تجاوز إلى المحتوى

من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)

مساوئ من ارتد عن الإسلام

منهم جبلة بن الأيهم الغساني، لما افتتحت الشام ونظر جبلة إلى هدي المسلمين ووقارهم أحب الدخول في الإسلام فسار نحو المدينة إلى عمر بن الخطاب، ﵀، فلما بلغ عمر قدومه قال للمهاجرين: استقبلوه وأظهروا تعظيمه وتبجيله فإنه قريب العهد بالملك. فاستقبله الناس وأظهروا بره، وأقبل جبلة حتى دخل على عمر، ﵁، فقرب مجلسه وأدناه ووعده من نفسه خيراً، فأسلم وأقام بالمدينة حتى إذا حضر أوان الموسم حج عمر، ﵀، وخرج معه جبلة، فبينا هو يطوف بالبيت محرماً وعليه إزاران قد تردى بواحد واتّزر بالآخر إذ وطيء رجل طرف إزاره فانحلّ عنه حتى بدت عورته، فغضب ووثب على الرجل فلطمه، فتعلق به الرجل وجماعة معه وانطلقوا به إلى عمر، ﵁، وشهدوا عليه. فقال عمر: أقِدِ الرجل أو استوهبه منه. فقال جبلة: وكذلك هذا الدين لا يفضل فيه شريف على وضيع ولا ملك على سوقة؟ قال عمر: قال الله تعالى، وقوله الحق: " إن أكرمكم عند الله أتقاكم "، إن الناس شريفهم ووضيعهم في الحق سواء. فانصرف جبلة، فلما جنّ عليه الليل خرج في حشمه وعياله حتى لحقوا بأرض الشام مرتداً عن الإسلام، فكتب عمر إلى أبي عبيدة بن الجراح فأمره أن يستتيب جبلة فإن تاب وإلا ضرب عنقه، وبلغ ذلك جبلة فخرج من أرض الشام حتى دخل أرض الروم وأتى الملك فأخبره بأمره ورجوعه إلى النصرانية، فسرّ الملك بقدومه واستخلفه على ملكه وجعله جائز الأمر في سلطانه، فأقام عنده، فلما ولي معاوية بن أبي سفيان بعث رجلاً من الأنصار يقال له تميم بن بشر إلى قيصر ملك الروم في بعض أموره، قال تميم: فلما دخلت على قيصر أبلغته الرسالة وجلست عنده فحدثني مليّاً ثم قال: هل لك في لقاء رجل من العرب من أهل بيت الملك؟ فقلت: ومن هو؟ قال: جبلة بن الأيهم. قلت: إن لي في ذلك أملاً وإني لرجل من قومه، فبعث معي رجلاً حتى أدخلني عليه وهو في مجلس له يغشى العيون حسنه وكثرة تصاويره، مطلية حيطانه بماء الذهب والفضة، يتلألأ تلألؤاً وحوله نفر من بطارقة الروم، فسألني من أنا، فانتسبت له، فقال: حياك الله فإننا بنو عم. ثم أمر جلساءه فخرجوا من عنده وخلا بي يسألني عن العرب وأماكنها، فخبرته بجميع ما سألني عنه، فبكى حتى اخضلت لحيتَه الدموعُ ثم أنشأ يقول:

تنصرت بعد الدين من عار لطمةٍوما كان فيها لو صبرت لها ضررْ
تكنّفني منها لجاجٌ ونخوةٌفبعت بها العين الصحيحة بالعوَرْ
ويا ليت أمي لم تلدني وليتنيثويتُ أسيراً في ربيعة أو مضر
ويا ليتني أرعى المخاض بقفرةٍولم أنكر القول الذي قاله عمر
ويا ليت لي بالشأم أدنى معيشةٍأجالس قومي في العشيات والبكر
أدين لما دانوا به من شريعةٍوقد يجلس العير الضجور على الدبُر

قال: ثم دعا بغدائه فتغدينا، فلما فرغنا خرجت علينا جاريتان في يد إحداهما بربطٌ وفي يد الأخرى مزمار فجلستا، ثم خرجت علينا جاريتان في يد إحداهما جام فيه مسك مسحوق وفي يد الأخرى جام مملوء ماء ورد، ثم أقبل طائران كانا شبيهين بطاؤوسين أو تدرُجين فسقطا في الجام واحتملا المسك بجناحيهما فرشاه علينا، وقال جبلة للمغنيتين: غنيانا، فغنتاه:

لمن الدار أقفرت بمُعانبين أعلى اليرموك فالمسربان
ذاك مغنىً لآل جفنة في الدهر وحق ٌ تصرف الأزمان
قد أراني هناك حقاً مكيناًعند ذي التاج مقعدي ومكاني

قال: ثم بكى حتى اخضلت دموعه لحيته، ثم قال: غنياني، فغنتاه:

لله درُّ عصابةٍ نادمتهميوماً بجلِّقَ في الزمان الأول
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»
أولاد جفنة حول قبر أبيهمقبر ابن مارية الكريم المِفْضَل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»
يسقون من هبط البريص عليهمبردى يُصفِّقُ بالرحيقِ السلسل
يُغشون حتى ما تهرّ كلابهملا يسألون عن السواد المقبل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»
بيض الوجوه كريمة أحسابهمشُمَّ الأنوفِ من الطراز الأول
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»

ثم قال لي: ما فعل ابن الفريعة؟ يعني حسان بن ثابت. قلت: حيّ إلا أنه كُفّ بصره. فوجد من ذلك وجداً شديداً وبكى وقال لخادم له: انطلق فأتني بأربعمائة دينار، فأتاه بها، فناولنيها وقال: أوصلها إلى حسان. ثم ودّعته وخرجت حتى أتيت معاوية فأخبرته بجواب رسالة قيصر ثم سرت من الشام حتى أتيت المدينة ولقيت حسان ودفعت إليه الدنانير، فقال:

إن ابن جفنة من بقية معشرٍلم يغذُهم آباؤهم باللُّوم
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن ابن جفنة من بقية معشر»
لم ينسني بالشأم إذ هو ربهايوماً ولا متنصراً بالروم
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «إن ابن جفنة من بقية معشر»
يعطي الجزيل فما يراه عندهإلا كبعض عطية المذموم
ما جئته إلا وقرّب مجلسيودعا بأفضل زاده المطعوم

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاسن والمساوئ»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.