من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل آية [وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ.
قلنا: قد ذكر فى هذه الآية وجوه:
أولها أن يكون المعنى: وسل تبّاع من أرسلنا من قبلك من رسلنا؛ ويجرى ذلك مجرى قولهم: السخاء حاتم، والشعر زهير؛ وهم يريدون السخاء سخاء حاتم، والشعر شعر زهير وأقاموا حاتما مقام السخاء المضاف إليه؛ ومثله قوله تعالى: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، ومثله قول الشاعر:
لهم مجلس صهب السّبال أذلّةسواسية أحرارها وعبيدها
والمأمور بالسؤال فى ظاهر الكلام النبي عليه وآله السلام؛ وهو فى المعنى لأمته؛ لأنه ﵇ لا يحتاج إلى السؤال؛ لكنه خوطب خطاب أمته، كما قال تعالى: المص كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ/ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ، فأفرده الله تعالى بالمخاطبة، ثم رجع إلى خطاب أمته فقال: اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ، وفى موضع آخر: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ فخاطبه ﵇ والمعنى لأمته، لأنه بيّن بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً، وقال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فوحّد وجمع فى موضع واحد وذلك للمعنى الّذي ذكرناه.
وقال الكميت:
إلى السّراج المنير أحمد لاتعدلنى رغبة ولا رهب
عنه إلى غيره ولو رفع النّاس إلى العيون وارتقبوا
لو قيل أفرطت بل قصدت ولو عنفنى القائلون، أو ثلبوا
لجّ بتفضيلك اللّسان ولو أكثر فيك الضّجاج واللّجب
أنت المصفّى المهذّب المحض فى التشبيه إن نصّ قومك النسب
فظاهر الخطاب للنبى ﵇، والمقصود به أهل بيته ﵈، لأن أحدا من المسلمين لا يمتنع من تفضيله ﵇ والإطناب فى وصف فضائله ومناقبه؛ ولا يعنّف فى ذلك أحد، وإنما أراد الكميت: وإن أكثر فى أهل بيته وذويه السلام الضجاج واللجب والتقريع والتعنيف، فوجّه القول إليه والمراد غيره، ولذلك وجه صحيح وهو أنّ المراد بموالاتهم والانحياز إليهم والانقطاع إلى حبهم؛ لما كان رسول الله صلى الله عليه وآله هو المقصود بذلك أجمع جاز أن يخرج الكميت الكلام هذا المخرج، ويضعه هذا الموضع. وقيل إن المراد بتبّاع الأنبياء الذين أمر بمسألتهم هم مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله ابن سلام ونظرائه، وليس يمتنع أن يكون هو ﵇ المأمور بالمسألة على الحقيقة كما يقتضيه ظاهر الخطاب، وإن لم يكن شاكا فى ذلك، ولامر تابا به.
ويكون الوجه فيه تقرير أهل الكتاب به، وإقامة الحجة عليهم باعترافهم، أو لأنّ بعض مشركى العرب أنكر أن تكون كتب الله تعالى المتقدمة وأنبياؤه الآتون بها دعت إلى التوحيد، فأمر ﵇ بتقرير أهل الكتاب بذلك دعت لنزول الشبهة عمن اعترضته.
والجواب الثانى أن يكون السؤال متوجها إليه ﵇ دون أمته، والمعنى: إذا لقيت
النبيين فى السماء فاسألهم عن ذلك؛ لأن الرواية قد وردت بأنه صلى الله عليه وآله لقى النبيين فى السماء فسلّم عليهم وأمّهم؛ ولا يكون أمره بالسؤال، لأنه كان شاكا، لأن مثل ذلك لا يجوز عليه الشكّ فيه؛ لكن لبعض المصالح الراجعة إلى الدين؛ إمّا لشيء يخصه ﵇، أو يتعلّق ببعض الملائكة الذين يستمعون ما يجرى بينه وبين النبيين من سؤال وجواب.
والجواب الثالث ما أجاب به ابن قتيبة، وهو أن يكون المعنى: وسل من أرسلنا إليه قبلك رسلا من رسلنا- يعنى أهل الكتاب. وهذا الجواب- وإن كان يوافق فى المعنى الجواب الأول- فبينهما خلاف فى تقدير الكلام وكيفية تأويله، فلهذا صارا مفترقين.
وقد ردّ على ابن قتيبة هذا الجواب، وقيل إنه أخطأ فى الإعراب؛ لأن لفظة «إليه» لا يصح إضمارها فى هذا الموضع؛ لأنهم لا يجيزون: «الّذي جلست عبد الله»، على معنى «الّذي جلست إليه»، لأن «إليه» حرف منفصل عن الفعل، والمنفصل لا يضمر، فلما كان القائل إذا قال: «الّذي أكرمت إياه عبد الله» لم يجز أن يضمر «إياه»؛ لانفصاله من الفعل كانت لفظة «إليه» منزلته.
وكذلك لا يجوز: «الّذي رغبت محمد»، بمعنى «الّذي رغبت فيه محمد»؛ لأن الإضمار إنما يحسن فى الهاء المتعلقة بالفعل كقولك: «الّذي أكلت طعامك»، و «الّذي لقيت صديقك»، معناهما:
الّذي أكلته ولقيته.
وقال الفراء: إنما حذفت «الهاء» لدلالة الّذي عليها. وقال غيره فى حذفها غير ذلك؛ وكلّ هذا ليس مما تقدم فى
شيء، فصحّ أن جواب ابن قتيبة مستضعف، والمعتمد على ما تقدم.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع