا تبصر، ولا تسمع؛ ولا تعقل؟ وما أشبه ذلك.

والوجه الثالث [أن يكون معنى نفى السمع والبصر] راجعا إلى آلهتهم لا إليهم؛ وتقدير الكلام: أولئك وآلهتهم لم يكونوا معجزين فى الأرض، يضاعف لهم العذاب؛ ثم قال مخبرا عن الآلهة: ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ، وهذا الوجه يروى عن ابن عباس رحمة الله عليه، وفيه أدنى بعد.

ويمكن فى الآية وجه رابع، وهو أن يكون ما فى قوله تعالى: ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ ليست للنفى؛ بل تجرى مجرى قولهم: لأواصلنّك ما لاح نجم؛ ولأقيمنّ على مودتك ما طلعت شمس؛ ويكون المعنى أن العذاب يضاعف لهم فى الآخرة؛ ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون؛ أى أنهم معذبون ما كانوا أحياء.

فإن قيل: كيف يعبّر عن كونهم أحياء باستطاعة السمع والإبصار؛ وقد يكون حيا من لا يكون كذلك؟

قلنا: للعرب فى مثل هذا/ عادة؛ لأنهم يقولون: والله لا كلّمت فلانا ما نظرت عينى، ومشت قدمى؛ وهم، يريدون: ما بقيت وحييت؛ لأن الأغلب من أحوال الحىّ أن تنظر عينه، وتمشى قدمه؛ فجعلوا الأغلب كالواجب؛ ومن ذلك قول الشاعر:

وما أنس من شيء تقادم عهدهفلست بناس ما هدت قدمى نعلى
عشيّة قالت والدّموع تعينها:هنيئا لقلب عنك لم يسله مسلى

وإنما أراد: أنّى لا أنسى ذلك ما حييت؛ وكذلك لا يمتنع أن يعلّق على هذا المذهب دوام العذاب بكونهم مستطيعين للسمع والإبصار؛ ويعود المعنى إلى تعلّقه ببقائهم، وبكونهم أحياء؛ والمرجع فى ذلك إلى التأييد؛ لأنه إذا علّق العذاب ببقائهم وإحيائهم وعلمنا أنّ الآخرة لا موت فيها، ولا خروج عن الحياة، علمنا تأييد العذاب.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر (٤٠)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.