تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل آية [هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ، فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ. فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا ل

]

إن سأل سائل عن قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ، فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ. فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ/ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ؛.

فقال: أليس ظاهر هذه الآية يقتضي جواز الشرك على الأنبياء؛ لأنه لم يتقدم إلا ذكر آدم وحواء ﵉؛ فيجب أن يكون قوله: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما يرجع إليهما.

الجواب، قلنا: كما أنّ ذكر آدم وحواء قد تقدّم، فقد تقدم ذكر غيرهما فى قوله تعالى:

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ، ومعلوم أنّ المراد بذلك جميع ولد آدم، وقد تقدم ذكر ولد آدم فى قوله: فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً؛ والمعنى: فلما آتاهما ولدا صالحا، والمراد بهذا الجنس دون الواحد؛ وإن كان اللفظ لفظ واحد؛ والمعنى: فلما آتاهما جنسا من الأولاد صالحين؛ وإذا كان الأمر على ما ذكرناه جاز أن يرجع قوله: جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ إلى ولدهما؛ وقد تقدم ذكرهما.

فإن قيل: إنما وجب رده إلى آدم وحواء لأجل التثنية فى الكلام؛ ولم يتقدم ذكر اثنين إلا ذكرهما.

قلنا: إن جعل هذا ترجيحا فى رجوعه إليهما جاز أيضا أن يجعل قوله فى آخر الآية:

فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ وجها مقربا لرجوع الكلام إلى جملة الأولاد. ويجوز أن يكون أشير فى التثنية إلى الذكور والإناث من ولد آدم أو إلى جنسين منهم؛ فحسنت التثنية لذلك

على أنه إذا تقدم فى الكلام أمران ثم تلاهما حكم من الأحكام، وعلم بالدليل استحالة تعلّقه بأحد الأمرين وجب ردّه إلى الآخر.

وإذا علمنا أن آدم ﵇ لا يجوز عليه الشرك لم يجز عود الكلام إليه، فوجب عوده إلى المذكورين من ولده.

وذكر أبو على الجبائىّ ما نحن نورده على وجهه، قال: إنما عنى [الله تعالى بهذا أنه تعالى خلق بنى آدم] من نفس واحدة؛ لأن الإضمار فى قوله تعالى: خَلَقَكُمْ إنما عنى به بنى آدم، والنفس الواحدة التى خلقهم منها هى آدم؛ لأنه خلق حواء من آدم؛ ويقال: إنه تعالى خلقها من ضلع من أضلاعه؛ فرجعوا جميعا إلى أنهم خلقوا من آدم؛ وبيّن ذلك بقوله: وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها؛ لأنه عنى به أنّه خلق من هذا النفس زوجها، وزوجها هو حواء.

وعنى بقوله: فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً، وحملها هو حبلها منه فى/ ابتداء الحمل؛ لأنه فى ذلك الوقت خفيف

عليها.

وعنى بقوله: فَمَرَّتْ بِهِ أنّ مرورها بهذا الحمل، وتصرّفها به كان عليها سهلا لخفّته؛ فلما كبر الولد فى بطنها ثقل ذلك عليها، فهو معنى قوله: أَثْقَلَتْ؛ وثقل عليها عند ذلك المشى والحركة.

وعنى بقوله: دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما أنهما دعوا عند كبر الولد فى بطنها فقالا: لئن آتيتنا يا ربّ نسلا صالحا لنكوننّ من الشاكرين لنعمتك علينا؛ لأنهما أراد أن يكون لهما أولاد تؤنسهما فى الموضع الّذي كانا فيه؛ لأنهما كانا فردين مستوحشين؛ فكان إذا غاب أحدهما عن الآخر بقى الآخر مستوحشا بلا مؤنس؛ فلما آتاهما نسلا صالحا معافى، وهم الأولاد الذين كانوا يولدون لهما لأن حواء كانت تلد فى كلّ بطن ذكرا وأنثى فيقال: إنها ولدت فى خمسمائة بطن ألف ولد.

وعنى بقوله: فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما [أى أن هذا النسل الصالح الّذي هم ذكر وأنثى جعلا له شركاء فيما آتاهما] من نعمة؛ وأضافا تلك النعم إلى الذين اتخذوهم آلهة مع الله ﷿ من الأصنام والأوثان، ولم يعن بقوله: جَعَلا آدم وحواء ﵍؛ لأن آدم لا يجوز عليه الشرك بالله لأنه نبىّ من أنبيائه، ولو جاز الشرك والكفر على الأنبياء لما جاز أن يثق أحدنا بما يؤديه إليه الأنبياء عن الله ﷿؛ لأن من جاز عليه الكفر جاز عليه الكذب ومن جاز عليه الكذب لم يؤخذ بأخباره؛ فصحّ بهذا أنّ الإضمار فى قوله: جَعَلا إنما يعنى به النسل.

وإنما ذكر ذلك على سبيل التثنية؛ لأنهم كانوا ذكرا وأنثى، فلما كانوا صنفين جاز أن يجعل إخباره عنهما كالإخبار عن الاثنين إذا كانا صنفين.

وقد دلّ على صحة تأويلنا هذا قوله تعالى فى آخر الآية: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، فبيّن ﷿ أنّ الذين جعلوا لله شركاءهم جماعة، فلهذا جعل إضمارهم إضمار الجماعة، فقال: يُشْرِكُونَ؛ مضى كلام أبى عليّ.

وقد قيل فى قوله تعالى: فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً مضافا إلى الوجه المتقدم- الّذي هو أنه أراد بالصلاح الاستواء فى الخلقة والاعتدال فى الأعضاء- وجه آخر؛ وهو أنّه لو أراد الصلاح فى الدين لكان الكلام أيضا مستقيما؛ لأن

الصالح فى الدين قد يجوز أن يكفر بعد صلاحه، فيكون فى حال صالحا، وفى آخر مشركا؛ وهذا لا يتنافى.

وقد استشهد فى جواز الانتقال من خطاب إلى غيره، ومن كناية عن مذكور إلى مذكور سواه؛ ليصحّ ما قلناه من الانتقال من الكناية عن آدم وحوّاء إلى ولدهما بقوله تعالى:

إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فانصرف عن مخاطبة الرسول ﵇ إلى مخاطبة المرسل إليهم، ثم قال: وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ، يعنى الرسول ﵇، ثم قال: وَتُسَبِّحُوهُ،؛ وهو يعنى مرسل الرسول؛ فالكلام

واحد متّصل بعضه ببعض، والخطاب منتقل من واحد إلى غيره؛ ويقول الهذلىّ:

يا لهف نفسى كان جدّة خالدوبياض وجهك للتّراب الأعفر
للشاعر أبو كبير الهذلي، اقرأ القصيدة

ولم يقل: وبياض وجهه.

وقال كثيّر:

أسيء بنا، أو أحسنى لا ملومةلدينا، ولا مقليّة إن تقلت

فخاطب ثمّ ترك الخطاب. وقال آخر:

فدى لك يا فتى وجميع أهلىوما لى إنّه منه أتانى

ولم يقل: منك أتانى.

ووجدت أبا مسلم محمد بن بحر يحمل هذه الآية على أنّ الخطاب فى جميعها غير متعلّق بحواء وآدم، ويجعل الهاء فى تَغَشَّاها، والكناية فى دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما وآتاهُما صالِحاً راجعتين إلى من أشرك؛ ولم يتعلق بآدم وحواء من الخطاب إلا قوله: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ؛ لأن الإشارة فى قوله: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ إلى الخلق عامة، وكذلك قوله تعالى: وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها، ثم خص منها بعضهم كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ، فخاطب الجماعة بالتسيير فى البر والبحر، ثم خص راكب البحر بقوله تعالى: وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ؛ كذلك الآية أخبرت عن جملة البشر؛ وأنهم مخلوقون من نفس واحدة وزوجها، وهما آدم وحواء ﵉ ثمّ عاد الذكر إلى الّذي سأل الله تعالى ما سأل؛ فلما أعطاه إياه ادعى الشّركاء فى عطيته.

قال: وجائز أن يكون عنى بقوله: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ المشركين؛ خصوصا إذ كان كلّ بنى آدم مخلوقا

من نفس واحدة وزوجها.

ويجوز أن يكون المعنى فى قوله: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ خلق كلّ واحد منكم من نفس واحدة؛ وهذا يجيء كثيرا فى القرآن وفى كلام العرب؛ قال الله تعالى:

وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً؛ أى فاجلدوا كل واحد ثمانين جلدة.

وقال ﷿: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها؛ فلكل نفس زوج منها أى من جنسها.

فَلَمَّا تَغَشَّاها، أى تغشّى كلّ نفس زوجها. حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً وهو ماء الفحل.

فَمَرَّتْ بِهِ أى مارت، والمور: التردّد. والمراد تردّد هذا الماء فى رحم هذه الحامل. فَلَمَّا أَثْقَلَتْ أى ثقل حملها؛ أى بمصير ذلك الماء لحما ودما وعظما. دَعَوَا اللَّهَ أى الرجل والمرأة لمّا استبان حمل المرأة فقالا: لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ. فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً أى أعطاهما ما سألا من الولد الصالح نسبا ذلك إلى شركاء معه، فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ.

وقال قوم: معنى جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ أى طلبا من الله أمثالا للولد الصالح فشركا بين الطّلبتين وتكون الهاء فى قوله: لَهُ راجعة إلى الصالح لا إلى الله تعالى. ويجرى مجرى قول القائل: طلبت منى درهما فلما أعطيتك أشركته بآخر؛ أى طلبت آخر مضافا إليه.

وعلى هذا الوجه لا يمتنع أن يكونا قوله: جَعَلا والخطاب كله متوجها إلى آدم وحواء ﵉.

مجلس آخر

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.