تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل خبر [«لعن الله السّارق؛ يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده»]

إن سأل سائل عن الخبر الّذي روى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «لعن الله السّارق؛ يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده».

الجواب، قلنا: قد تعلق بهذا الخبر صنفان من الناس؛ فالخوارج تتعلّق به، وتدّعى أنّ القطع يجب فى القليل والكثير؛ وتستشهد على ذلك بظاهر قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما، ويتعلق بهذا الخبر أيضا الملحدة والشّكاك، ويدّعون أنه مناقض للرواية المتضمّنة أنه لا قطع إلّا فى ربع دينار. ونحن نذكر ما فيه:

فأول ما نقوله إنّ الخبر مطعون عند أصحاب الحديث على سنده، وقد حكى ابن قتيبة فى تأويله وجها عن يحيى بن أكثم، طعن عليه وضعّفه، وذكر عن نفسه وجها آخر؛ نحن نذكرهما وما فيهما، ونتبعهما بما نختاره.

قال ابن قتيبة: كنت حضرت يوما مجلس يحيى بن أكثم بمكة، فرأيته يذهب إلى أنّ البيضة فى هذا الحديث بيضة الحديد التى تغفر الرأس فى الحرب، وأن الحبل من حبال السفن، قال: وكلّ واحد من هذين يبلغ ثمنه دنانير كثيرة؛ قال: ورأيته يعجب بهذا التأويل، ويبدى فيه ويعيد، ويرى أنه قطع به حجة الخصم.

قال ابن قتيبة. وهذا إنما يجوز على من لا معرفة له باللغة ومخارج الكلام، وليس هذا موضع تكثير لما يأخذه السارق فيصرفه إلى بيضة تساوى دنانير؛ وحبل لا يقدر السارق على حمله؛ ولا من عادة العرب والعجم أن يقولوا: قبح الله فلانا! عرّض نفسه للضرر فى عقد جوهر، وتعرّض لعقوبة الغلول فى جراب مسك؛ وإنما العادة فى مثل هذا أن يقال: لعنه الله، تعرّض للقطع فى حبل رثّ، أو إداوة خلق، أو كبّة شعر؛ وكلّ ما كان من ذلك أحقر كان أبلغ.

قال: والوجه فى الحديث أن الله تعالى لما أنزل على رسوله صلى الله عليه وآله: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا؛ قال رسول الله صلى عليه وآله: «لعن الله السارق؛ يسرق البيضة/ فتقطع يده»، على ظاهر ما أنزل عليه فى ذلك الوقت، ثمّ أعلمه الله تعالى بعد أن القطع لا يكون إلّا فى ربع دينار فما فوقه، ولم يكن ﵇ يعلم من حكم الله تعالى إلا ما علّمه الله تعالى، وما كان الله يعرّفه ذلك جملة جملة، بل بيّن شيئا بعد شيء.

قال سيدنا أدام الله علوّه: ووجدت أبا بكر الأنبارىّ يقول: ليس الّذي طعن به ابن قتيبة على تأويل الخبر بشيء؛ قال: لأن البيضة من السلاح ليست علما فى كثرة الثمن ونهاية علوّ القيمة؛ فتجرى مجرى العقد من الجوهر، والجراب من المسك؛ اللّذين هما ربّما ساويا الألوف من الدنانير، والبيضة من الحديد ربّما اشتريت بأقلّ مما يجب فيه القطع، وإنما أراد ﵇ أنه يكتسب قطع يده بما لا غنى له به، لأن البيضة من السلاح لا يستغنى بها أحد، والجوهر والمسك فى اليسير منهما غنى.

قال سيدنا أدام الله أيامه: والّذي نقوله إن ما طعن به ابن الأنبارىّ على كلام ابن قتيبة متوجّه؛ وليس فى ذكر البيضة والحبل تكثير كما ظنّ؛ فيشبه العقد والجراب من المسك؛ غير أنه يبقى فى ذلك أن يقال: أىّ وجه لتخصيص البيضة والحبل بالذكر، وليس هما النهاية فى التقليل؛ وإن كان كما ذكره ابن الأنبارىّ؛ من أنّ المعنى أنه يسرق ولا يستغنى به؛ فليس ذكر ذلك بأولى من غيره؛ ولا بدّ من ذكر وجه فى ذلك.

وأما تأويل ابن قتيبة فباطل لأن النبي صلى الله عليه وآله لا يجوز أن يقول ما حكاه عند سماع قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ؛ لأن الآية مجملة مفتقرة إلى بيان؛ ولا يجوز أن يحملها أو يصرفها إلى بعض محتملاتها دون بعض بلا دلالة؛ على أنّ أكثر من قال: إن الآية غير مجملة، وأن ظاهر القول يقتضي العموم يذهب إلى أن ما اقتضى تخصيصها بسارق دون سارق لم يتأخر عن حال الخطاب بها؛ فكيف يصحّ ما قاله ابن الأنبارىّ أن الآية تقدمت، ثم تأخر تخصيص السارق؛ ولو كان ذلك كما ظنّ لكان المتأخر ناسخا للآية.

وعلى تأويله هذا يقتضي أن يكون كلّ الخبر منسوخا؛ وإذا أمكن تأويل أخباره ﵇ على/ ما لا يقتضي رفع أحكامها ونسخها كان أولى.

والأشبه أن يكون المراد بهذا الخبر أنّ السارق يسرق الكثير الجليل، فتقطع يده، ويسرق الحقير القليل فتقطع يده؛ فكأنه تعجيز له، وتضعيف لاختياره، من حيث باع يده بقليل الثمن؛ كما باعها بكثيره.

وقد حكى أهل اللغة أن بيضة القوم وسطهم، وبيضة الدار وسطها، وبيضة السنام شحمته، وبيضة الصّيف معظمه، وبيضة البلد الّذي لا نظير له؛ وإن كان قد يستعمل ذلك فى المدح والذم على سبيل الأضداد، وإذا استعمل فى الذم فمعناه أنّ الموصوف بذلك حقير مهين، كالبيضة التى تفسدها النعامة فتتركها ملقاة لا تلتفت إليها.

فمما جاء من ذلك فى المدح قول أخت عمرو بن عبد ودّ ترثيه، وتذكر قتل أمير المؤمنين

عليه السلام له؛ وقيل إنّ الأبيات لامرأة من العرب؛ غير أخته:

لو كان قاتل عمرو غير قاتلهلكنت أبكى عليه آخر الأبد
للشاعر أم كلثوم بنت عبد ود، اقرأ القصيدة
لكنّ قاتله من لا يعاب بهمن كان يدعى قديما بيضة البلد
للشاعر أم كلثوم بنت عبد ود، اقرأ القصيدة

وقال آخر فى المدح:

كانت قريش بيضة فتفلّقتفالمخّ خالصه لعبد مناف
للشاعر عبد الله بن الزبعرى، اقرأ القصيدة

وقال آخر فى الذمّ.

تأبى قضاعة أن تعرف لكم نسباوابنا نزار، فأنتم بيضة البلد
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «يا من توعدني جهلا بكثرته»

أراد: «أن تعرف» فأسكن.

وقال آخر فى ذلك:

لكنّه حوض من أودى بإخوتهريب الزّمان فأمسى بيضة البلد

فقد صار معنى البيضة كلّه يعود إلى التفخيم والتعظيم.

وأما الحبل فذكر على سبيل المثل؛ والمراد المبالغة فى التحقير والتقليل؛ كما يقول القائل:

ما أعطانى فلان عقالا، وما ذهب من فلان عقال، ولا يساوى كذا نقيرا؛ كل ذلك على سبيل المثل والمبالغة فى التقليل؛ وليس الغرض بذكر الحبل الواحد من الحبال على الحقيقة؛ وإذا كان على هذا تأويل الخبر/ زال عنه

المناقضة التى ظنّت؛ وبطلت شبهة الخوارج فى أن القطع يجب فى القليل والكثير.

أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنى أبو عبيد الله الحكيمىّ قال حدثنى يموت بن المزرّع قال حدثنى أبو زينب عليّ بن ثابت قال، قال الأصمعىّ: [تصرفت فى الأسباب على باب الرشيد] مؤملا للظّفر به؛ والوصول إليه؛ حتى إنى صرت لبعض حرسه خدينا؛ فإنى فى ليلة قد نثرت السعادة والتوفيق فيها الأرق بين أجفان الرشيد إذ خرج خادم فقال:

أبالحضرة أحد ينشد الشّعر؟ فقلت: الله أكبر! ربّ قيد مضيقة قد حلّه التيسير، فقال لى الخادم: ادخل، فلعلّها أن تكون ليلة تعرّس فى صباحها بالغنى إن فزت بالحظوة عند أمير المؤمنين؛ فدخلت فواجهت الرشيد فى بهوه، والفضل بن يحيى إلى جانبه، فوقف الخادم بى بحيث يسمع التسليم، فسلّمت فردّ السلام ثم قال: يا غلام، أرحه قليلا يفرخ روعه؛ إن كان قد وجد للروعة حسّا، فدنوت قليلا ثم قلت: يا أمير المؤمنين، إضاءة مجدك، وبهاء كرمك، مجيران لمن نظر إليك عن اعتراض أذيّة؛ فقال: ادن، فدنوت، فقال: أشاعر أم راوية؟ فقلت: راوية لكل ذى جدّ وهزل؛ بعد أن يكون محسنا؛ فقال: تالله ما رأيت ادّعاء أعمّ! فقلت: أنا على الميدان، فأطلق من عنانى يا أمير المؤمنين، فقال: «قد أنصف القارة من راماها»؛ ثم قال: ما معنى

هذه الكلمة بدءا؟ قلت: فيها قولان؛ القارة هى الحرّة من الأرض، وزعمت الرواة أن القارة كانت رماة للتبابعة، والملك إذ ذاك أبو حسّان، فواقف عسكره عسكرا للسّغد، فخرج فارس من السّغد، قد وضع سهمه فى كبد قوسه فقال: أين رماة العرب؟ فقالت العرب:

«أنصف القارة من راماها» فقال لى الرشيد: أصبت، ثم قال: أتروى لرؤبة بن العجاج والعجاج شيئا، فقلت: هما شاهدان لك بالقوافى؛ وإن غيّبا عن بصرك بالأشخاص، فأخرج من ثنى فرشه رقعة ثم قال: أنشدنى:

أرّقنى طارق همّ أرقا

فمضيت فيها مضىّ الجواد فى متن ميدانه، تهدر بى أشداقى، فلما صرت إلى مديحه لبنى أمية تثنيت لسانى إلى امتداحه للمنصور فى قوله:

قلت لزير لم تصله مريمه

/ فلما رآنى قد عدلت من أرجوزة إلى غيرها قال: أعن حيرة أم عن عمد؟ قلت: عن عمد تركت كذبه إلى صدقه فيما وصف به المنصور من مجده، فقال الفضل: أحسنت بارك الله عليك! مثلك يؤهل لمثل هذا المجلس. فلما أتيت على آخرها قال لى الرشيد: أتروى كلمة عدىّ بن الرقاع:

عرف الدّيار توهّما فاعتادها

قلت: نعم، قال: هات، فمضيت فيها حتى إذا صرت إلى وصفه الجمل قال لى الفضل:

ناشدتك الله أن تقطع علينا ما أمتعنا به من السهر فى ليلتنا هذه بصفة جمل أجرب، فقال الرشيد:

اسكت، فالإبل هى التى أخرجتك عن دارك، واستلبت تاج ملكك، ثم ماتت وعملت جلودها سياطا ضربت بها أنت وقومك، فقال الفضل: لقد عوقبت على غير ذنب والحمد لله! فقال الرشيد: أخطأت، الحمد لله على النّعم، ولو قلت: وأستغفر الله لكنت مصيبا، ثم قال لى: امض فى أمرك، فأنشدته حتى إذا بلغت إلى قوله:

تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقه

استوى جالسا وقال: أتحفظ فى هذا ذكرا؟ قلت: نعم، ذكرت الرواة أنّ الفرزدق قال: كنت فى المجلس وجرير إلى جانبى، فلما ابتدأ عدىّ فى قصيدته قلت لجرير مسرّا إليه: هلمّ نسخر من هذا الشامىّ، فلما ذقنا كلامه يئسنا منه؛ فلما قال:

تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقه

- وعدىّ كالمستريح- قال جرير: أما تراه يستلب بها مثلا! فقال الفرزدق: يا لكع، إنه يقول:

قلم أصاب من الدّواة مدادها

فقال عدىّ:

قلم أصاب من الدّواة مدادها

فقال جرير: كان سمعك مخبوءا فى صدره! فقال لى: اسكت شغلنى سبّك عن جيّد الكلام؛ فلما بلغ إلى قوله:

ولقد أراد الله إذ ولّاكهامن أمّة إصلاحها ورشادها
للشاعر عدي بن الرقاع، من قصيدة «عرف الديار توهما فاعتادها»

قال الأصمعىّ: فقال لى: ما تراه قال إذ أنشده الشاعر هذا البيت؟ فقلت: قال: كذا أراد الله، فقال الرشيد: ما كان فى جلالته ليقول هذا، أحسبه قال: ما شاء الله! قلت:

وكذا جاءت الرواية، فلما أتيت على آخرها قال لى: أتروى لذى الرّمة شيئا؟ قلت: الأكثر، قال: فماذا أراد بقوله:

/ ممرّ أمرّت متنه أسديّةذراعية حلّالة بالمصانع

قلت: وصف حمار وحش، أسمنه بقل روضة تواشجت أصوله، وتشابكت فروعه، عن مطر سحابة كانت بنوء الأسد فى الذّراع من ذلك. فقال الرشيد: أرح، فقد وجدناك ممتعا، وعرفناك محسنا، ثم قال: أجد ملالة ونهض، فأخذ الخادم يصلح عقب النعل فى رجله وكانت عربيّة، فقال الرشيد: عقرتنى يا غلام، فقال الفضل: قاتل الله الأعاجم، أما إنها

لو كانت سندية لما احتجت إلى هذه الكلفة، فقال الرشيد: هذه نعلى ونعل آبائى، كم تعارض فلا تترك من جواب ممضّ! ثم قال: يا غلام؛ يؤمر صالح الخادم بتعجيل ثلاثين ألف درهم على هذا الرجل فى ليلته ولا يحجب فى المستأنف، فقال الفضل: لولا أنه مجلس أمير المؤمنين ولا يأمر فيه غيره لأمرت لك بمثل ما أمر لك به، وقد أمرت لك به، إلّا ألف درهم، فتلقّ الخادم صباحا.

قال الأصمعىّ: فما صليت من غد إلّا وفى منزلى تسعة وخمسون ألف درهم.

مجلس آخر

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ٤٩

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.