تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل خبر [«كلّ مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه»]

إن سأل سائل عن معنى ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله: «كلّ مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه».

قلنا: أمّا أبو عبيد القاسم بن سلّام فإنه قال فى تأويل هذا الخبر: سألت محمد بن الحسن عن تفسيره/ فقال: كان هذا فى أول الإسلام قبل أن تنزل الفرائض، ويؤمر المسلمون بالجهاد.

قال أبو عبيد: كأنه يذهب إلى أنه لو كان يولد على الفطرة، ثم مات قبل أن ينصّره أبواه ويهوّداه ما ورّثاه، وكذلك لو ماتا قبله ما ورّثهما، لأنه مسلم وهما كافران؛ وما كان أيضا يجوز أن يسبى، فلما نزلت الفرائض وجرت السّنن بخلاف ذلك علم أنه يولد على دين أبويه.

قال أبو عبيد: وأما عبد الله بن المبارك فإنه قال: هو بمنزلة الحديث الآخر الّذي يتضمّن أنه ﵇ سئل عن أطفال المشركين فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» يذهب إلى أنهم يولدون على ما يصيرون إليه من إسلام أو كفر؛ فمن كان فى علمه تعالى أنه يصير مسلما فإنه يولد على الفطرة، ومن كان فى علمه أنه يموت كافرا ولد على ذلك.

قال أبو عبيد: ومما يشبه هذا الحديث حديثه الآخر أنه قال: «يقول الله ﷿: إنى خلقت عبيدى جميعا حنفاء، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم، وجعلت ما أحللته لهم حراما».

قال أبو عبيدة: يريد بذلك البحائر والسّيّب وغير ذلك مما أحله الله تعالى، فجعلوه حراما.

وأما ابن قتيبة فقال- وقد حكى ما ذكرناه عن أبى عبيد-: لست أرى ما حكاه أبو عبيد عن عبد الله ابن المبارك ومحمد بن الحسن مقنعا لمن أراد أن يعرف معنى الحديث؛ لأنهما لم يزيدا على أن ردّا على ما قال به من أهل القدر.

وتفسير محمد بن الحسن يدلّ على أن الحديث عنده منسوخ، والنسخ لا يكون فى الأخبار، وإنما يكون فى الأمر والنهى؛ قال: ولا يجوز أن يراد به- على تأويل ابن المبارك- بعض المولودين دون بعض؛ لأن مخرجه مخرج العموم. قال: ولا أرى معنى الحديث إلّا ما ذهب إليه حماد بن سلمة؛ فإنه قال فيه: هذا عندنا حيث أخذ العهد عليهم فى أصلاب آبائهم؛ يريد حين مسح الله تعالى ظهر آدم؛ فأخرج منه ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذرّ، وأشهدهم: أَ

لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى

؛، فأراد ﵇ أنّ كلّ مولود يولد فى العالم على ذلك العهد وعلى ذلك الإقرار الأول وهو الفطرة.

/ قال سيدنا أدام الله علوّه: وهذا كله تخليط وبعد عن الجواب الصحيح. والصحيح فى تأويله أن قوله ﵇: «يولد على الفطرة» يحتمل أمرين:

أحدهما أن تكون الفطرة هاهنا الدين، وتكون «على» بمعنى اللام؛ فكأنه قال: كل مولود يولد للدّين ومن أجل الدين؛ لأن الله تعالى لم يخلق من يبلغه مبلغ المكلّفين إلّا ليعبده فينتفع بعبادته، يشهد بذلك قوله تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ؛؛ والدليل على أن «على» تقوم مقام اللام ما حكاه يعقوب بن السّكّيت عن أبى زيد عن العرب أنهم يقولون: صف عليّ كذا وكذا حتى أعرفه؛ بمعنى صف لى؛ ويقولون ما أغيظك عليّ! يريدون ما أغيظك لى! والعرب تقيم بعض حروف الصفات مقام بعض فيقولون: سقط الرجل لوجهه؛ يريدون على وجهه، وقال الطّرماح:

كأنّ مخوّاها على ثفناتهامعرّس خمس وقّعت للجناجن
للشاعر الطرماح، من قصيدة «أساءك تقويض الخليط المباين»

أراد: على الجناجن -

وقال عنترة:

شربت بماء الدّحرضين فأصبحتزوراء تنفر عن حياض الدّيلم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

معناه: شربت الناقة من ماء الدّحرضين؛ وهما ماءان؛ يقال لأحدهما: وسيع والآخر دحرض، فغلب الأشهر؛ وهو الدّحرض. وإنما ساغ أن يريد بالفطرة- التى هى الخلقة فى اللغة- الدّين من حيث كان هو المقصود بها، وقد يجرى على الشيء اسم ماله به هذا الضرب من التعلّق والاختصاص؛ وعلى هذا يتأول قوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها؛ أراد دين الله الّذي خلق الخلق له.

وقوله تعالى: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ؛ المراد به أن ما خلق العباد له من العبادة والطاعة ليس مما يتغير ويختلف، حتى يخلق قوما للطاعة، وآخرين للمعصية.

ويجوز أن يريد بذلك الأمر، وإن كان ظاهره الخبر، فكأنه تعالى قال: ولا تبدّلوا ما خلقكم الله له من الدّين والطاعة بأن تعصوا وتخالفوا.

والوجه الآخر فى تأويل الفطرة أن يكون المراد بها الخلقة، وتكون لفظة «على» على ظاهرها/ لم يرد به غيرها، ويكون المعنى: كل مولود يولد على الخلقة الدالة على وحدانية الله تعالى وعبادته والإيمان به، لأنه ﷿ قد صوّر الخلق وخلقهم على وجه يقتضي النظر فيه معرفته والإيمان به؛ وإن لم ينظروا ولم يعرفوا، فكأنه ﵇ قال: كل مخلوق ومولود فهو يدلّ بخلقه وصورته على عبادة الله تعالى؛ وإن عدل بعضهم فصار يهوديا أو نصاريا.

وهذا الوجه يحتم له أيضا قوله تعالى: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها.

وإذا ثبت ما ذكرناه فى معنى الفطرة فقوله: «حتى يكون أبواه يهوّدانه وينصرانه» يحتمل وجهين:

أحدهما أنّ من كان يهوديا أو نصرانيا ممن خلقته لعبادتى ودينى؛ فإنما جعله كذلك أبواه، ومن جرى مجراهما ممن أوقع له الشبهة وقلده الضلال عن الدين.

وإنما خص الأبوين لأن الأولاد فى الأكثر ينشئون على مذاهب آبائهم، ويألفون أديانهم وتحلهم؛ ويكون الغرض بالكلام تنزيه الله تعالى عن ضلال العباد وكفرهم، وأنه إنما خلقهم للإيمان فصدهم عنه آباؤهم، أى ومن جرى مجراهم.

والوجه الآخر أن يكون معنى: «يهوّدانه وينصّرانه» أى يلحقانه بأحكامهما، لأنّ أطفال أهل الذمة قد ألحق الشرع أحكامهم بأحكامهم؛ فكأنه ﵇ قال: لا تتوهموا من حيث لحقت أحكام اليهود والنصارى أطفالهم، أنهم خلقوا لدينهم، بل لم يخلقوا إلا للإيمان والدين الصحيح؛ لكنّ آباءهم هم الذين أدخلوهم فى أحكامهم. وعبّر عن إدخالهم فى أحكامهم بقولهم: «يهوّدانه وينصّرانه»؛ وهذا واضح.

فأما جواب أبى عبيد الّذي حكاه عن محمد بن الحسن فإنا إذا تمكنا من حمل الخبر على وجه نسلم معه من النسخ لم نحتج إلى غيره؛ وإنما توهّم النسخ لاعتقاده أن خلقهم على الفطرة يمنع من إلحاقهم بحكم آبائهم؛ وذلك غير ممتنع.

وأما الجواب الّذي حكاه عن ابن المبارك ففاسد، لأن الله تعالى لا يجوز أن يخلق أحدا للكفر؛ وكيف يخلقه للكفر وهو يأمره بالإيمان ويريده منه، ويعاقبه ويذمه على خلافه!

فأما ما روى عنه/ ﵇ وقد سئل عن أطفال المشركين فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» - فإنه يحتمل أن يكون ﵇ سئل عمّن لم يبلغ من أطفال المشركين:

كيف تكون صورته؟ وإلى أىّ شيء تنتهى عاقبته؟ فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين»، وأراد أن ذلك مستور عنّى؛ ولو كانت المسألة عمّن اخترم طفلا لم يجز أن يكون الجواب ذلك.

وأما ابن قتيبة فإنه رد على أبى عبيد من غير وجه يقتضي الرّد واعترض جواب ابن المبارك، باعتبار العموم والخصوص، وترك أن يفسده من الوجه الّذي يفسد به وهو الّذي ذكرناه، وكيف ننبه على فساده من هذه الجهة، وقد اختار فى تأويل الخبر ما يجرى فى الفساد والاختلال مجرى تأويل ابن المبارك.!

فأما النّسخ فى الأخبار فجائز إذا تضمنت معنى الأمر والنهى؛ ويكون ما دلّ على جواز النسخ فى الأوامر دالا على جواز ذلك فيها؛ وهذا مثل أن يقول: الصلاة واجبة عليكم، ثم يقول بعد زمان: ليست بواجبة، فيستدل بالثانى على نسخ الحكم الأول، كما لو قال ﵇:

صلوا، ثم قال: لا تصلوا كان النهى الثانى ناسخا للأول.

فأما الجواب الّذي ذكره ابن قتيبة فقد بينا فساده فيما تقدم من الأمالى عند تأويلنا قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ؛؛ وأفسدنا قول من اعتقد أنه مسح ظهر آدم، واستخرج منه الذرّية وأشهدها على نفوسها، وأخذ إقرارها بمعرفته بوجوه من الكلام؛ فلا طائل فى إعادة ذلك.

مجلس آخر

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ٥٩

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.