تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل آية [أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا، لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ]

إن سأل سائل عن قوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا، لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ؛.

فقال: ما تأويل هذه الآية؟ فإن كان المراد بها التعجّب من قوة أسماعهم ونفاذ أبصارهم؛ فكيف يطابق ما خبّر به

عنهم فى مواضع كثيرة من الكتاب/ بأنهم لا يبصرون ولا يسمعون وأن على أسماعهم وأبصارهم غشاوة؟ وما معنى قوله تعالى: لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ؟ أىّ يوم هو اليوم المشار إليه؟ وما المراد بالضلال المذكور؟.

الجواب، قلنا: أمّا قوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ؛ فهو على مذهب العرب فى التعجّب؛ ويجرى مجرى قولهم: ما أسمعه! وما أبصره! والمراد بذلك الإخبار عن قوة علومهم بالله تعالى فى تلك الحال؛ وأنهم عارفون به على وجه الاعتراض للشبهة عليه؛ وهذا يدلّ على أنّ أهل الآخرة عارفون بالله تعالى ضرورة؛ ولا تنافى بين هذه الآية وبين الآيات التى أخبر عنهم فيها بأنهم لا يسمعون ولا يبصرون؛ وبأن على أبصارهم غشاوة؛ لأنّ تلك الآيات تناولت أحوال التكليف، وهى الأحوال التى كان الكفار فيها ضلّالا عن الدين، جاهلين بالله تعالى وصفاته. وهذه الآية تناولت يوم القيامة؛ وهو المعنىّ بقوله تعالى: يَوْمَ يَأْتُونَنا؛ وأحوال يوم القيامة لا بدّ فيها من المعرفة الضرورية. وتجرى هذه الآية مجرى قوله تعالى:

لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ.

فأما قوله تعالى: لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ فيحتمل أن يريد تعالى بقوله: الْيَوْمَ الدّنيا وأحوال التكليف؛ ويكون الضلال المذكور إنما هو الذّهاب عن الدين والعدول عن الحق، فأراد تعالى أنّهم فى الدنيا جاهلون، وفى الآخرة عارفون؛ بحيث لا تنفعهم المعرفة. ويحتمل أن يريد تعالى باليوم يوم القيامة؛ ويعنى تعالى

«بالضلال» العدول عن طريق الجنة ودار الثواب إلى دار العقاب؛ فكأنه تعالى قال: أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا؛ غير أنهم مع معرفتهم هذه وعلمهم يصيرون فى هذا اليوم إلى العقاب؛ ويعدل بهم عن طريق الثواب.

وقد روى معنى هذا التأويل عن جماعة من المفسرين فروى عن الحسن فى قوله تعالى:

أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا قال: يقول تعالى: هم يوم القيامة سمعاء بصراء؛ لكن الظالمون اليوم فى الدنيا ليسوا سمعاء وبصراء؛ ولكنهم فى ضلال عن الدين مبين.

وقال قتادة وابن زيد: ذلك والله يوم القيامة؛ سمعوا حين لم ينفع السمع، وأبصروا حين لم ينفعهم؟ البصر.

وقال أبو مسلم بن بحر فى تأويل هذه الآية كلاما جيدا، قال: " معنى أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ ما أسمعهم! وما أبصرهم! وهذا على طريق المبالغة فى الوصف؛ يقول: فهم يوم يأتوننا أى يوم القيامة سمعاء بصراء؛ أى عالمون وهم اليوم فى دار الدنيا فى ضلال مبين، أى جهل واضح". قال:

" وهذه الآية تدلّ على أنّ قوله: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ، ليس معناه الآفة فى الأذن، والعين والجوارح؛ بل هو أنهم لا يسمعون عن قدرة، ولا يتدبرون ما يسمعون، ولا يعتبرون بما يرون؛ بل هم عن ذلك

غافلون؛ فقد نرى أنّ الله تعالى جعل قوله تعالى: لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ مقابلا لقوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا، أى ما أسمعهم! وما أبصرهم! فأقام تعالى السمع والبصر مقام الهدى؛ إذ جعله بإزاء الضلال المبين."

وأما أبو على بن عبد الوهاب فإنه اختار فى تأويل هذه الآية غير هذا الوجه، ونحن نحكى كلامه على وجهه، قال: " وعنى بقوله: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ أى أسمعهم وبصّرهم وبيّن لهم أنّهم إذا أتوا مع الناس إلى موضع الجزاء سيكونون فى ضلال عن الجنة وعن الثواب الّذي يناله المؤمنون والظالمون الذين ذكرهم الله هم هؤلاء الذين توعّدهم الله بالعذاب فى ذلك اليوم".

ويجوز أيضا أن يكون عنى بقوله: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ، أى أسمع الناس بهؤلاء الأنبياء وأبصرهم بهم؛ ليعرفوهم ويعرفوا خبرهم، فيؤمنوا بهم، ويقتدوا بأعمالهم.

وأراد بقوله تعالى لكِنِ الظَّالِمُونَ لكن من كفر بهم من الظالمين اليوم؛ وهو يعنى يوم القيامة فى ضلال عن الجنة، وعن نيل الثواب، مبين.

وهذا الموضع من جملة المواضع التى استدركت على أبى على، وينسب فيها إلى الزلل؛ لأن الكلام وإن كان محتملا لما ذكره بعض الاحتمال من بعد، فإن الأولى والأظهر فى معنى ما تقدم ذكره من المبالغة فى وصفهم وقوله تعالى: لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ بعد ما تقدّم لا يليق إلا بالمعنى الّذي ذكرناه؛ لا سيما إذا حمل اليوم على أنّ المراد به يوم القيامة؛ على أن أبا عليّ جعل قوله تعالى: لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ من صلة قوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ وتأوله على أنّ المعنىّ به أعلمهم وبصّرهم/ بأنهم يوم القيامة فى ضلال عن الجنة. والكلام يشهد بأنّ ذلك لا يكون من صلة الأول وأنّ قوله تعالى: لكِنِ استئناف لكلام ثان.

وما يحتاج أبو عليّ إلى هذا؛ بل لو قال على ما اختاره من التأويل أنه أراد أسمعهم وأبصرهم يوم يأتوننا أى ذكّرهم بأهواله، وأعلمهم بما فيه؛ ثم قال مستأنفا. لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ لم يحتج إلى ما ذكره؛ وكان هذا أشبه بالصواب.

فأما الوجه الثانى الّذي ذكره فباطل، لأن قوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ إذا تعلّق بالأنبياء الذين ذكرهم الله تعالى بقى قوله يَوْمَ يَأْتُونَنا بلا عامل ومحال أن يكون ظرف لا عامل له؛ فالأقرب والأولى أن يكون على الوجه الأول مفعولا.

ووجدت بعض من اعترض على أبى عليّ يقول رادا عليه: لو كان الأمر على ما ذهب إليه أبو عليّ لوجب أن يقول

تعالى: أسمعهم وأبصرهم بغير باء، وهذا الردّ غير صحيح؛ لأن

الباء فى مثل هذا الموضع غير منكر زيادتها؛ وذلك موجود كثير فى القرآن والشعر؛ قال الله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ؛، عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ؛، وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ، تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ؛.

وقال الأعشى:

ضمنت برزق عيالنا أرماحنا

وقال امرؤ القيس:

هصرت بغصن ذى شماريخ ميّال

وأظنّ أبا عليّ إنما أنّسه بهذا الجواب أنه وجد تاليا للآية لفظ أمر؛ وهو قوله تعالى:

وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ، فحمل الأول على الثانى؛ والكلام لا تشتبه معانيه من حيث المجاورة؛ بل الواجب أن يوضع كلّ منه حيث يقتضيه معناه.

قال: المرتضى وجدت جماعة من أهل الأدب يستبعدون أن يرتج على إنسان فى خطبة أو كلام قصد له، فينبعث منه فى تلك الحال كلام هو أحسن مقصد إليه؛ وأبلغ ممّا أرتج عليه دونه ويقولون: إنّ النسيان لا يكون إلا عن حيرة وضلالة؛ فكيف يجتمع معهما البراعة الثاقبة، والبلاغة المأثورة؛ مع حاجتهما إلى اجتماع الفكرة وحضور الذكر! وينسبون جميع ما يحكى من كلام مستحسن، ولفظ مستغرب عمّن حصر فى خطبة أو فى منطق إلى أنه موضوع مصنوع.

/ وليس الّذي استبعدوه وأنكروه ببعيد ولا منكر، لأن النسيان قد يخص شيئا دون شيء، ويتعلّق بجهة دون جهة، وهذا أمر متعارف، فلا ينكر أن ينسى الإنسان شيئا قصده وعزم على الكلام فيه، ويكون مع ذلك ذاكرا لغيره، متكلّما فيه بأبلغ الكلام وأحسنه، بل ربما كان الحصر والذّهاب عن القصد يحميان القريحة، ويوقدان الفكرة، ويبعثان على أحسن الكلام وأبرعه، ليكون ذلك هربا من العىّ وانتفاء من اللّكنة.

ومن أحسن ما روى من الكلام وأبرعه فى حال الحصر والانقطاع عن المقصود من الكلام ما أخبرنى به أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنا ابن دريد قال حدثنا أبو حاتم.

قال المرزبانىّ: وأخبرنا ابن دريد مرة أخرى قال حدثنا السكن بن سعيد عن محمد بن عباد عن ابن الكلبىّ قالا: صعد خالد بن عبد الله القسرىّ يوما المنبر بالبصرة فأرتج عليه، فقال: «أيها الناس، إن الكلام- وقال أبو حاتم: إن هذا القول- يجيء أحيانا، ويذهب أحيانا، فيتسبب عند مجيئه سببه، ويعزّ عند عز وبه طلبه، وربما كوبر فأتى، وعولج فأبطأ وقال ابن الكلبى: ربما طلب فأبى، وعولج فقسا- فالتّأتى لمجيئه أصوب من التعاطى لأبيّه». ثم نزل. فما رؤى حصر أبلغ منه.

وقال أبو حاتم: «والتّرك لأبيّه أفضل من التعاطى لمجيئه، وتجاوزه عند تعززه أولى من طلبه عند تنزّحه؛ وقد يختلج من الجريء جنانه، ويرتج على البليغ لسانه»، ثم نزل.

وأخبرنا بهذا الخبر أبو عبيد الله المرزبانىّ على وجه آخر قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة الواسطىّ قال: كان خالد بن عبد الله القسرى حين ولّاه هشام بن عبد الملك يكثر الخطب والتبالغ، فقدم واسطا، فصعد المنبر فحاول الخطبة فأرتج عليه، فقال: «أيها الناس، إن هذا الكلام يجيء أحيانا ويعزب أحيانا، فيعز عند عزوبه طلبه؛ ويتسبب عند مجيئه سببه، وربما كوثر فأبى، وعوسر فقسا، والتأتّى لمجيئه أسهل من التعاطى لأبيه؛ وتركه عند تعزّزه أحمد من طلبه

عند تنكّره، فقد يرتج على اللسن لسانه، فلا ينظره القول إذا اتسع، ولا ينشأ إذا امتنع، ومن لم تمكن له الخطوة، فخليق أن تعنّ له النّبوة».

وأخبرنا المرزبانىّ قال أخبرنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة قال حدثنى أبو العباس المنصورىّ قال: صعد أبو العباس السفّاح/ المنبر فأرتج عليه فقال: «أيها الناس، إنما اللسان بضعة من الإنسان، يكلّ إذا كلّ، وينفسح بانفساحه إذا انفسح، ونحن أمراء الكلام، منّا تفرعت فروعه، وعلينا تهدّلت غصونه، ألا وإنّا لا نتكلم هذرا؛ ولا نسكت إلا معتبرين».

ثم نزل.

فبلغ ذلك أبا جعفر فقال: لله هو! لو خطب بمثل ما اعتذر لكان من أخطب الناس.

وهذا الكلام يروى لداود بن على.

وبهذا الإسناد عن محمد بن الصباح عن قثم بن جعفر بن سليمان عن أبيه قال: أراد أبو العباس السفّاح يوما أن يتكلم فى أمر من الأمور بعد ما أفضت الخلافة إليه، وكان فيه حياء مفرط فأرتج عليه، فقال داود بن عليّ بعد أن حمد الله وأثنى عليه:

إن أمير المؤمنين، الّذي قلّده الله سياسة رعيته عقل من لسانه عند ما تعهّد من بيانه، ولكل مرتق بهر، حتى تنفّسه العادات، فأبشروا بنعمة الله فى صلاح دينكم، ورغد عيشكم».

وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة قال حدثنا عبد الله بن إسحاق بن سلّام قال: صعد عثمان بن عفان المنبر فأرتج عليه فقال: «أيها الناس، سيجعل الله بعد عسر يسرا، وبعد عىّ نطقا، وإنكم إلى إمام فعّال أحوج منكم إلى إمام قوّال».

وروى محمد بن يزيد النحوىّ هذا الكلام بعينه عن زياد بن يزيد بن أبى سفيان وقد

خطب على بعض منابر الشام وإن عمرو بن العاص لما بلغه كلامه قال: هنّ مخرجاتى من الشام؛ استحسانا لكلامه.

وروى محمد بن يزيد النحوىّ قال: بلغنى أن رجلا صعد المنبر أيام يزيد- وكان واليا على قوم- فقال لهم: «أيها الناس، إنى إلّا أكن فارسا طبّا بهذا القرآن فإن معى من أشعار العرب ما أرجو أن يكون خلفا منه، وما أساء القائل

أخو البراجم حيث يقول:

وما عاجلات الطّير يدنين للفتىرشادا، ولا من ريثهنّ يخيب
وربّ أمور لا تضيرك ضيرةوللقلب من مخشاتهنّ وجيب
للشاعر ضابئ البرجمي، اقرأ القصيدة
ولا خير فيمن لا يوطّن نفسهعلى حادثات الدّهر حين تنوب
وفى الشّكّ تفريط، وفى الحزم قوّةويخطى الفتى فى حدسه ويصيب

/ فقال له رجل من كلب: إنّ هذا المنبر لم ينصب للشعر، بل ليحمد الله عليه ويصلّى على النبي صلّى الله عليه وآله وللقرآن، فقال: أما لو أنشدتكم شعر رجل من كلب لسرّكم، فكتب إلى يزيد بذلك فعزله، وقال: قد كنت أرى أنك جاهل، ولم أحسب أنّ الحمق بلغ بك هذا كلّه، فقال له: أحمق منّى من ولّانى.

وكان يزيد بن المهلب ولى ثابت قطنة بعض قرى خراسان، فصعد المنبر فحصر فنزل وهو يقول:

فإلّا أكن فيكم خطيبا فإننىبسيفى إذا جدّ الوغى لخطيب
للشاعر ثابت قُطنة، اقرأ القصيدة

فقيل: لو قلت هذا على المنبر لكنت أخطب الناس؛ فبلغ ذلك حاجب الفيل فقال:

أبا العلاء لقد لاقيت معضلةيوم العروبة من كرب وتحنيق
أما القرآن فلا تهدى لمحكمهولم تسدّد من الدّنيا بتوفيق
لمّا رمتك عيون النّاس هبتهموكدت تشرق لمّا قمت بالريق
للشاعر حاجب الفيل، اقرأ القصيدة
تلوى اللّسان إذا رمت الكلام بهكما هوى زلق من حالق نيق

وروى أن بعض خلفاء بنى العباس- وأظنه الرشيد- صعد المنبر ليخطب، فسقطت ذبابة على وجهه فطردها، فعادت فحصر وأرتج عليه، فقال: أعوذ بالله السميع العليم: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ، إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ، وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ، ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ، ثم نزل، فاستحسن ذلك منه.

ومما يشاكل هذه الحكاية ما حكاه عمرو بن بحر الجاحظ قال: " كان لنا بالبصرة قاض يقال له عبد الله بن سوّار لم ير الناس حاكما قطّ [ولا زمّيتا]، ولا ركينا، ولا وقورا، ضبط من نفسه، وملك من حركته مثل الّذي ضبط وملك؛ وكان يصلى الغداة

فى منزله وهو قريب الدار من مسجده، فيأتى مجلسه، فيحتبى ولا يتّكئ، ولا يزال منتصبا لا يتحرّك له عضو، ولا يلتفت، ولا تحلّ حبوته، ولا يحوّل رجلا عن رجل، ولا يعتمد على أحد شقّيه، حتى كأنه بناء مبنىّ أو صخرة منصوبة؛ فلا يزال كذلك؛ حتى يقوم لصلاة الظهر، ثم يعود إلى مجلسه، فلا يزال كذلك/ حتى يقوم لصلاة العصر، ثم يرجع إلى مجلسه، فلا يزال كذلك حتى يقوم لصلاة المغرب، ثم ربما عاد إلى مجلسه، بل كثيرا ما يكون ذلك إذا بقى عليه من قراءة العهد والشروط والوثائق، ثم يصلى العشاء وينصرف، لم يقم فى تلك الولاية مرة

واحدة إلى الوضوء، ولا احتاج إليه، ولا شرب ماء ولا غيره من الشراب، وكذلك كان شأنه فى طوال الأيام وفى قصارها، وفى صيفها وشتائها، وكان مع ذلك لا يحرّك يدا، ولا يشير برأسه؛ وليس إلا أن يتكلم ثم يوجز؛ ويبلغ بالكلام اليسير المعانى الكثيرة.

فبينما هو ذات يوم كذلك، وأصحابه حوله وفى السّماطين بين يديه إذ سقط على أنفه ذباب، فأطال السكوت والمكث، ثم تحوّل إلى مؤق عينه؛ فرام الصبر فى سقوطه على المؤق وعلى عضّته، ونفاذ خرطومه؛ كما رام الصبر على سقوطه على أنفه، من غير أن يحرّك أرنبته، أو يغضّن وجهه؛ أو يذبّ بإصبعه؛ فلما طال عليه ذلك من الذباب وأوجعه وأحرقه وقصد إلى مكان لا يحتمل التغافل عنه أطبق جفنه الأعلى على جفنه الأسفل فلم ينهض، فدعاه ذلك إلى أن والى بين الإطباق والفتح؛ فتنحى ريثما سكن جفنه.

ثم عاد إلى موقفه ثانيا، أشد من مرته الأولى، فغمس خرطومه فى مكان قد كان أوهاه قبل ذلك، فكان احتماله له أضعف، وعجزه عن الصبر فى الثانية أقوى، فحرّك أجفانه، وزاد

فى شدة الحركة فى تتابع الفتح والإطباق، فتنحّى عنه بقدر ما سكنت حركته، ثم عاد إلى موضعه، فما زال يلحّ عليه حتى استفرغ جهده، وبلغ مجهوده، فلم يجد بدّا من أن يذبّ عنه بيده، ففعل ذلك وعيون القوم إليه يرمقونه، كأنهم لا يرونه، فتنحى عنه بمقدار ما ردّ يده، وسكنت حركته، ثم عاد إلى موضعه؛ فألجأه إلى أن ذبّ عن وجهه بطرف كمه، ثم ألجأه إلى أن تابع بين ذلك، وعلم أن ذلك كلّه بعين من حضر من أمنائه وجلسائه، فلما

نظروا إليه قال: أشهد أن الذباب ألجّ من الخنفساء، وأزهى من الغراب، وأستغفر الله فما أكثر من أعجبته نفسه، فأراد الله أن يعرّفه من ضعفه ما كان عنه مستورا. وقد علمت أنى كنت/ عند الناس من أرصن الناس، وقد غلبنى وفضحنى أضعف خلق الله، ثم تلا قول الله تعالى: ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ".

مجلس آخر

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.