تجاوز إلى المحتوى

من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)

مساوئ الرجال

ذم أعرابي رجلاً فقال: يا نطفة الحمار ونزيع الظؤورة وشبيه الأخوال.

وذم قوماً فقال: إن آل فلان قوم غدر شرّابون للخمر، ثم هذا في نفسه نطفة خمّار في رحم صناجة.

وذم أعرابي رجلاً فقال: يقطع نهاره بالمُنى ويتوسد ذراع الهم إذا أمسى.

وذم أعرابي رجلاً فقال: ما قنع كمياً سيفاً ولا قرى يوماً ضيفاً ولا حمدنا له شتاء ولا صيفاً.

وقال أعرابي لامرأته: أقام الله ناعيك وأشمت عاديك.

وذم أعرابي رجلاً فقال: عليه كل يوم قسامة من فعله تشهد عليه بفسقه، وشهادات الأفعال أعدل من شهادات الرجال.

وذم أعرابي رجلاً فقال: تسهر زوجته جوعاً إذا نام شبعاً، ولا يخاف عاجل عارٍ ولا آجل نار، كالبهيمة أكلت ما جمعت ونكحت ما وجدت.

وذم أعرابي رجلاً فقال: ذاك أعيا ما يكون عند الناس أبلغ ما يكون عند نفسه.

ولام أعرابي رجلاً فقال: تقطع أخاك لأبيك وأمك! فقال: إني لأقطع الفاسد من جسدي وهو أقرب إلي من أخي وأعز فقداً منه.

وذم أعرابي قوماً فقال: يا قوم لا تسكنوا إلى حلاوة ما يجري من القول على ألسنة بني فلان، وأنتم ترون الدماء تسيل من أفعالهم، قد جعلوا المعاذير ستوراً والعلل حجباً.

وذم أعرابي رجلاً فقال: إذا سأل ألحف وإذا سُئل سوّف، يحسد أن يفضَّل ويزهد أن يفضِّل.

وذم أعرابي رجلاً فقال: يكاد أن يعدي بلؤمه من تسمى باسمه.

وذم أعرابي رجلاً فقال: تعدو إليه مواكب الضلالة وترجع من عنده بهلاك الأنام، معِدمٌ مما يحب مثرٍ مما يكره.

وقال أعرابي لرجل: والله ما جفانكم بعظام ولا أجسامكم بوسام ولا بدت لكم نار ولا طلبتم بثار.

ورأى أعرابي رجلاً ظلوماً يدعو فقال: يا هذا إنما يستجاب لمظلوم أو مؤمنٍ ولست أحداً منهما، أراك تخفّ عليك الذنوب وتحسن عندك مقابح العيوب.

وذم أعرابي رجلاً فقال: فلان لا يستحيي من الشر ولا يحب أنه أحب الخبر، ولا يكون في موضع إلا حرمت فيه الصلاة، ولو قذف لؤمه على الليل طمس نجومه، ولو أفلتت كلمة سوء لم تصر إلا إليه.

وسأل أعرابي رجلاً فقال: لقد نزلت بوادٍ غير ممطور وبرجل بك غير مسرور، فارتحل بندم أو أقم بعدم.

وذم آخر رجلاً فقال: ما كان عنده فائدة ولا عائدة ولا رأي جميل ولا إكرام الدخيل.

وقيل لأعرابي: ما بلغ من سوء خلقك؟ قال: تبدو لي الحاجة إلى الجار أو الصاحب في بعض الليل فأصبح غضبان عليه أقول كيف لم يعلمها؟ وذكر أنه تنافر رجلان من بني أسد إلى هرم بن سنان المرّيّ في الشرّ وعنده الحطيئة فقال أحدهما: إني بقيت زماناً وأنا أرى أني شر الناس وألأمهم حتى أتاني هذا فزعم أنه شر مني، فقال هرم: أخبراني عنكما. فقال أحدهما: لم يمر بي أحد قط إلا اغتبته ولا ائتمنني إلا خنته ولا سألني إلا منعته.

وقال الآخر: أما أنا فأبطر الناس في الرخاء وأجبنهم في اللقاء وأقلهم حياء وأمنعهم خباء. فقال هرم: وأبيكما لقد ترددتما في الشر ولكن أخبركما بمن هو شر منكما! قالا: ما ولدت ذاك النساء! قال: بلى، هذا الحطيئة هجا أباه وأمه ونفسه ومن أعطاه ومن أحسن إليه، فقال لأبيه:

لحاك الله ثم لحاك حقاًأباً ولحاك من عمّ وخال
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «لحاك الله ثم لحاك حقا»
فبئس الشيخ أنت على النواديوبئس الشيخ أنت لدى المعالي
جمعت اللؤم لا حياك ربيوأبواب المخازي والضلال

وقال لأمه:

تنحّي فاقعدي مني بعيداًأراح الله منك العالمينا
أغربالاً إذا استودعت سراًوكانوناً على المتحدثينا
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «جزاك الله شرا من عجوز»
ألم أوضح لك البغضاء منيولكن لا إخالك تعلمينا
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «جزاك الله شرا من عجوز»

وقال لنفسه:

أبت شفتاي اليوم إلا تكلمابشرٍّ فما أدري لمن أنا قائله
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «أبت شفتاي اليوم إلا تكلما»
أرى لي وجهاً شوه الله خلقهفقُبّح من وجهٍ وقبح حامله
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «أبت شفتاي اليوم إلا تكلما»

وقال لمن أعطاه:

سألتُ فلم تبخل ولم تُعطِ نائلاًفسيّان لا ذمٌ عليك ولا حمد

قيل: ولما حضرت الحطيئة الوفاة قيل له: أوص. فقال:

الشعر صعبٌ وطويلٌ سلّمهإذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
للشاعر الآثاري، اقرأ القصيدة
زلّت به إلى الحضيض قدمهوالشعر لا يسطيعه من يظلمه
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «فالشعر صعب وطويل سلمه»

يريد أن يعربه فيعجمه

فقيل له: أوص للمساكين بشيء. فقال: أوصيهم بالمسألة ما عاشوا فإنها تجارة لن تبور. قيل: أوص فقد حضرك أمرك. فقال: مالي للذكور من ولدي دون الإناث. قيل له: إن الله ﷿ لم يأمر بهذا! قال: لكني آمر به. فقيل له: اعتق غلامك يساراً الأسود. قال: هو مملوك ما دام على ظهر الأرض عبسيّ. قيل له: من أشعر الناس؟ فقال: هذا المِحجن ما أطمع في خير، وأومأ إلى لسانه ثم جعل يبكي. فقيل له: ما يبكيك، أجزعاً من الموت يا أبا مليكة؟ قال: لا ولكن ويل للشعر من رواية السوء! ثم قال: أبلغوا الشمّاخ أنه أشعر غطفان على وجه الأرض، وإن متّ فاحملوني على حمار فإنه لم يمت عليه كريم قط. وفي غير هذه الرواية أنه قال: احملوني على حمار فإنه لم يمت عليه كريم قط لعلي أن أنجو، ثم أنشأ يقول:

لكل جديدٍ لذةٌ غير أننيرأيت جديد الموت غير لذيذ
له نكهةٌ ليست بطعم سفرجلٍولا طعم تفّاحٍ ولا بنبيذ

ثم خرجت روحه، فلما مات قال فيه الشاعر:

لا شاعرٌ ألأم من حطيههجا بنيه وهجا المريه

من لؤمه مات على فريّه

قال: وقيل لمعاوية بن أبي سفيان: من رأيت شر الناس؟ فقال: علقمة ابن وائل الحضرمي، قدم على رسول الله، ﷺ، فأمرني أن أنطلق به إلى منزل رجل من الأنصار أنزله عليه، فانطلقت معه وهو على ناقته وأنا أمشي في ساعة حارة وليس عليّ حذاء، فقلت: احملني يا عم من هذا الحر فإنه ليس عليّ حذاء. فقال: لستَ من أرداف الملوك. قلت: أنا ابن أبي سفيان، قال: قد سمعت رسول الله، ﷺ، يقول ذلك. قال فقلت: الق إليّ نعليك. قال: لا تقلّهما قدماك، ولكن امش في ظلّ ناقتي وكفى لك بذلك شرفاً، وإن الظل لك لكثير. فما مرّ بي مثل ذلك اليوم. ثم أدرك سلطاني فلم أؤاخذه بذلك بل أجلسته على سريري هذا وقضيت حوائجه.

ومنهم دريد بن الصمة بن غزية وكان من المعمّرين قال: يا بني أوصيكم بالناس شراً، لا تتبعوا لهم خيراً، كلموهم نزراً والحظوهم شزراً ولا تقبلوا لهم عذراً ولا تقيلوهم عثرة، ثم أنشأ يقول:

يا رُبّ نهبٍ صالحٍ حويتهوربّ غيلٍ حسنٍ لويته
لو كان للدهر بلىً أبليتهأو كان قرناً واحداً كفيته

اليوم يبنى لدريدٍ بيته

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاسن والمساوئ»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.