من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل آية [وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ.
فقال: ما اليد التى إضافتها اليهود إلى الله تعالى، وادّعوا أنها مغلولة؟ وما نرى أنّ عاقلا من اليهود ولا غيرهم يزعم أن لربّه يدا مغلولة، واليهود تتبرأ من أن يكون فيها قائل بذلك؛ وما معنى الدعاء عليهم ب غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [وهو تعالى ممن لا يصحّ أن] يدعو على غيره؟ لأنه تعالى قادر على أن يفعل ما يشاء، وإنما يدعو الداعى بما لا يتمكّن من فعله طلبا له.
الجواب، قلنا: يحتمل أن يكون قوم من اليهود وصفوا الله تعالى بما يقتضي تناهى مقدوره، فجرى ذلك مجرى أن يقولوا: إنّ يده مغلولة، لأنّ عادة الناس جارية بأن يعبّروا بهذه العبارة عن هذا المعنى، فيقولون: يد فلان منقبضة عن كذا، ويده لا تنبسط إلى كذا، إذا أرادوا وصفه بالفقر والقصور، ويشهد بذلك قوله تعالى فى موضع آخر: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ، ثم قال تعالى مكذبا لهم: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ؛ أى أنه ممّن لا يعجزه شيء، وثنّى اليدين تأكيدا للأمر، وتفخيما له؛ ولأنه أبلغ فى المعنى المقصود من أن يقول: بل يده مبسوطة.
وقد قيل أيضا: إن اليهود وصفوا الله تعالى بالبخل، واستبطئوا فضله ورزقه؛ وقيل:
إنهم قالوا على سبيل الاستهزاء: إن إله محمد الّذي أرسله؛ يداه إلى عنقه؛ إذ ليس يوسّع عليه وعلى أصحابه، فردّ الله قولهم وكذّبهم بقوله: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ، واليد هاهنا الفضل
والنعمة، وذلك معروف فى اللغة، متظاهر فى كلام العرب وأشعارهم.
ويشهد له من الكتاب قوله تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ، ولا معنى لذلك إلّا الأمر بترك إمساك اليد عن النفقة فى الحقوق؛ وترك الإسراف، إلى القصد والتوسط.
ويمكن أن يكون الوجه فى تثنية النعمة من حيث أريد بها نعم الدنيا ونعم الآخرة؛ لأن الكل- وإن كانت نعم الله
تعالى- فمن حيث اختص كلّ واحد من الأمرين بصفة تخالف صفة الآخر صارا كأنهما جنسان أو قبيلان.
ويمكن أيضا [أن يكون بتثنية النعمة] أنه أريد بها النعم الظاهرة والباطنة.
فأما قوله تعالى: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ، ففيه وجوه:
أوّلها: أن يكون ذلك على غير سبيل الدّعاء؛ بل على جهة الإخبار منه ﷿ عن نزول ذلك بهم؛ وفى الكلام ضمير «قد» قبل قوله: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ، وموضع غُلَّتْ نصب على الحال، كأنّه تعالى قال: وقالت اليهود كذا وكذا؛ فى حال ما غلّ الله تعالى أيديهم ولعنهم، أو حكم بذلك فيهم؛ ويسوغ إضمار «قد» هاهنا كما ساغ فى قوله ﷿: إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ. وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ والمعنى: فقد صدقت، وقد كذبت.
وثانيها أن يكون معنى الكلام وقالت اليهود يد الله مغلولة فغلّت أيديهم، أو وغلّت أيديهم، وأضمر تعالى الفاء والواو؛ لأنّ كلامهم تمّ، واستؤنف بعده كلام آخر؛ ومن عادة العرب أن تحذف فيما يجرى مجرى هذا الموضع؛ من ذلك قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً أراد:
فقالوا أتتخذنا هزوا، فاضمر تعالى الفاء؛ لتمام كلام موسى ﵇، ومنه قول الشاعر:
لمّا رأيت نبطا أنصاراشمّرت عن ركبتى الإزارا
كنت لها من النّصارى جارا
أراد: «وكنت»، فأضمر الواو.
وثالثها أن يكون القول خرج مخرج الدعاء؛ إلا أن معناه التعليم من الله تعالى لنا والتأديب؛ فكأنه جلّت عظمته وقفنا على الدعاء عليهم، وعلّمنا/ ما ينبغى أن نقول فيهم، كما علّمنا الاستثناء فى غير هذا الموضع بقوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ، وكل ذلك جلىّ واضح، والمنة لله.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع