تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل آية [يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا. فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا]

إن سأل سائل عن قوله تعالى: يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا. فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا؛.

فقال: من هارون الّذي نسبت مريم إلى أنها أخته؟ ومعلوم أنها لم تكن أختا لهارون أخى موسى. وما معنى مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، ولفظة «كان» تدلّ على ما مضى وعيسى ﵇ فى حال قولهم ذلك كان فى المهد؟

الجواب، قلنا: هارون الّذي نسبت إليه مريم قد قيل فيه أقوال:

منها أن هارون المذكور كان رجلا فاسقا مشهورا بالعهر والشرّ وفساد الطريقة، فلما أنكروا ما جاءت به من الولد، وظنوا بها ما هي مبرأة منه نسبوها إلى هذا الرجل تشبيها وتمثيلا؛ وكان تقدير الكلام: يا شبيهة هارون فى فسقه وقبيح فعله؛ وهذا القول يروى عن سعيد بن جبير.

ومنها أن هارون هذا كان أخاها لأبيها دون أمّها؛ وقيل إنه كان أخاها لأبيها وأمها، وكان رجلا معروفا بالصلاح وحسن الطريقة والعبادة والتألّه.

وقيل: إنه لم يكن أخاها على الحقيقة؛ بل كان رجلا صالحا من قومها، وإنه لما مات شيّع جنازته أربعون ألفا، كلّهم يسمّى هارون، من بنى إسرائيل، فلما أنكروا ما ظهر من أمرها قالوا لها: يا أُخْتَ هارُونَ؛ أى يا شبيهته فى الصلاح، ما كان هذا معروفا منك، ولا كان ووالدك ممن يفعل القبيح، ولا تتطرّق عليه الرّيب!

وعلى قول من قال إنه كان أخاها يكون معنى قولهم: إنك من أهل بيت الصلاح والسداد؛ لأن أباك لم يكن امرأ سوء، ولا كانت أمك بغيّا، وأنت مع ذلك أخت هارون المعروف بالصلاح والعفة، فكيف أتيت بما لا يشبه نسبك، ولا يعرف من مثلك!

ويقوّى هذا القول ما رواه المغيرة بن شعبة قال: لما أرسلنى/ رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أهل نجران قال لى أهلها: أليس نبيّكم يزعم أن هارون أخو موسى، وقد علم الله ما كان بين موسى وعيسى من السنين! فلم أدر ما أردّ عليهم حتى رجعت إلى النبي صلى الله عليه وآله فذكرت ذلك فقال لى: «فهلّا قلت إنهم كانوا يدعون بأنبيائهم والصالحين قبلهم»!

ومنها أن يكون معنى قوله: يا أُخْتَ هارُونَ يا من هى من نسل هارون أخى موسى؛ كما يقال للرجل: يا أخا بنى تميم، ويا أخا بنى فلان.

وذكر مقاتل بن سليمان فى قوله تعالى: يا أُخْتَ هارُونَ [قال: روى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «هارون الّذي ذكروه هو هارون أخو موسى ﵉».

قال مقاتل: تأويل] يا أُخْتَ هارُونَ يا من هى من نسل هارون، كما قال تعالى:

وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً؛، وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً؛ يعنى بأخيهم أنه من نسلهم وجنسهم.

وكلّ قول من هذه الأقوال قد اختاره قوم من المفسرين.

فأما قوله تعالى: مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا فهو كلام مبنىّ على الشرط والجزاء، مقصود به إليهما؛ والمعنى: من يكن فى المهد صبيا، فكيف نكلّمه! ووضع فى ظاهر اللفظ الماضى موضع المستقبل، لأن الشارط لا يشرط إلا فيما يستقبل، فيقول القائل: إن زرتنى زرتك؛ يريد إن تزرنى أزرك؛ قال الله تعالى: إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ؛؛

يعنى إن يشأ يجعل.

وقال قطرب: معنى كانَ هاهنا معنى صار؛ فكأن المعنى: وكيف نكلّم من صار فى المهد صبيا، ويشهد بذلك قول زهير:

أجزت إليه حرّة أرحبيّةوقد كان لون اللّيل مثل الأرندج

وقال غيره: كانَ هاهنا بمعنى خلق ووجد؛ كما قالت العرب: كان الحرّ، وكان البرد؛ أى وجدا وحدثا.

وقال قوم: لفظة كانَ وإن أريد بها الماضى فقد يراد بها الحال والاستقبال؛ كقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ؛، أى أنتم كذلك، وقوله تعالى: هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا وقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً؛؛ وإن كان قد قيل فى هذه الآية الأخيرة غير هذا؛ قيل إن القوم شاهدوا من آثار علمه وحكمته تعالى ما شاهدوا، فأخبرهم أنه لم يزل عليما حكيما، أى فلا تظنّوا أنه استفاد علما وحكمة لم يكن عليهما.

ومما يقوى مذهب/ من وضع لفظة الماضى فى موضع الحال والاستقبال قوله تعالى:

وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، وقوله تعالى: وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ؛؛ وقولهم فى الدعاء: غفر الله لك، وأطال بقاءك! وما جرى مجرى ذلك.

ومعنى الكلّ يفعل الله ذلك بك؛ إلّا أنه لما أمن اللبس وضع لفظ الماضى فى موضع المستقبل، قال الشاعر:

فأدركت من قد كان قبلى ولم أدعلمن كان بعدى فى القصائد مصعدا

أراد لمن يكون بعدى.

ومما جعلوا فيه المستقبل فى موضع الماضى قول الصّلتان العبدىّ يرثى المغيرة بن المهلّب:

قل للقوافل والغزاة إذا غزواوالباكرين وللمجدّ الرّائح
إنّ الشّجاعة والسّماحة ضمّناقبرا بمرو على الطّريق الواضح
للشاعر الصَّلَتان العَبْدي، اقرأ القصيدة
فإذا مررت بقبره فاعقر بهكوم الجلاد وكلّ طرف سابح
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة
وانضح جوانب قبره بدمائهافلقد يكون أخا دم وذبائح
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة

معناه: «فلقد كان كذلك».

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ٦٨

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.