تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل آية [قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ. وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ]

إن سأل سائل عن قوله تعالى: قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ. وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ؛.

فقال: أليس ظاهر هذا القول يقتضي أنه خالق لأعمال العباد، لأن ما هاهنا بمعنى «الّذي»؛ فكأنه قال: خلقكم وخلق أعمالكم.

الجواب، قلنا: قد حمل أهل الحق هذه الآية على أنّ المراد بقوله: وَما تَعْمَلُونَ أى وما تعملون فيه من الحجارة والخشب وغيرهما؛ مما كانوا يتخذونه أصناما/ ويعبدونها.

قالوا: وغير منكر أن يريد بقوله: وَما تَعْمَلُونَ ذلك؛ كما أنه قد أراد ما ذكرناه بقوله:

أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ لأنه لم يرد أنكم تعبدون نحتكم الّذي هو فعل لكم؛ بل أراد ما تفعلون فيه النّحت؛ وكما قال تعالى فى عصا موسى ﵇: تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ وتَلْقَفْ ما صَنَعُوا؛؛ وإنما أراد تعالى أنّ العصا تلقف الحبال التى أظهروا سحرهم فيها، وهى التى حلتها صنعتهم وإفكهم؛ فقال: ما صَنَعُوا وما يَأْفِكُونَ وأراد ما صنعوا فيه، وما يأفكون فيه؛ ومثله قوله تعالى: يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ،؛ وإنما أراد المعمول فيه دون العمل؛ [وهذا الاستعمال أيضا سائغ] شائع؛ لأنهم يقولون: هذا الباب عمل النّجار. وفى الخلخال: هذا من عمل الصائغ؛ وإن كانت الأجسام التى أشير إليها ليست أعمالا؛ وإنما عملوا فيها؛ فحسن إجراء هذه العبارة.

فإن قيل: كلّ الّذي ذكرتموه وإن استعمل فعلى وجه المجاز والاتساع؛ لأن العمل فى

الحقيقة لا يجرى إلا على فعل الفاعل دون ما يفعل فيه؛ وإن استعير فى بعض المواضع.

قلنا: ليس نسلّم لكم أنّ الاستعمال الّذي ذكرناه على سبيل المجاز؛ بل يقول: هو المفهوم الّذي لا يستفاد سواه، لأن القائل إذا قال: هذا الثوب عمل فلان لم يفهم منه إلا أنّه عمل فيه، وما رأينا أحدا قط يقول فى الثوب بدلا من قوله: هذا من عمل فلان: هذا مما حلّه عمل فلان؛ فالأول أولى بأن يكون حقيقة.

وليس ينكر أن يكون الأصل فى الحقيقة ما ذكروه، ثم انتقل بعرف الاستعمال إلى ما ذكرناه؛ وصار أخصّ به، ومما لا يستفاد من الكلام سواه؛ كما انتقلت ألفاظ كثيرة على هذا الحدّ والاعتبار فى المفهوم من الألفاظ إلا ما يستقرّ عليه استعمالها دون ما كانت عليه فى الأصل؛ فوجب أن يكون المفهوم والظاهر من الآية ما ذكرناه.

على أنا لو سلّمنا أن ذلك مجاز لوجب المصير إليه من وجوه:

منها ما يشهد به ظاهر الآية ويقتضيه، ولا يسوغ سواه.

ومنها ما تقتضيه الأدلة القاطعة الخارجة عن الآية؛ فمن ذلك أنه تعالى أخرج الكلام مخرج التهجين لهم، والتوبيخ لأفعالهم والإزراء على مذاهبهم، فقال: أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ. وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ/ ومتى لم يكن قوله: وَما تَعْمَلُونَ المراد تَعْمَلُونَ فيه؛ ليصير تقدير الكلام: أتعبدون الأصنام التى تنحتونها، والله خلقكم وخلق هذه الأصنام التى تفعلون فيها التخطيط والتصوير؛ لم يكن للكلام معنى، ولا مدخل فى باب التوبيخ. ويصير على ما يذكره المخالف كأنه قال: أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ والله خلقكم وخلق عبادتكم؛ فأىّ وجه للتقريع! وهذا إلى أن يكون عذرا أقرب من أن يكون لوما وتوبيخا؛ إذا خلق عبادتهم للأصنام؛ فأىّ وجه للومهم عليها وتقريعهم بها! على أن قوله ﷿: خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ بعد قوله: أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ خرج مخرج التعليل للمنع من عبادة غيره تعالى؛ فلا بدّ أن يكون متعلقا بما تقدم من قوله: أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ ومؤثرا فى المنع من عبادة غير الله. فلو أفاد قوله: ما تَعْمَلُونَ نفس العمل

الّذي هو النحت دون المعمول فيه لكان لا فائدة فى الكلام؛ لأن القوم لم يكونوا يعبدون النحت؛ وإنما كانوا يعبدون محل النحت؛ ولأنه كان لا حظّ فى الكلام للمنع من عبادة الأصنام. وكذلك إن حمل قوله تعالى: ما تَعْمَلُونَ على أعمال أخر ليست نحتهم، ولا هى ما عملوا فيه لكان أظهر فى باب اللغو والعبث والبعد عن التعلق بما تقدم؛ فلم يبق إلا أنه أراد: أنه خلقكم وما تعملون فيه النحت، فكيف تعبدون مخلوقا مثلكم!

فإن قيل: لم زعمتم أنه لو كان الأمر على ما ذكرناه لم يكن للقول الثانى حظّ فى باب المنع من عبادة الأصنام؟ وما تنكرون أن يكون لما ذكرناه وجه فى المنع من ذلك؟ [؛ كما أن ما ذكرتموه] أيضا لو أريد لكان وجها؛ وهو أن من خلقنا وخلق الأفعال فينا لا يكون إلا الإله القديم، الّذي تحقّ له العبادة، وغير القديم- كما يستحيل أن يخلقنا- يستحيل أن يخلق فينا الأفعال على الوجه الّذي يخلقها القديم تعالى؛ فصار لما ذكرناه تأثير.

قلنا: معلوم أن الثانى إذا كان كالتعليل للأول والمؤثر فى المنع من العبادة فلان يتضمن أنكم مخلوقون وما تعبدونه أولى من أن ينصرف إلى ما ذكرتموه ممّا لا يقتضي أكثر من خلقهم دون خلق ما عبدوه؛ وأنه لا شيء أدلّ على/ المنع من عبادة الأصنام من كونها مخلوقة كما أن عابدها مخلوق.

ويشهد لما ذكرناه قوله تعالى فى موضع آخر: أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ. وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ؛ فاحتج تعالى عليهم فى المنع من عبادة الآلهة دونه بأنها مخلوقة لا تخلق شيئا، ولا تدفع عن أنفسها ضرا ولا عنهم؛ وهذا واضح.

على أنه لو ساوى ما ذكروه ما ذكرناه فى التعلّق بالأول لم يسغ حمله على ما ادعوه؛ لأن فيه عذرا لهم فى الفعل

الّذي عنّفوا به وقرّعوا من أجله؛ وقبيح أن يوبخهم بما يعذرهم؛ ويذمّهم بما ينزّههم على ما تقدم.

على أنا لا نسلّم أن من يفعل أفعال العباد ويخلقها يستحق العبادة؛ لأن من جملة أفعالهم القبائح، ومن فعل القبائح لا يكون إلها، ولا تحقّ له العبادة؛ فخرج ما ذكروه من أن يكون مؤثرا بانفراده فى العبادة.

على أن إضافته العمل إليهم بقوله: تَعْمَلُونَ يبطل تأويلهم الآية؛ لأنه لو كان تعالى خالقا له لم يكن عملا لهم؛ لأن العمل إنما يكون لمن يحدثه ويوجده، فكيف يكون عملا لهم والله خلقه! وهذه مناقضة، فثبت بهذا أن الظاهر شاهد لنا أيضا.

على أن قوله: وَما تَعْمَلُونَ يقتضي الاستقبال؛ وكل فعل لم يوجد فهو معدوم.

ومحال أن يقول تعالى: إنى خالق للمعدوم!

فإن قالوا: اللفظ وإن كان للاستقبال فالمراد به المضىّ؛ فكأنه قال: والله خلقكم وما عملتم!

قلنا: هذا عدول منكم عن الظاهر الّذي ادّعيتم أنكم متمسكون به؛ وليس أنتم بأن تعدلوا عنه بأولى منا؛ بل نحن أحق؛ لأنا نعدل عنه لدلالة؛ وأنتم تعدلون بغير حجة.

فإن قالوا: فأنتم أيضا تعدلون عن هذا الظاهر بعينه على تأويلكم، وتحملون لفظ الاستقبال على لفظ الماضى.

قلنا: لا نحتاج نحن فى تأويلنا إلى ذلك؛ لأنا إذا حملنا قوله تعالى: وَما تَعْمَلُونَ على الأصنام المعمول فيها- ومعلوم أن الأصنام موجودة قبل عملهم فيها- فجاز أن يقول تعالى:

إنى خلقتها؛ ولا يجوز أن يقول: إنى خلقت ما سيقع من العمل فى المستقبل.

على أنه تعالى/ لو أراد بذلك أعمالهم؛ لا ما عملوا فيه على ما ادعوه لم يكن فى الظاهر حجة على ما يريدون؛ لأن الخلق هو التقدير والتدبير؛ وليس يمتنع فى اللغة أن يكون الخالق خالقا لفعل غيره إذا قدّره ودبّره؛ ألا ترى أنهم يقولون: خلقت الأديم؛ وإن لم يكن الأديم فعلا لمن يقال

ذلك فيه! ويكون معنى خلقه لأفعال العباد أنه مقدر لها، ومعرف لنا مقاديرها ومراتبها وما به نستحق عليها من

الجزاء.

وليس يمتنع أن يقال: إنه خالق للأعمال على هذا المعنى إذا ارتفع الإبهام وفهم المراد؛ فهذا كله تقتضيه الآية. ولو لم يكن فى الآية شيء مما ذكرناه مما يوجب العدول عن حمل قوله:

وَما تَعْمَلُونَ على خلق نفس الأعمال لوجب أن نعدل بها عن ذلك، ونحملها على ما ذكرناه بالأدلة العقلية الدّالة على أنه تعالى لا يجوز أن يكون خالقا لأعمالنا، وإن تصرفنا محدث بنا، ولا فاعل له سوانا؛ وكل هذا واضح بين.

قال سيدنا أدام الله علوّه: وإنى لأستحسن لبعض نساء بنى أسد قولها:

ألم ترنا غبّنا ماؤنازمانا، فظلنا نكدّ البئارا
فلمّا عدا الماء أوطانهوجفّ الثّماد فصارت حرارا
وضجّت إلى ربّها فى السّماءرءوس العضاه تناجى السّرارا
وفتّحت الأرض أفواههاعجيج الجمال وردن الجفارا
لبسنا لدى عطن ليلةعلى اليأس آتابنا والخمارا
وقلنا: اعبروا النّدى حقّهوصبر الحفاظ، وموتوا حرارا
فإنّ النّدى لعسى مرّةيردّ إلى أهله ما استعارا
فبتنا نوطّن أحشاءناأضاء لنا عارض فاستطارا
وأقبل يزحف زحف الكسيرسياق الرعاء البطاء العشارا
/ تننّى وتضحك حافاتهخلال الغمام وتبكى مرارا
كأنّا تضيء لنا حرّةتشدّ إزارا وتلقى إزارا
فلمّا خشينا بأن لا نجاءوألّا يكون قرار قرارا
أشار إليه امرؤ فوقههلمّ، فأمّ إلى ما أشارا

وأنشد أبو هفّان لولّادة المهزميّة:

لولا اتّقاء الله قمت بمفخرلا يبلغ الثّقلان فيه مقامى
للشاعر ولادة المهزومية، من قصيدة «لولا اتقاءُ الله قمتُ بمفخرٍ»
بأبوّة فى الجاهليّة سادةبذّوا العلى أمراء فى الإسلام
للشاعر ولادة المهزومية، من قصيدة «لولا اتقاءُ الله قمتُ بمفخرٍ»
جادوا فسادوا مانعين أذاهملنداهم، بذل على الأقوام
للشاعر ولادة المهزومية، من قصيدة «لولا اتقاءُ الله قمتُ بمفخرٍ»
قد أنجبوا فى السّؤددين وأنجبوابنجابة الأخوال والأعمام
للشاعر ولادة المهزومية، من قصيدة «لولا اتقاءُ الله قمتُ بمفخرٍ»
قوم إذا سكتوا تكلّم مجدهمعنهم؛ فأخرس دون كلّ كلام
للشاعر ولادة المهزومية، من قصيدة «لولا اتقاءُ الله قمتُ بمفخرٍ»

وقالت امرأة من بنى سعد بن بكر:

أيا أخوىّ الملزمىّ ملامةأعيذ كما بالله من مثل ما بيا
سألتكما بالله إلّا جعلتمامكان الأذى واللّوم أن تأويا ليا
أيا أمتا حبّ الهلالىّ قاتلىشطون النّوى يحتلّ عرضا يمانيا
أشمّ كغصن البان جعد مرجّلشعفت به لو كان شيئا مدانيا
فإن لم أوسّد ساعدى بعد هجعةغلاما هلاليا فشلّ بنانيا
ثكلت أبى إن كنت ذقت كريقهلشيء ولا ماء الغمامة غاديا

ولضاحية الهلالية:

ألمّ كبير لمّة ثمّ شمّرتبه جلّة يطلبن برقا يمانيا
/ [ألا ليتنا والنّفس تسكن للمنىيمانون إن أمسى حبيب يمانيا]

ولها:

وإنّى لأهوى القصد ثمّ يردّنىعن القصد ميلات الهوى فأميل
وما وجد مسجون بصنعاء موثقبساقيه من حبس الأمير كبول
للشاعر ضاحية الهلالية، اقرأ القصيدة
وما ليل مولى مسلم بجريرةله بعد ما نام العيون عويل
للشاعر ضاحية الهلالية، اقرأ القصيدة
بأكثر منّى لوعة يوم عجّلوا،فراق حبيب ما إليه سبيل

ولعمرة بنت العجلان أخت عمرو ذى الكلب بن عجلان الكاهلىّ ترثى أخاها عمرا، وقد كان فى بعض غزواته نائما، فوثب عليه نمران فأكلاه، فوجدت فهم سلاحه، فادّعت قتله:

سألت بعمرو أخى صحبهفأفظعنى حين ردّوا السّؤالا
للشاعر جنوب الهذلية، اقرأ القصيدة
وقالوا: أتيح له نائماأعزّ السّباع عليه أحالا
للشاعر جنوب الهذلية، اقرأ القصيدة
أتيح له نمرا أجبلفنالا لعمرك منه منالا
للشاعر جنوب الهذلية، اقرأ القصيدة
فأقسمت يا عمرو لو نبّهاكإذا نبّها منك أمرا عضالا
[إذن نبها غير رعديدةولا طائش رعش حين صالا]
للشاعر جنوب الهذلية، اقرأ القصيدة
إذا نبّها ليث عرّيسةمفيتا مفيدا نفوسا ومالا
هزبرا فروسا لاعدائههصورا إذا لقى القرن صالا
هما مع تصرّف ريب المنونمن الأرض ركنا ثبيتا أمالا
هما يوم حمّ له يومهوقال أخو فهم بطلا وفالا
للشاعر جنوب الهذلية، اقرأ القصيدة

معنى «فال» أخطأ؛ يقال: رجل فائل الرأى-

وقالا قتلناه فى غارةبآية ما إن ورثنا النّبالا

كأنها تهزأ بهم وتكذبهم؛ أى بعلامة أن قد ورثتم النبال-

فهلّا ومن قبل ريب المنونفقد كان رجلا وكنتم رجالا
وقد علمت فهم يوم اللّقاءبأنّهم لك كانوا نفالا
/ كأنهم لم يحسّوا بهفيخلوا النّساء له والحجالا
للشاعر جنوب الهذلية، اقرأ القصيدة
ولم ينزلوا بمحول السّنينبه فيكونوا عليه عيالا
وقد علم الضّيف والمجتدونإذا اغبرّ أفق وهبّت شمالا
وخلّت عن اولادها المرضعاتولم تر عين لمزن بلالا
للشاعر جنوب الهذلية، اقرأ القصيدة
بأنّك كنت الرّبيع المغيثلمن يعتريك وكنت الثّمالا
وخرق تجاوزت مجهولهبوجناء حرف تشكّى الكلالا
للشاعر جنوب الهذلية، اقرأ القصيدة
فكنت النهارية شمسهوكنت دجى اللّيل فيه الهلالا
وخيل سمت لك فرسانهافولّوا ولم يستقلّوا قبالا
[وحىّ أبحت، وحىّ صبحتغداة الهياج منايا عجالا]
للشاعر جنوب الهذلية، اقرأ القصيدة
وكلّ قبيل وإن لم تكنأردتهم، منك باتوا وجالا

مجلس آخر

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.