من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
عود إلى المختار من شعر مروان بن أبى حفصة: (٣)
ونعود إلى ما كنا شرعنا فيه من الكلام على شعر مروان؛ فمما يختار له من القصيدة التى مضى أوّلها وتكلمنا عليها:
وضعوا الخدود لدى سواهم جنّحتشكو كلوم صفاحها وكلالها
طلبت أمير المؤمنين فواصلتبعد السّرى بغدوّها آصالها
نزعت إليك صواديا فتقاذفتتطوى الفلاة حزونها ورمالها
يتبعن ناجية يهزّ مراحهابعد النّحول تليلها وقذالها
هوجاء تدرّع الرّبا وتشقّهاشقّ الشّموس إذا تراع جلالها
تنجو إذا رفع القطيع كما نجتخرجاء بادرت الظلام رئالها
كالقوس ساهمة أتتك وقد ترىكالبرج تملأ رحلها وحبالها
هذه الأبيات فى وصف الرّواحل بالسرعة والنّحول، جيّدة الألفاظ، مطردة النسج، وقد سبق الناس فى هذا المعنى إلى ضروب من الإحسان؛ فمن ذلك قول الأخطل:
بخوص كأعطال القسىّ تقلقلتأجنّتها من شقّة ودءوب
/ إذا معجل غادرنه عند مبركأتيح لجوّاب الفلاة كسوب
- المعجل: الملقى من الأجنّة لغير تمام، وجوّاب الفلاة: الذئب-
وهنّ بنا عوج كأنّ عيونهابقايا قلات قلّصت لنضوب
مسانيف يطويها مع القيظ والسّرىتكاليف طلّاع النّجاد ركوب
قديم ترى الأصواء فيه كأنّهارجال قيام عصّبوا بسبوب
يعمن بنا عوم السّفين إذا انجلتسحابة وضّاح السّراب جنوب
وقال مسلم بن الوليد الأنصارىّ:
إلى الإمام تهادانا بأرحلناخلق من الرّيح فى أشباح ظلمان
كأنّ إفلاتها والفجر يأخذهاإفلات صادرة عن قوس حسبان
وقال بشار:
وإذا المطىّ سبحن فى أعطافهفات المطىّ بكاهل وتليل
فكأنّه والناعجات يردنهقدح تطلّع من قداح مجيل
ولبعض الحارثيين:
تهش الهجائر والظّهائر لحمهاحتى تخدّد لحمها المتضابر
حرف تناهبها النّجاء قلائصممّا تنخّل شدقم أو داعر
صبر إذا عطفت سوالفها البرىسمعت لهنّ كشاكش وجراجر
ويخلن من عزّ النفوس وجدّهاجنّا، وهنّ إذا اختبرن أباعر
أمّا إذا ما أقبلت فكأنّهاذعر تهادتها الفلاة نوافر
أما إذا ما أعرضت فكأنّهاكدر توردن النّطاف صوادر
أما إذا ما أبركت فكأنّهاصرح مشيّدة وهنّ ضوامر
***/ وإنى لأستحسن قول بشامة بن الغدير فى وصف الناقة بالسرعة:
كأنّ يديها إذا أرقلتوقد جرن ثمّ اهتدين السّبيلا
يدا سابح خرّ فى غمرةوقد شارف الموت إلا قليلا
إذا أقبلت قلت مشحونةأطاعت لها الرّيح قلعا جفولا
وإن أدبرت قلت مذعورةمن الرّبد تتبع هيقا ذمولا
ومعنى قوله:
وقد جرن ثم اهتدين السبيلا
يعنى المطايا؛ يقول: كن نشيطات يمرحن فلا يلزمن لقم الطّريق؛ بل يأخذن يمينا وشمالا؛ فلما عضّهن الكلال استقمن على المحجة، فكأنه وصف ناقته ببقاء النشاط مع كلال المطىّ؛ وكنى عن الكلال بلزوم جادة الطريق بعد تنكّبها وهذه كناية فصيحة مليحة.
ومثله قول الآخر:
كأنّ يديها حين جدّ نجاؤهايدا سابح فى غمرة يتذرّع
ومما يشاكل هذا المعنى ويقاربه قول الشماخ:
كأنّ ذراعيها ذراعا مدلّةبعيد السّباب حاولت أن تعذّرا
ممجّدة الأعراق قال ابن ضرّةعليها كلاما جار فيه وأهجرا
شبّه ذراعيها وهى تتذرع فى مشيها بذراعى امرأة مدلّة على أهلها ببراءة ساحتها، وقد حكى عنها ابن ضرتها كلاما أهجر فيه؛ أى أفحش، فهى ترفع يديها وتضعهما تعتذر وتحلف وتنضح عن نفسها.
وقد قيل إن معنى قوله: «مدلّة» أنها تدلّ بحسن ذراعيها، فهى تدمن إظهارهما لترى حسنهما.
وقوله: «بعيد السّباب» أى فى عقيب المسابّة قامت تعتذر إلى الناس؛ وقوم يروونه «بعيد الشباب»؛ ومعنى هذه الرواية أنها نصف من النساء، فهى أقوم بحجتها من الحدثة الغرّة؛ ويشهد لهذه الرّواية الأخيرة قول الآخر:
كأنّ يديها حين يقلق ضفرهايدا نصف غيرى تعذّر من جرم
و/ قوله: «حين يقلق ضفرها» فيه سرّ وفائدة؛ لأنّ الضّفر هو الأنساع؛ وإنما تقلق إذا جهدها السير فضمرت، فكأنه وصفها بالتذرّع والنشاط مع الجهد والكلال؛ ومثله:
كأنّ ذراعيها ذراعا بذيّةمفجّعة لاقت ضرائر عن عفر
سمعن لها واستعجلت فى كلامهافلا شيء يفرى باليدين كما تفرى
ويقاربه قول الآخر:
ألا هل تبلغنّيهمعلى اللّأواء والظّنّه
وآة لحصى المعزاء فى أخفافها رنّه
إذا ما عسفت قلتحماة فاضحت كنّه
وممن شبه سرعة أيدى الإبل بأيدى النوائح كعب بن زهير فقال:
كأنّ أوب ذراعيها إذا عرقتوقد تلفّع بالقور العساقيل
وقال للقوم حاديهم وقد جعلتأرق الجنادب يركضن الحصى: قيلوا
شدّ النهار ذراعا عيطل نصفقامت فجاوبها نكد مثاكيل
نوّاحة رخوة الضّبعين ليس لهالمّا نعى بكرها النّاعون معقول
العساقيل: أوائل السّراب؛ ولا واحد لها من لفظها. وأخبر أنّ ناقته فى شدّة الحر واتقاد الظهيرة تمرح فى سيرها وتتذرع بيديها؛ وشبه ذراعيها بذراعى امرأة نصف تنوح على ابنها، وقد نعى إليها؛ فهى تشير بيديها وتوالى تحريكهما. والعيطل: الطويلة العنق، وجعلها نصفا لأنها قد كادت تيأس من الولد فهى أشد لحزنها على ابنها وتفجّعها عليه، والقور: جمع قارة وهى ما ارتفع واستدار من الرمل؛ وأراد أن يقول: كما تلفعت القور بالعساقيل، فلم يمكنه فقلب.
ومثله:
وكأنّما رفعت يدى نوّاحةشمطاء قامت غير ذات خمار
/ وإنما خص الشّمطاء لما ذكرناه من اليأس من الولد، كما قال عمرو بن كلثوم:
ولا شمطاء لم يترك شقاهالها من تسعة إلّا جنينا
وقد قيل فى بيت عمرو: بل شبّه الناقة بشمطاء، لما على رأسها من اللّغام.
ومثل ما تقدم من المعانى قول الشاعر:
يا ليت شعرى والمنى لا تنفع!هل أغدون يوما وأمرى مجمع!
وتحت رحلى زفيان ميلعكأنّها نائحة تفجّع
تبكى لميت وسواها الموجع
- الزّفيان: الناقة الخفيفة، والمليع: السريعة؛ وشبّه رجع يديها فى السير لنشاطها بيدى نائحة تنوح لقوم على ميّتهم بأجرة، فهى تزيد فى الإشارة بيديها ليرى مكانها.
ومثله بعينه قول ذى الرمة:
مجانيق تضحى وهى عوج كأنهابجوز الفلا مستأجرات نوائح
المجانيق: التى ضمرن بعد سمن؛ وخصّ المستأجرات من النوائح للمعنى الّذي ذكرناه.
وقال الشماخ فيما يقارب هذا المعنى:
كأنّ أوب يديها حين أعجلهاأوب المراح وقد نادوا بترحال
مقط الكرين على مكنوسة زلقفى ظهر حنّانة النّيرين مغوال
- معنى: «أوب ذراعيها» أى رجعهما- وأوب المراح، إذا أراح القوم عازب أموالهم ليرحلوا، وقد روى: «أوب المراح» بالكسر؛ ومعناه رجع المراح والنشاط. والمقط:
اللعب بالكرة. والكرين: جمع كرة. والمنكوسة: الأرض البراح التى لا شيء فيها.
والزّلق: المستوية من الأرض. والحنانة: الريح. والنيران: جانبا هذه الأرض. ومغوال، قيل: إنه من صفات الريح؛ وقيل: من صفات الأرض؛ وإن كان من صفات الريح فمعناه أنّ الريح تغول الأرض بأسرها؛ أى تملؤها، وإذا كان للأرض فالمعنى أنها تغول من سلكها أى تهلكه؛ وتلخيص معنى البيت أنه شبه يدى ناقته بيدى ضارب/ بكرة فى أرض واسعة فى يوم ريح عاصف؛ وهذا من دقيق المعانى وحسن التشبيه والمبالغة.
ومثل بيتى الشماخ قول المسيّب بن علس:
مرحت يداها للنّجاء كأنّماتكرو بكفّى ماقط فى قاع
فعل السّريعة بادرت جدّادهاقبل المساء تهمّ بالإسراع
معنى: «تكرو» أى كأنها تلاعب بكرة. والسريعة، يعنى نسّاجة. والجدّاد: الغزل الضعيف، فأراد أنها تسرع الضرب بالحفّ والنسج قبل المساء؛ وما دامت تبصر؛ فشبّه يدى ناقته فى تذرّ عنها بيدى هذه النساجة.
وقال الأصمعىّ الجدّاد: هدب الثوب؛ فيعنى أن هذه النساجة قد قاربت الفراغ من الثوب، وبلغت إلى هدبه؛ فهى تبادر لتفرغ منه قبل المساء.
وقريب منه قول الآخر:
كأنّ أيديهنّ بالقاع القرقأيدى جوار يتعاطين الورق
فالقرق الخشن الّذي فيه الحصى؛ وشبّه خذف مناسمهنّ له بخذف جوار يلعبن بدراهم، وخصّ الجوارى لأنهن أخفّ يدا من النساء.
وقال آخرون: القرق هاهنا: المستوى من الأرض، الواسع؛ وإنما خصّ بالوصف لأن أيدى الإبل إذا أسرعت فى المستوى فهو أحمد لها؛ وإذا أبطأت فى غيره فهو أحمد لها.
ومن أحسن ما قيل فى الإسراع قول المرّار بن سعيد:
فتناولوا شعب الرّحال فقلّصتسود البطون كفضلة المتنمّس
ذكر قوما سفرا هبّوا من رقدتهم إلى رحالهم ليسيروا؛ ويعنى بسود البطون الإبل؛ والمتنمّس: الصائد الذق اتخذ ناموسا، وهو ما يستتر به ليختل الصيد، فشبه المطايا فى سرعتها يقطا قد صاد الصائد بعضها، وأفلت بعضها؛ فهنّ يطرن طيرانا شديدا.
ومثل هذا- وإن كان فى صفة الخيل- قول النابغة:
كالطّير تنجو من الشّؤبوب ذى البرد
وأما قول مروان:
يهزّ مراحهابعد النّحول تليلها وقذالها
فقد مضى من وصف المطايا بالنشاط بعد السآمة والجهد ما مضى.
وأحسن من قول مروان/ وأشدّ إفصاحا بالمعنى وإعرابا عنه قول الهذلىّ:
ومن سيرها العنق المسبطرّ والعجرفيّة بعد الكلال
وإنما كان هذا أحسن لأنه صريح بنشاطها بعد كلالها. وقول مروان: «بعد النحول» لا يجرى هذا المجرى؛ لأن النحول قد يكون عن جهد السفر والتعب، ويكون عن غيره.
وأما قوله:
كالقوس ساهمة أتتك وقد ترى
فقد أكثرت العرب فى وصف المطايا بالنحول وتشبيهها بالقسىّ وغيرها؛ وقد أحسن كثيّر فى قوله:
نفى السير عنها كلّ داء إقامةفهنّ رذايا بالطّريق ترائك
وحمّلت الحاجات خوصا كأنّها- وقد ضمرت- صفر القسىّ العواتك
وقال سلم بن عمرو الخاسر:
وكأنّهنّ من الكلال أهلّةأو مثلهنّ عطائف الأقواس
قود طواها ما طوت من مهمهنائى الصّوى ومناهج أدراس
وقال أبو تمام يصف ناقة:
أتينا القادسيّة وهى ترنوإلى بعين شيطان رجيم
فما بلغت بنا عسفان حتّىرنت بلحاظ لقمان الحكيم
وبدّلها السّرى بالجهل حلماوقد أديمها قد الأديم
أذاب سنامها قطع الفيافىومزّق جلدها نضح العصيم
بدت كالبدر وافى ليل سعدوآبت مثل عرجون قديم
وقال البحترىّ:
وخدان القلاص حولا إذا قابلن حولا من أنجم الأسحار
يترقرقن كالسّراب وقد خضن غمارا من السّراب الجارى
/ كالقسىّ المعطّلات، بل الأسهم مبريّة، بل الأوتار
وله أيضا:
وهى العيس، دهرها فى ارتحالمن حلول، أو فرقة من جميع
ربّ مرت مرّت تجاذب قطريهـ سرابا كالمنهل المشروع
وسرى تنتحيه بالوخد حتّىتصدع اللّيل عن بياض الصّديع
كالبرى فى البرى ويحسبن أحيانا نسوعا مجدولة فى نسوع
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع