من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل خبر [«لا عدوى ولا هامة ولا طيرة»]
إن سأل سائل فقال: كيف يطابق ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال:
«لا عدوى ولا هامة ولا طيرة» وأنه قيل له: إن النّقبة تقع بمشفر البعير فتجرب لذلك الإبل، فقال ﵇:
«فما أعدى الأول؟ » لما روى عنه ﵇ من قوله: «لا يوردنّ ذو عاهة على مصحّ»، وقوله: «فرّ من المجذوم فرارك من الأسد»، وأن رجلا مجذوما أتاه ليبايعه بيعة الإسلام فأرسل إليه بالبيعة، وأمره بالانصراف، ولم يأذن له ﵇، وروى عنه ﵇ أنه قال: «الشؤم فى المرأة والدار والدّابة»؛ وظواهر هذه الأخبار متنافية متناقضة فبيّنوا وجه الجمع بينها.
الجواب، قلنا: إن ابن قتيبة قد سأل نفسه عن اختلاف هذه الأخبار، وأجاب عن ذلك بما نذكره على وجهه، ونذكر ما عندنا فيه، فإنه خلّط/ وأتى بما ليس بمرضىّ.
قال: " إنّ لكلّ من هذه الأخبار معنى وموضعا؛ فإذا وضع موضعه زال الاختلاف".
قال: " وللعدوى معنيان:
أحدهما عدوى الجذام، وإنّ المجذوم تشتد رائحته حتى تسقم فى الحال مجالسيه ومؤاكليه، وكذلك المرأة تكون تحت المجذوم فتضاجعه فى شعار واحد، فيوصل إليها الأذى؛ وربما جذمت، وكذلك ولده ينزعون فى الكبر إليه، وكذلك من كان به سلّ ودقّ، والأطباء تأمر بألّا يجالس المسلول والمجذوم؛ ولا يريدون بذلك معنى العدوى؛ وإنما يريدون بذلك تغيّر الرائحة، وأنها قد يسقم فى الحال اشتمامها. والأطباء أبعد الناس من الإيمان بيمن أو شؤم، وكذلك النّقبة تكون بالبعير وهو جرب رطب، فإذا خالط الإبل وحاكّها أوصل إليها بالماء الّذي يسيل منه نحوا مما به؛ فهذا هو المعنى الّذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله:
«لا يوردنّ ذو عاهة على مصحّ» ".
قال: " وقد ذهب قوم إلى أنه أراد بذلك ألّا يظن أنّ الّذي نال إبله من ذوات العاهة، فيأثم."
قال: " وليس لهذا عندى وجه؛ لأنا نجد الّذي خبرتك به عيانا» ".
قال: " وأما الجنس الآخر من العدوى فهو الطاعون ينزل ببلد فيخرج منه خوفا من الطاعون، وحكى عن الأصمعىّ عن بعض البصريين أنه هرب من الطاعون، فركب حمارا ومضى بأهله نحو سفوان، فسمع حاديا يحدو خلفه،
وهو يقول:
لن يسبق الله على حمارولا على ذى ميعة مطار
أو يأتى الحقّ على مقدارقد يصبح الله أمام السّارى
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «إذا كان بالبلد الّذي أنتم فيه فلا تخرجوا منه».
وقال أيضا: «إذا كان ببلد فلا تدخلوه»؛ يريد بقوله: «لا تخرجوا» من البلد إذا كان فيه.
كأنكم تظنون أن الفرار من قدر الله تعالى ينجيكم؛ ويريد بقوله: «إذا كان ببلد فلا تدخلوه» إن مقامكم بالموضع الّذي لا طاعون فيه أسكن لأنفسكم، وأطيب لعيشكم/". قال: " ومن ذلك المرأة تعرف بالشؤم، والدار، فينال الرجل مكروها أو جائحة فيقول: أعدتنى بشؤمها» ".
قال: " فهذا الّذي قال فيه ﵇: «لا عدوى» ".
" فأما الحديث الّذي رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «الشؤم فى المرأة والدار والدابّة» فإن هذا يتوهّم فيه الغلط على أبى هريرة، وأنه سمع من النبي صلى الله عليه وآله شيئا فلم يعه."
وروى ابن قتيبة خبرا ورفعه إلى أبى حسّان الأعرج أنّ رجلين دخلا على عائشة فقالا: إن أبا هريرة يحدّث عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «إنما الطّيرة فى المرأة والدار والدابة»، فطارت
شققا فقالت: كذب والّذي أنزل القرآن على أبى القاسم، من حدث بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وآله! وإنما قال رسول الله: «كان أهل الجاهلية يقولون: إن الطيرة فى المرأة والدار والدابة»، ثم قرأت: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها؛.
وروى خبرا يرفعه إلى أنس بن مالك قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال:
يا رسول الله إنا نزلنا دارا فكثر فيها عددنا، وكثر بها أموالنا، ثم تحولنا منها إلى أخرى، فقلّت فيها أموالنا، وقلّ عددنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «ذروها فهى ذميمة».
قال ابن قتيبة: " وهذا ليس ينقض الحديث الأول؛ وإنما أمرهم بالتحوّل منها؛ لأنهم كانوا مقيمين فيها على استثقال
ظلّها، واستيحاش لما نالهم فيها، فأمرهم بالتحوّل منها، وقد جعل الله فى غرائز الناس وتركيبهم استثقال ما نالهم السوء فيه؛ وإن كان لا سبب لهم فى ذلك؛ وحب من جرى على يده الخير لهم وإن لم يردهم به، وبغض من جرى على يده الشر لهم وإن لم يردهم به.
قال سيدنا أدام الله علوه: ما وجدنا ابن قتيبة عمل شيئا أكثر من أنه لما أعجزه تأويل الأخبار التى سأل نفسه عنها، والمطابقة بينها وبين قوله ﵇: «لا عدوى ولا طيرة» ادّعى الخصوص فيما ظاهره العموم، وخصّ العدوى بشيء دون آخر؛ وكلاهما سواء، وأورد تأويلا/ يدفعه نص قول النبي صلى الله عليه وآله؛ لأنه ﵇ لما سئل عن النّقبة تقع بمشفر البعير فتجرب لذلك الإبل قال ﵇: «فما أعدى الأول؟ » تكذيبا بعدوى هذه النّقبة وتأثيرها، فاطّرح ابن قتيبة ذلك، وزعم أن الجرب يعدى ويؤثر فى المخالط والمؤاكل، وعوّل فى ذلك على قول الأطباء، وترك قول الرسول صلى الله عليه وآله.
ومن طريف أمره أنه قال: " إن الأطباء ينهون عن مجالسة المسلول والمجذوم؛ ولا يريدون
بذلك معنى العدوى، وإنما يريدون تغيّر الرائحة؛ وأنها تسقم من أدمن اشتمامها". وهذا غلط لأن الأطباء إنما تنهى عن ذلك خوفا من العدوى، وسبب العدوى عندهم هو اشتمام الرائحة، وانفصال أجزاء من السقيم إلى الصحيح، وليس إذا كان غير هذا عدوى عند قوم ما يوجب ألّا يكون هذا أيضا من العدوى.
ولما حكى عن غيره تأويلا صحيحا فى قوله ﵇. «لا يوردنّ ذو عاهة على مصحّ» ادّعى أن العيان يدفع، وأىّ عيان معه! ونحن نجد كثيرا ممن يخالط الجربى فلا يجرب، ونجد إبلا صحاحا تخالط ذوات العاهات فلا يصيبها شيء من أدوائها؛ فكأنه إنما يدّعى أن العيان يدفع قول النبي صلى الله عليه وآله: «فما أعدى الأول»؟
والوجه عندنا فى قول النبي ﵇: «لا يوردنّ ذو عاهة على مصحّ» أنه ﵇ إنما نهى عن ذلك؛ وإن لم يكن مؤثرا على الحقيقة؛ لأنّ فاعله كالمدخل الضرر على غيره؛ لأنّ من اعتقد أن ذلك يعدى ويؤثر فأورد على إبله؛ فلا بدّ من أن يلحقه لما تقدم من اعتقاده ضرر وغمّ، ولا بدّ من أن يذم من عامله بذلك؛ فكأنه ﵇ نهى عن أذى الناس والتعرّض لذمهم.
وقد يجوز أيضا فيه ما حكاه ابن قتيبة عن غيره مما لم يرتضه من أنهم متى ظنوا ذلك اثموا فنهى ﵇ عن التعرض لما يؤثم.
ولو نقل ابن قتيبة ما قاله ﵇ فى الطاعون: «إذا كان ببلد فلا تدخلوه»، وأمره لمن شكا إليه ما لحقه فى الدار بالتحوّل عنها إلى هاهنا لكان قد أصاب، لأنه حمل ذلك على أن تجنّب البلد أسكن للنفس وأطيب للعيش؛ وكذلك الدار، وهذا يمكن فى قوله ﵇:
«لا يوردنّ ذو عاهة على مصحّ» بعينه.
فأما قوله ﵇: «فرّ من المجذوم فرارك من الأسد»، فليس فيه أنّ ذلك لأجل العدوى؛ وقد يمكن أن يكون لأجل نتن ريحه واستقذاره، ونفور النفس عنه، وأن ذلك ربما دعا إلى تعييره والإزراء عليه. وامتناعه ﵇ من إدخال المجذوم عليه ليبايعه
يجوز أن يكون الغرض فيه غير العدوى؛ بل بعض الأسباب المانعة التى ذكرنا بعضها.
وأما حديث الطاعون والقول فيه على ما قاله؛ فقد كان سبيله لما عوّل فى عدوى الجذام والجرب على قول الأطباء أن يرجع أيضا إلى أقوالهم فى الطاعون؛ لأنهم يزعمون أنّ الطاعون الّذي يعرض من تغير الأهوية وما جرى مجراها يعدى كعدوى الجرب والجذام، والعيان الّذي ادعاه ليس هو أكثر من وجود من يجرب أو يجذم لمخالطة من كان بهذه الصفة.
وهذا العيان موجود فى الطاعون؛ فإنا نرى عمومه لمن يسكن البلد الّذي يكون فيه، ويطرأ إليه.
فأما الخبر الّذي يتضمّن أن الشؤم فى المرأة والدار والدابة، فالّذى ذكره من الرواية فى معناه يزيل الشبهة به؛ على أنه لو لم يكن هاهنا رواية فى تأويله جاز أن يحمل على أن الّذي يتطير به المتطيّرون، ويدّعون أن الشؤم فيه هو المرأة، والدار، والدابة؛ ولا يكون ذلك إثباتا للطّيرة والشؤم فى هذه الأشياء؛ بل على طريق الإخبار بأنّ الطّيرة الثابتة إنما هى فيها لقوّة أمرها عند أصحاب الطّيرة وما ذكره بعد ذلك فى الدار؛ وأمره ﵇ بانتقاله عنها تأويل قريب؛ وكان يجب أن يهتدى إليه فيما تقدم. وما التوفيق إلا من عند الله.
مجلس آخر
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع