تجاوز إلى المحتوى

من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)

محاسن بُعد الهمة

قال: حدثّنا أحمد بن إسحاق التُستري قال: دخل أحمد بن أبي دؤاد على الواثق فقال له الواثق: بالله يا أبا عبد الله إني حنثت في يمين فما كفارتها؟ فقال: مائة ألف دينار، فقال ابن الزيات: والله ما سمعنا بهذا في الكفارات إنما قال الله جل وعز، وتلا الآية في كفارة الأيمان، فقال: تلك كفارة مثله في بعد همته وجلالة قدره أو مثل آبائه، إنما تكون كفارة اليمين على قدر جلال الله من قلب الحالف بها ولا نعلم أحداً الله جل وعز في قلبه أجل من أمير المؤمنين فقال الواثق: تحمل إلى أبي عبد الله يتصدق بها.

قال: ودعا يحيى بن خالد البرمكي ابنه إبراهيم يوماً وكان يسمى دينار بني برمك لجماله وحسنه ودعا بمؤدبه وبمن كان ضُم إليه من كتّابه، وأجابه، فقال: ما حال ابني هذا؟ قالوا: قد بلغ من الأدب كذا وكذا ونظر في كذا وكذا قال: ليس عن هذا سألت، قالوا: قد اتخذنا له من الضياع كذا وغلته كذا قال: ولا عن هذا سألت إنما سألت عن بعد همته وهل اتخذتم له في أعناق الرجال منناً وحبّبتموه إلى الناس؟ قالوا: لا قال: فبئس العشراء أنتم والأصحاب، هو والله إلى هذا أحوج منه إلى ما قلتم! ثم أمر بحمل خمس مائة ألف درهم إليه ففرقت على قوم لا يدري من هم.

قال: وقال المأمون لولده وعنده عمرو بن مسعدة ويحيى بن أكثم: اعتبروا في علوّ الهمة بمن ترون من وزرائي وخاصتي، إنهم والله ما بلغوا مراتبهم عندي إلابأنفسهم، إنه من تبع منكم صغار الأمور تبعه التصغير والتحقير وكان قليل ما يفتقد من كبارها أكثر من كثير ما يستدرك من الصغار، فترفعوا عن دناءة الهمة وتفرغوا لجلائل الأمور والتدبير واستكفوا الثقات وكونوا مثل كرام السباع التي لا تشتغل بصغار الطير والوحش بل بجليلها وكبارها، واعلموا أن أقدامكم إن لم تتقدم بكم فإن قائدكم لا يقدمكم ولا يغني الولي عنكم شيئاً ما لم تعطوه حقه، وأنشده:

نحن الذين إذا تخمّط عصبةٌمن معشرٍ كنا لها أنكالا
ونرى القروم مخافةً لقرومناقبل اللقاء تقطِّر الأبوالا
نرد المنية لا نخاف ورودهاتحت العجاجة والعيون تلالا
للشاعر المأمون، اقرأ القصيدة
نعطي الجزيل فلا نمنّ عطاءناقبل السؤال ونحمل الأثقالا
وإذا البلاد على الأنام تزلزلبتكنا لزلزلة البلاد جبالا

ولبعضهم في أبي دلف:

له هممٌ لامنتهى لكبارهاوهمته الصغرى أجلُّ من الدهر
له راحةٌ لو أن معشار جودهاعلى البرّ كان البر أندى من البحر
للشاعر محمد الهلالي، اقرأ القصيدة
ولو أن خلق الله في مسك فارسٍفبارزه كان الخليَّ من العمر
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة
أبا دلفٍ بوركت في كل وجهةٍكما بوركت في شهرها ليلة القدر
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة

ولغيره:

لا تهدمن بنيان قومٍ وجدتهمبنوا لك بنياناً وكن أنت بانيا
وإن زهد الأقوام في طلب العلىفسام بكفّيك الندى والمعاليا

عبد الله بن طاهر:

فتىً خصه الله بالمكرماتفمازج منه الحيا والكرم
للشاعر الجاحظ، اقرأ القصيدة
إذا همةٌ قصّرت عن يدٍتناول بالمجد أعلى الهمم
للشاعر عبد الله بن طاهر، اقرأ القصيدة
ولا ينكت الأرض عند السؤالليثني زوّاره عن نعم
بدا حين أثرى لإخوانهففلّل عنهم شباة العدم
وذكّره الحزم غِبَّ الأمورفبادر قبل انتقال النّعم
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

قال: وحدّثنا بعض أهل ذي الرئاستين قال: كان ذو الرئاستين يبعث بي وبأحداث من أهل بيته إلى شيخ بخراسان ويقول: تعلموا منه الحكمة، فكنا نأتيه ونستفيد منه الآداب، فلما كان بعد ذلك قال لنا: أنتم أدباء وقد تعلمتم الحكمة ولكم نعمة فهل فيكم عاشق؟ فاستحيينا من قوله وسكتنا، فقال: اعشقوا فإن العشق يطلق لسان البليد ويسّخي البخيل ويشّجع الجبان ويبعث على التلطف وإظهار المروءة في المطعم والمشرب والملبس وغير ذلك، وانظروا أن تعشقوا أهل البيوتات والشرف. قال: فخرجنا من عنده وصرنا إلى ذي الرئاستين، فسألنا عما أفادنا فهبناه أن نخبره، فقال: تكلموا، فقلنا: تكلموا، فقلنا: إنه أمرنا بكذا وكذا، فقال: صدق وبرّ، أتعلمون من أين قال لكم ذلك؟ قلنا: يخبرنا به الوزير، فقال: كان لبهرام جور ابنٌ قد رشحه للملك من بعده واعتمد عليه في حياته، وكان خامل المروءة ساقط الهمة فضم إليه عدة من المؤدبين والحكماء والعلماء ومن يتعلم الفروسية، فبينا بهرام في مجلسه إذ دخل عليه بعض أولئك المؤدبين المضمومين إلى ابنه، فسأله عن خبر ابنه وأين بلغ من الحكمة والأدب، فقال: أيها الملك قد كنت أرجو أن يتوجه أو يعي بعض ما ألّفته وأُلقيه إليه حتى حدث من أمره ما آيسني منه، قال: وما هو؟ قال: بصر بابنة فلان المرزبان فهويها فهو الآن يهذي بها ليله ونهاره، فقال: الآن رجوت فلاحه، اذهب فشجّعه بمراسلة المرأة وخوّفه بي، فذهب المؤدب فانتهى إلى ما أمره به، وبعث بهرام إلى أبي الجارية ودعاه فقال له: إني مزوج ابني ابنتك فأتها ومرها أن تراسل ابني وتطمعه في نفسها فإذا استحكم طمعه فيها ورجا الالتقاء تجنّت عليه وقالت: إني لا أصلح إلا لملك عظيم القدر بعيد الهمة حسن المودة أديب النفس شجاع البطش ولست كذلك ولا هناك، ثم عرّفني الكائن منك في ذلك. فمضى المرزبان إلى ابنته فأعلمها بذلك وبما قاله له الملك، فراسلت الفتى وأطمعته ثم قالت له ما أمرها به أبوها، فلما سمع الفتى ذلك أنف أنفاً شديداً وتقاصرت إليه نفسه فأقبل على تعلم الأدب والحكمة والفروسية حتى صار رأساً في ذلك، فلما بلغ الغاية التي لا بعدها رفع قصّته إلى أبيه يشكو تخلف حاله وقصور يده عما يشتهيه، فوقّع له أبوه بإزاحة علّته والتوسعة عليه، ثم بعث إلى المؤدب فدعاه فقال: قل لابني يرفع إليّ قصة يسألني فيها إنكاحه ابنة المرزبان، فقال له المؤدب ذلك فكتب قصة رفعها إلى الملك يسأله تزويجها منه وأن يصل جناحه بذلك وأنها ممن تصلح لمثله، فأمر الملك بإحضار المرزبان وسأله أن يزوج ابنته من ابنه ففعل، وجهّزها الملك بأجلّ ما يكون من الجهاز وقال لابنه: إذا أنت خلوت بها فلا تُحدثن شيئاً حتى آتيك، فلما كان ذلك الوقت دخل الملك على ابنه فقال: يا بني إياك وأن تصغر شأن هذه المرأة عندك فإنها من أعظم الناس منّة عليك، وإن الذي كان من مراسلتها إياك فإنما كان عن أمري وبإذني وتدبيري، فاعرف حقّها وحقّ أبيها وأحسن معاشرتها وبرّها، ثم خرج الملك وخلا الفتى بأهله، ثم قال ذو الرئاستين: سلوا الآن الشيخ عن السبب الذي حمله على ما أمركم به، قال: فسألناه فحدّثنا بحديث ذي الرئاستين.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاسن والمساوئ»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.