من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل آية [وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً، فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَك
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً، فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ؛.
وقال: ما تنكرون أن تكون هذه الآية دالة على جواز الرؤية عليه ﷿! لأنها لو لم تجز لم يجز أن يسألها موسى ﵇؛ كما لا يجوز أن يسأل اتخاذ الصاحبة والولد؛ ولو كانت أيضا الرؤية مستحيلة لم يعلّقها بأمر يصح أن يقع وهو استقرار الجبل. فإذا علمنا صحة استقرار الجبل فى موضعه فيجب أن تكون الرؤية أيضا صحيحة فى حكم ما علّقت به. وقوله تعالى:
فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ يقتضي جواز الحجاب عليه تعالى؛ لأن التجلّى والظهور لا يكونان إلا بعد احتجاب واستتار.
الجواب، قلنا: أول ما نقوله إنه ليس فى مسألة الشيء دلالة على صحة وقوعه ولا جوازه؛ لأن السائل يسأل عن الصحيح والمحال، مع العلم وفقد العلم؛ لأغراض مختلفة؛ فلا دلالة فى ظاهر مسألة الرؤية على جوازها.
ولأصحابنا عن هذه المسألة أجوبة:
أوّلها وهو الأولى والأقوى- أن يكون موسى ﵇ لم يسأل الرؤية لنفسه؛ وإنما سألها لقومه، فقد روى أنهم طلبوا ذلك منه والتمسوه، فأجابهم بأنها لا تجوز عليه ﵎؛ فلم يقنعوا بجوابه، وآثروا أن يرد الجواب من قبل ربه تعالى، فوعدهم ذلك، وغلب فى ظنه أن الجواب إذ ورد من جهته جلّ وعزّ كان أحسم للشبهة؛ وأبلغ فى دفعها عنهم، فاختار السبعين الذين حضروا الميقات؛ ليكون سؤاله
بمحضر منهم، فيعرفوا ما يرد من الجواب، فسأل وأجيب بما يدلّ على أن الرؤية لا تجوز عليه تعالى.
ويقوّى هذا الجواب أشياء، منها قوله تعالى: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً؛.
ومنها قوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ؛.
ومنها قوله تعالى: فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا؛ لأن إضافة ذلك إلى السفهاء تدلّ على أنه كان بسببهم ومن أجلهم؛ وإنما سألوا ما لا يجوز عليه.
ومنها ذكر الجهرة فى الرؤية، وهى لا تليق إلا برؤية البصر دون العلم؛ وهذا يقوّى أن الطلب لم يكن للعلم الضرورىّ، على ما سنذكره فى الجواب الثانى.
ومنها قوله: أَنْظُرْ إِلَيْكَ لأنا إذا حملنا الآية على طلب الرؤية لقومه أمكن أن يحمل قوله: أَنْظُرْ إِلَيْكَ على حقيقته؛ فإذا حملت الآية على طلب العلم الضرورىّ احتيج إلى حذف فى الكلام، ويصير تقديره: أرنى أنظر إلى الآيات التى عندها أعرفك ضرورة.
ويمكن فى هذا الوجه الأخير خاصة أن يقال: إذا كان المذهب الصحيح عندكم هو أنّ النظر فى الحقيقة غير الرؤية، فكيف يكون قوله: أَنْظُرْ إِلَيْكَ حقيقة فى جواب من حمل الآية على طلب الرؤية لقومه؟
فإن قلتم: لا يمتنع أن يكونوا التمسوا الرؤية التى معها يكون النظر والتحديق إلى الجهة، فسأل على حسب ما التمسوا.
قيل لكم: هذا ينقض فرقكم فى هذا الجواب بين سؤال الرؤية، وبين سؤال جميع
ما يستحيل عليه من الصاحبة والولد؛ وما يقتضي الجسمية بأن تقولوا: الشك فى الرؤية لا يمنع من صحة معرفة السمع، والشك فى جميع ما ذكر يمنع من ذلك؛ لأن الشكّ الّذي لا يمنع من معرفة السمع إنما هو فى الرؤية التى لا يكون معها نظر، ولا تقتضى التشبيه.
فإن قلتم: يحمل/ ذكر النّظر على أن المراد به نفس الرؤية على سبيل المجاز؛ لأنّ من عادة العرب أن يسمّوا الشيء باسم الطريق إليه، وما قاربه وداناه.
قلنا: فكأنّكم عدلتم من مجاز إلى مجاز؛ فلا قوة فى هذا الوجه؛ والوجوه التى ذكرناها فى تقوية هذا الجواب المتقدمة أولى.
وليس لأحد أن يقول: لو كان ﵇ إنما سأله الرؤية لقومه لم يضف السؤال إلى نفسه فيقول: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ولا كان الجواب مختصا به؛ وهو قوله تعالى: لَنْ تَرانِي، وذلك لأنه غير ممتنع وقوع الإضافة على هذا الوجه؛ مع أن المسألة كانت من أجل الغير؛ إذا كانت هناك دلالة تؤمن من اللبس وتزيل الشبهة.
فلهذا يقول أحدنا إذا شفع فى حاجة غيره للمشفوع له: أسألك أن تفعل بى كذا، وتجيبنى إلى كذا. ويحسن أن يقول المشفوع إليه: قد أجبتك وشفّعتك، وما جرى مجرى ذلك؛ وإنما حسن هذا لأن للسائل فى المسألة غرضا، وإن رجعت إلى الغير فتحقّقه بها وتكلّفه كتكلّفه إذا اختصه ولم يتعدّه.
فإن قيل؛ كيف يجوز منه ﵇ مع علمه باستحالة الرؤية عليه تعالى أن يسأل فيها لقومه! ولئن جاز ذلك ليجوزنّ أن يسأل لقومه سائر ما يستحيل عليه من كونه جسما، وما أشبهه متى شكّوا فيه.
قلنا: إنما صحّ ما ذكرناه فى الرؤية ولم يصحّ فيما سألت عنه؛ لأن مع الشك فى جواز الرؤية التى لا تقتضى كونه جسما يمكن معرفة السمع، وأنه حكيم صادق فى أخباره، فيصح
أن يعرفوا بالجواب الوارد من جهته تعالى استحالة ما شكّوا فى صحته وجوازه؛ ومع الشك فى كونه جسما لا يصحّ معرفة السمع، فلا يقع بجوابه انتفاع ولا علم.
وقد قال بعض من تكلم فى هذه الآية: قد كان جائزا أن يسأل موسى ﵇ لقومه ما يعلم استحالته؛ وإن كانت دلالة السمع لا تثبت قبل معرفته؛ متى كان المعلوم أن فى ذلك صلاحا للمكلّفين فى الدين، وإنّ ورود الجواب يكون لطفا لهم فى النظر فى الأدلة، وإصابة الحق منها؛ غير/ أن من أجاب بذلك شرط أن يتبين النبي ﵇ فى مسألته علمه باستحالة ما سأل عنه، وأن غرضه فى السؤال ورود الجواب ليكون لطفا.
والجواب الثانى فى الآية أن يكون موسى ﵇ إنما سأل ربّه أن يعلمه نفسه ضرورة بإظهار بعض أعلام الآخرة، التى تضطرّ إلى المعرفة، فتزول عنه الدواعى والشكوك والشبهات، ويستغنى عن الاستدلال، فتخفّ المحنة عليه بذلك؛ كما سأل إبراهيم ﵇ ربه تعالى أن يريه كيف يحيى الموتى طلبا لتخفيف المحنة، وإن
كان قد عرف ذلك قبل أن يراه؛ والسؤال إن وقع بلفظ الرؤية فإن الرؤية تفيد العلم كما تفيد الإدراك بالبصر، وذلك أظهر من أن يستدل عليه أو يستشهد عليه؛ فقال له جل وعز: لَنْ تَرانِي أى لن تعلمنى على هذا الوجه الّذي التمسته منى، ثم أكّد ذلك بأن أظهر فى الجبل من آياته وعجائبه ما دلّ به على أنّ إظهار ما تقع به المعرفة الضرورية فى الدنيا مع التكليف وبيانه لا يجوز، وأن الحكمة تمنع منه.
والوجه الأول أولى لما ذكرناه من الوجوه؛ ولأنه لا يخلو موسى ﵇ من أن يكون شاكّا فى أنّ المعرفة الضرورية لا يصح دخولها فى الدنيا أو عالما بذلك. فإن كان شاكا فهذا مما لا يجوز على النبي ﵇؛ لأن الشكّ فيما يرجع إلى أصول الديانات وقواعد التكليف لا يجوز عليهم، ولا سيما أن يعلم الله ذلك على حقيقتهم بعض أمتهم، فيزيد عليهم فى المعرفة؛ وهذا أبلغ فى التنفير عنهم من كل شيء يمنع منه فيهم. وإن كان عالما فلا وجه لسؤاله إلا أن
يقال: إنه سال لقومه، فيعود إلى معنى الجواب الأول.
والجواب الثالث فى الآية ما حكى عن بعض من تكلم فى هذه الآية من أهل التوحيد وهو أن قال: يجوز أن يكون موسى ﵇/ فى وقت مسألته ذلك كان شاكا فى جواز الرؤية على الله تعالى؛ فسأل عن ذلك ليعلم هل يجوز عليه أم لا. قال: وليس شكّه فى ذلك بمانع من أن يعرف الله تعالى بصفاته، بل يجرى مجرى شكّه فى جواز الرؤية على بعض ما لا يرى من الأعراض فى أنه غير مخلّ بما يحتاج إليه فى معرفته تعالى؛ فلا يمتنع أن يكون غلطه فى ذلك ذنبا صغيرا أو تكون التوبة الواقعة منه لأجل ذلك.
وهذا الجواب يبعد من قبل أن الشك فى جواز الرؤية التى لا تقتضى تشبيها، وإن كان لا يمنع من معرفته تعالى بصفاته فإن الشكّ فى ذلك لا يجوز على الأنبياء من حيث يجوز من بعض من بعثوا إليه أن يعرف ذلك على حقيقته، فيكون النبىّ شاكا فيه وغيره عارفا به؛ مع رجوعه إلى المعرفة بالله تعالى، وما يجوز علينا فلا يجوز عليهم، وهذا أقوى فى التنفير وأزيد على كل ما يوجب أن يجنّبه الأنبياء.
فإن قيل: ففى أىّ شيء كانت توبة موسى ﵇ على الجوابين المتقدمين؟.
قلنا: اما من ذهب إلى أن المسألة كانت لقومه فإنه يقول: إنما تاب لأنه أقدم على أن سأل على لسان قومه ما لم
يؤذن له فيه؛ وليس للأنبياء ذلك؛ لأنه لا يؤمن أن يكون الصلاح فى المنع منه، فيكون ترك إجابتهم إليه منفّرا عنهم.
ومن ذهب إلى أنه سأل المعرفة الضرورية يقول: إنه تاب من حيث سأل معرفة لا يقتضيها التكليف. وعلى جميع الأحوال تكون التوبة من ذنب صغير لا يستحق عليه العقاب ولا الذم.
والأولى أن يقال فى توبته ﵇: إنه ليس فى الآية ما يقتضي أن تكون التوبة وقعت من المسألة أو من أمر يرجع إليها؛ وقد يجوز أن يكون سأل ذلك؛ إما لذنب صغير تقدم
تلك الحال، أو تقدم النبوة فلا ترجع إلى المسألة. وقد يجوز أن يكون ما أظهره من التوبة على سبيل الرجوع إلى الله تعالى؛ وإظهار الانقطاع إليه، والتقرب منه، وإن لم يكن هناك ذنب معروف.
وقد يجوز أن يكون الغرض فى ذلك مضافا إلى ما قلناه تعليما وتوفيقا على ما نستعمله وندعو به عند الشدائد ونزول الأهوال، وتنبيه القوم المخطئين خاصة على التوبة مما التمسوه من الرؤية/ المستحيلة عليه تعالى؛ فإن الأنبياء، وإن لم يقع منهم القبيح عندنا فقد يقع من غيرهم؛ ويحتاج من وقع ذلك منه إلى التوبة والاستقالة.
فأما قوله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ فإن التجلّى هاهنا التعريف والإعلام والإظهار لما تقتضى المعرفة، كقولهم: هذا كلام جلىّ أى واضح، وكقول الشاعر:
تجلّى لنا بالمشرفيّة والقناوقد كان عن وقع الأسنّة نائيا
أراد أن تدبيره دل عليه حتى علم أنه المدبّر له وإن كان نائيا عن وقع الأسنة، فأقام ما ظهر من دلالة فعله مقام مشاهدته، وعبر عنه بأنه تجلّى منه.
وفى قوله: لِلْجَبَلِ وجهان:
أحدهما أن يكون لأهل الجبل، ومن كان عند الجبل، فحذف؛ كما قال تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ؛ فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ؛؛
وقد علمنا أنه بما أظهره من الآيات إنما دلّ من كان عند الجبل على أن رؤيته تعالى غير جائزة.
والوجه الآخر أن يكون معنى لِلْجَبَلِ أى بالجبل، فأقام اللام مقام الباء؛ كما قال تعالى:
آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ؛؛ أى به؛ وكما يقولون: أخذتك لجرمك وبجرمك.
ولما كانت الآية الدالة على منع ما سئل فيه إنما حلّت الجبل وظهرت فيه جاز أن يضاف التجلى إليه.
وقد استدل بهذه الآية كثير من العلماء الموحّدين على أنه تعالى لا يرى بالأبصار من حيث نفى الرؤية نفيا عاما بقوله تعالى: لَنْ تَرانِي؛ ثم أكّد ذلك بأن علّق الرؤية باستقرار الجبل الّذي علمنا أنه لم يستقرّ. وهذه طريقة للعرب فى تبعيد الشيء؛ لأنهم يعلّقونه بما يعلم أنه لا يكون؛ كقولهم: لا كلمتك ما أضاء الفجر، وطلعت الشمس؛ وكقول الشاعر:
إذا شاب الغراب رجوت أهلىوصار القار كاللبن الحليب
ومما يجرى هذا المجرى قوله تعالى: وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ؛.
وليس لأحد أن يقول: إذا علّق الرؤية باستقرار الجبل؛ وكان ذلك فى مقدوره، فيجب أن تكون الرؤية معلقة به أيضا فى مقدوره؛ بأنه لو كان الغرض بذلك التبعيد لعلّقه بأمر يستحيل، كما علّق/ دخولهم الجنة بأمر مستحيل؛ من ولوج الجمل فى سمّ الخياط؛ وذلك أن تشبيه الشيء بغيره لا يجب أن يكون من جميع الوجوه؛ ولمّا علّق وقوع الرؤية باستقرار الجبل- وقد علم أنه لا يستقرّ- علم نفى الرؤية. وما عدا ذلك من كون الرؤية مستحيلة وغير مقدورة، واستقرار الجبل بخلافها يخرج عن ما هو الغرض فى التشبيه على أنه إنما علّق تعالى جواز الرؤية باستقرار الجبل فى تلك الحال التى جعله فيها دكّا، وذلك محال لما فيه من اجتماع الضّدين، فجرى مجرى جواز الرؤية فى الاستحالة. وليس يجب فى كل ما علّق بغيره أن يجرى مجراه فى سائر وجوهه؛ حتى إذا كان أحدهما مع انتفائه مستحيلا كان الآخر بمثابته؛ لأن تعلّق دخول الكفار الجنة إنما علّق بولوج الجمل فى سمّ الخياط؛ وولوج الجمل فى سمّ الخياط مستحيل، بل معلوم أن الأول فى المقدور وإن كان لا يحسن والثانى ليس فى المقدور. وهذه الجملة كافية فى تأويل هذه الآية، وبيان ما فيها، والحمد لله.
قال سيدنا أدام الله تمكينه: وإنى لأستجيد قول أبى العيص بن حرام بن عبد الله بن قتادة بن جابر بن ربيعة بن كابية المازنىّ رضى الله عنه.
وكم من صاحب قد بان عنّىرميت بفقده وهو الحبيب
فلم أبد الّذي تحنو ضلوعىعليه، وإنّنى لأنا الكئيب
مخافة أن يرانى مستكيناعدوّ أو يساء به قريب
فيشمت كاشح ويظنّ أنّىجزوع عند نائبة تنوب
فبعدك شدّت الأعداء طرفاإلى ورابنى دهر مريب
معنى، شدّت الأعداء طرفا، أى نظرت إلى نظرا شديدا فظهر الغضب فى عيونها-
وأنكرت الزّمان وكلّ أهلىوهرّتنى لغيبتك الكليب
يقال: كلب وكليب مثل عبد وعبيد-
وكنت تقطّع الأبصار دونىوان وغرت من الغيظ القلوب
ويمنعنى من الأعداء أنّىوإن رغموا لمخشىّ مهيب
/ فلم أر مثل يومك كان يومابدت فيه النّجوم فما تغيب
وليل ما أنام به طويلكأنّى للنّجوم به رقيب
وما يك جائيا لا بدّ منهإليك فسوف تجلبه الجلوب
مجلس آخر
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع